ارشيف من :أخبار لبنانية

الانقلاب الذي لم يحصل

الانقلاب الذي لم يحصل

ادمون صعب _ "السفير"


لسنا ندري كيف سنفسّر البعثات الديبلوماسية في لبنان، ومعها مخابراتها، الاستقبال التاريخي الذي حظي به الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في الطريق من المطار إلى بعبدا، ثم في قصر بعبدا حيث كان الاستقبال وطنياً جامعاً.

كذلك لسنا ندري كيف سيترجم الديبلوماسيون والصحافيون الأجانب لحكوماتهم وللرأي العام فيها البحر البشري الذي غمر موكب نجاد الذي تعرضت زيارته للبنان لموجة خارجية من التحذيرات السياسية، والتهديدات الأمنية، ولكنها حصلت رغم ذلك وبأبهى مظاهرها، لأن لبنان أصرَّ، دولة وجيشاً وشعباً ومقاومة، على تحدي المحذّرين والمهددين، وإظهار نفسه للعالم، كل العالم، انه وإن يكن بلداً صغيراً، فإنه في الوقت عينه دولة مستقلة ذات سيادة، يملك شعبه إرادة «إلهية» مكّنته ان يهزم أكبر قوة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ويفرض نفسه رقماً صعباً في معادلة المنطقة أشاء المهددون والمحذّرون أم أبوا.

هكذا بدا لبنان أمس، بل هكذا شاء رئيسه وأركان دولته تقديمه إلى العالم، من خلال الاستقبال «الامبراطوري» الذي أعد للرئيس الإيراني، في لفتة صداقة ووفاء أرخت بظلالها، بل هي محت كل الكلام السلبي الذي قيل في الزيارة داخلياً وخارجياً، وخصوصاً بعد الاتصالين اللذين أجراهما الرئيس الإيراني بالملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وبالملك الأردني عبد الله الثاني، ثم الكلام الذي أدلى به نجاد في القصر الجمهوري وشدد فيه على استقلال لبنان وحرية قراره، وعلى وحدة اللبنانيين وعيشهم المشترك، وعلى الوفاق الوطني، مؤكداً وقوف إيران بجانب لبنان، كل لبنان، بمختلف فئاته.

ويا لها من مصادفة أن تأتي زيارة الرئيس الإيراني في ذروة تصعيد سياسي حول المحكمة الدولية وشهود الزور الذين كانوا موضوع تقرير وزير العدل إبراهيم نجار. وقد جاءت زيارة نجاد وكأنها مطلوبة لتمنح الحكومة فرصة للتأمل في ما سيكونه الموقف العقلاني من ملف شهود الزور.

لقد كان مؤملاً ان يعلن الرئيس سعد الحريري، بعد زيارته دمشق في 19 كانون الأول الماضي ولقائه الرئيس بشار الأسد، ان يعلن انقلاباً على ما جرى منذ 2005، ويتخذ إجراءات على المستوى الحكومي من شأنها ليس إسقاط الاتهام السياسي عن سوريا فحسب، بل إجراء تشكيلات قضائية وأمنية تقضي بإبعاد كل رموز المرحلة السابقة عن السلطة وقد حددت المذكرات السورية بعضهم، وتعيين اشخاص حياديين مكانهم، في انتظار مراجعة شاملة للتحقيقات في جريمة اغتيال والده ورفاقه والاغتيالات التي أعقبتها واتُهمت سوريا فيها كلها، انطلاقاً من قرار يتخذ في مجلس الوزراء لتوجيه كتاب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وعبره إلى مجلس الأمن، لفتح مفاوضات بين الحكومة اللبنانية والمجلس من أجل تعديل المعاهدة المتعلقة بالمحكمة الدولية، بهدف إجراء مراجعة شاملة للتحقيقات من شأنها استعادة الصدقية للتحقيق والمحكمة معاً، تمهيداً للوصول إلى الحقيقة في اغتيال والده، ومحاكمة المتورطين فيها أمام محكمة عادلة يجمع عليها جميع اللبنانيين، بدل اختيار ضحية والتركيز عليها تنفيذاً لارادات دولية.

وهذا يستدعي إقالة القاضي دانيال بيلمار وتجميد القرار الظني. ولو قيض للرئيس سعد الحريري أن يسأل والده الشهيد في ما ينبغي عمله في هذا الشأن، لأجابه: «ما كنت احسبني سأعيش إلى زمن تُقدم فيه ضحية بريئة على مذبح العدالة. مذكراً إياك بقصة سيدنا ابراهيم الخليل الذي رفض الرب ان يقدم إليه ابنه البريء ضحية، فبعث إليه بكبش. فلا تخطئ يا ولدي مع المقاومة. ولا تدع أحداً يضللك. وإني أقول لك من هنا إني أرفض ان يأتي من يغتالني ثانية بتقديم حزب الله كبش محرقة على مذبح إسرائيل وأميركا والدول المتعاطفة معهما. فحذار الوقوع في الخطيئة وأفضل لك الاستقالة على ارتكاب مثل هذه الجريمة في حقي وحق لبنان».
من هنا نقول ان لا مبرر للضجة التي أثيرت حول طلب النائب نهاد المشنوق من الرئيس الحريري الاستقالة، ولكن لغير السبب الذي أورده المشنوق، بل من أجل الإتيان بحكومة، برعاية الحريري، قادرة على القيام بما استحال عليه هو القيام به. أي محاكمة شهود الزور أمام المجلس العدلي، وتعديل المعاهدة المتعلقة بالمحكمة مع الأمم المتحدة، وإجراء تشكيلات قضائية وأمنية تسهّل الانقلاب المطلوب.

هكذا تكون الديموقراطية يا دولة الرئيس، في مواجهة القبلية والعصبيات الطائفية والمذهبية. فهل أنت مستعد لذلك؟
 



2010-10-14