ارشيف من :أخبار لبنانية

نجاد العاقل

نجاد العاقل

ساطع نور الدين  _ "السفير"

كانت لحظات مثيرة فعلا قبل ان يتم التأكد من ان الهدية التي قدمها الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى نظيره اللبناني ميشال سليمان، في القصر الجمهوري في بعبدا، ليست جهازا للطرد المركزي يُستخدم في تخصيب اليورانيوم، ولا جهازا للمساعدة في استجواب او في محاكمة شهود الزور... بل هي عبارة عن جهاز ايراني متطور للتصوير المتناهي الصغر «النانو» لا يُستغنى عنه في اي بحث علمي معاصر، يشهد على تقدم التكنولوجيا الايرانية، وعلى تجدد السياسة الايرانية وعلاقتها الالزامية مع الدولة اللبنانية.

صحيح ان بعض الجمهور اللبناني كان يتمنى ان تكون هدية نجاد نووية او جنائية، لكن الرئيس الايراني لم يأت الى بيروت محاربا او حتى متحديا لا لفريق من اللبنانيين لا يبدو سعيدا بزيارته، ولا لغالبية الدول العربية التي لم تكن ولن تكون مرتاحة لمثل هذا الاختراق الايراني الجديد للداخل العربي، ولبلد عربي شديد الانقسام والاضطراب والتوتر. فقد وصل الى العنوان الرسمي اللبناني ليؤكد الاعتراف الايراني التقليدي، الذي لم يهتز يوما حتى في احلك ظروف العلاقات الثنائية بين البلدين، بأن للبنان خصوصيات فريدة وحساسيات استثنائية، كما استبق وصوله بالاتصال الهاتفي مع الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والملك الاردني عبد الله الثاني، الذي يعبر عن واقعية ايرانية مؤثرة، لا تعكسها شخصية الرجل ولا خطاباته النارية التي ليس لها مكان لا في الرياض ولا في عمّان ولا في اي عاصمة عربية اخرى.

لعله تأثير بيروت على الرئيس الايراني الذي حمل الى اللبنانيين جميعا هدية علمية ثمينة، وآثر الاستئذان من الرياض وعمان قبل القيام برحلته المثيرة للجدل الى لبنان الذي يحتل مكانة خاصة في وجدان الايرانيين على اختلاف انتماءاتهم وفي تاريخهم الشيعي ذي المصادر العاملية، وفي جدول اعمالهم السياسي الراهن الذي يعتمد بخاصة على الغالبية الشيعية اللبنانية المتنامية، كما يستند الى الرافعة القتالية لحزب الله خصوصا، وهو ما لا يمكن ان توفره لهم الغالبية الشيعية العراقية، ولا طبعا الاقليتان الشيعيتان الافغانية والباكستانية.

وقد تدخل زيارة نجاد بيروت التاريخ باعتبارها شاهدا على تحول في خطابه السياسي فرضه تسليم الدولة الايرانية بالامر الواقع اللبناني، وبالحد الفاصل العربي، وبالحاجز الدولي الذي يمنع القيادة الايرانية من ان تعلن لبنان ارض مقاومة وجهاد، ويقرّب الرئيس الايراني الحالي من لغة سلفه محمد خاتمي الذي استعاد بعض اللبنانيين ذكرى زيارته للبنان في العام 2003، فقط من اجل اجراء مقارنات خاطئة وظالمة بحق البلدين والشعبين والرجلين.. في الوقت الذي يبدو فيه ان زيارة نجاد بيروت لا تشبه سوى زياراته المتكررة بغداد وكابول، اللتين يقول فيهما كلاما قاسيا بحق المحتلين الاميركيين، ويكاد يسأل مضيفيه العراقيين والافغان عن سبب وجود القوات الاميركية في بلادهم، من دون ان يراعي اصول الضيافة ولا فنون السياسة، مكتفيا فقط بهوايته المفضلة في مقارعة اميركا في عقر ديارها الواسعة!
   

   


2010-10-14