ارشيف من :أخبار لبنانية
زيارة نجاد إيجابية.. لأنـها تسـتفز العـدو
خالد حدادة، السفير
أول ما تبادر الى ذهني في لحظة وصول طائرة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى بيروت، هو كيف يمكن لمثل هذه الزيارة لرئيس دولة، بناء على دعوة نظيره اللبناني، ان تثير هذا الكم من النقاش في الصحف اللبنانية وبين رجال السياسة في لبنان؟
تتراكم الأسئلة ويبرز اكثرها تعبيراً؛ كيف يمكن لطرف أو اطراف سياسية لبنانية، أن تتحفظ على زيارة تحت حجة أنها قد تزعج إسرائيل والولايات المتحدة أو أنها قد تؤثر على تنفيذ لبنان للاتفاقات الدولية وبشكل خاص للقرار 1701؟
يمكن لأي متابع أن يتفهم (وليس ضرورياً أن يوافق) بعض الملاحظات حول تزامن الزيارة مع أجواء التوتر الداخلي اللبناني، خاصة أن ايران بعلاقاتها اللبنانية، قد تكون إحدى الدول الفاعلة في المنطقة وأيضاً المؤثرة في جوانب السياسة الداخلية، مثلها مثل السعودية ومصر والولايات المتحدة وسوريا وغيرها من الدول.
وهذا طبعاً ليس مسؤولية هذه الدول الحصرية، بل هي بالأساس مسؤولية النظام السياسي على مر تاريخه وبنسخه المختلفة، وهو نظام لا يمكنه الاستمرار من دون الدعم الخارجي المتنوع لأجنحته وقواه المختلفة والمتعايشة.
ويمكن بل هو مفهوم أن يكون للبعض ملاحظات حول النظام الإيراني في الأيديولوجيا والممارسة الديموقراطية وغيرها.. ولكن هل هو المسؤول الوحيد الذي يزور لبنان، وليس في بلده خلافات داخلية حول الممارسات السياسية والاقتصادية؟ هل هو الرئيس الوحيد الذي يزور لبنان وفي سجون بلاده شباب ونساء معارضون للنظام؟ هل ملوك ورؤساء العرب الذين تفتح لهم القلوب وتسيل الأقلام (مع اللعاب) يترأسون أنظمة ديموقراطية تعطي للإنسان فيها كل حقوقه الفردية والاجتماعية والسياسية؟
لو كان النقاش قد طال المواضيع المشار اليها، لما توقفنا عندها. ولكن أن يكون الاعتراض عند البعض، هو دفاع عن شعور الكيان الصهيوني والادارة الاميركية فهو ما يتعدى القدرة على التبرير والتفهم وذلك لسببين:
الأول، إن طبيعة العلاقة بين إيران والكيان الصهيوني، والموقف الذي تبديه القيادة الإيرانية هو الموقف الأساسي الإيجابي للنظام الإيراني وموقعه هذا هو من الظواهر الإيجابية الأساسية المستمرة في ايران حتى الآن. وبشكل خاص موقف ايران من حرب تموز ونتائجها. وبغض النظر عن الدوافع، فإن ما قدمته في هذا المجال هو تدعيم لمنطق الصمود الوطني بوجه الأطماع الاسرائيلية في لبنان، إلاّ إذا كان ما يستفز البعض هو استمرار قدرة لبنان على الصمود بوجه المشاريع الأميركية - الاسرائيلية.
الثاني، وهو الأخطر، هو تعارض هذه التصريحات مع الحس الوطني والقومي اللبناني وتعارضها مع دستور لبنان وميثاق الطائف. إذ كيف يمكن للبناني (يدّعي السيادة والاستقلال) أن يعترض على خطوة تستفز العدو الصهيوني أو حاضنه الأميركي؟ وكيف يمكن تفسير هذا الموقف في الوقت الذي يصل فيه التهديد الاسرائيلي للبنان الى ذروته بالتوازي مع تطور شعار يهودية الكيان واشتراطاته، التي ستنعكس على كل المنطقة ولبنان بأساسها.
باختصار، ما يجعل هذه الزيارة ممكنة وإيجابية هو فقط ما اعترض عليه هؤلاء. إنها زيارة إيجابية ليس لما ستقدمه من دعم وتعاون قد يضيع في ظل فساد النظام اللبناني بل ما يبررها هو بالأساس إنها تستفز الكيان الصهيوني وحاضنه الأميركي.
وفي جانب سياسي آخر، هو استمرار النقاش والانقسام اللبناني حول موضوع المحكمة الدولية وشهود الزور، وهو ما يؤكد استمرار خطر أن يتحول هذا الموضوع الى فتيل لفتنة بديلة أو ممهدة لتنفيذ ما عجز عنه العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 ولتجاوز نتائج هذا العدوان في الجانب الأميركي الاسرائيلي.
وبغض النظر عن قدرة الواقع الإقليمي المؤثر على تأجيل أو تلطيف اجواء الانقسام الداخلي، يتضح أكثر بأن إطلاق شرارة الفتنة هو أكثر خضوعاً للقرار الأميركي عبر واجهة الأمم المتحدة والمحكمة الدولية. وانطلاقاً من أن طرف الخيط هو في اليد الأميركية في هذا الاطار، ورغم صعوبة هذا الوضع يمكن القول إن على القوى الوطنية والحريصة على مواجهة المشروع الأميركي في لبنان والمنطقة الانطلاق من حقيقة أن هذه الفتنة هي حاجة اميركية - اسرائيلية وبالتالي فإن على كل من يعمل على مواجهة المشروع ان يتصدى لاحتمالات الفتنة.
حان الوقت لانطلاق المعالجة من قاعدة فقدان الثقة بقدرة هذا النظام السياسي الطائفي المولد للانقسام وللحروب، على مواجهة ومعالجة ظواهر الانقسام ونتائجه وعلى مواجهة الفتنة. وبالتالي من قناعة الحاجة الى عمل تأسيسي يحاول حماية الكيان من خطر النظام.
على هذه القاعدة يصبح العمل على مؤتمر لمواجهة الفتنة وللحفاظ على السلم الأهلي حاجة ماسة، مؤتمر يجمع سياسيين ونقابيين ومثقفين ديموقراطيين للعمل على تشكيل جبهة لمواجهة الفتنة، على قاعدة إعادة تأكيد انتماء لبنان العربي وتموضعه في مواجهة الأطماع الاسرائيلية في أرضه ومياهه وسيادته، على قاعدة تأكيد الوحدة الوطنية الضامنة للاستقلال والسيادة، على قاعدة تغيير ديموقراطي لطبيعة النظام باتجاه بناء الدولة الوطنية الديموقراطية وعلى قاعدة احترام حقوق المواطن السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إنه سلام وطني قائم على قاعدة التغيير الديموقراطي والتصدي للمشروع الصهيوني.
أما الجانب الثالث الأكثر أهمية والأقل بروزاً، فهو ما يتمثل بالخطر على لقمة عيش المواطن وحقوقه الاجتماعية.
فمن السياسة الاقتصادية والمالية العامة، التي ترتكز على استمرار إعطاء الأولوية للدين العام على حساب حاجات الناس وحقوقهم وبالتالي صياغة الموازنات على هذه القاعدة. واستمرار التغطية على الإنفاق لصالح الفئات التي استفادت من هذا الإنفاق ومن مستوى الهدر الذي رافقه باعتراف وتقرير ديوان المحاسبة وليس فقط بالاتهام السياسي. الى استمرار التآمر على المكتسبات الاجتماعية للمواطنين، من مشروع التقاعد الذي ينال من حق المتقاعدين والموظفين الى تهديد الصندوق الوطني للضمان والمؤسسات الضامنة الأخرى.
وفي المباشر التهديد الفعلي للقمة العيش عبر غلاء الرغيف واستمرار الضرائب غير العادلة على المحروقات وغيرها من السلع الضرورية لحياة المواطنين.
والأكثر بروزاً في هذا المجال هو اختلاط مواقف القوى السياسية تجاهها من التآمر الى التهميش الى التجاهل بحجج مختلفة. والأخطر هو قدرة هذه القوى السياسية على استمرار ضبطها للهيئات النقابية وجعلها عاجزة عن المبادرة حيناً ومحاصرة لبعض المبادرات حيناً آخر. وكأن القادة النقابيين عندنا لا يتابعون تطورات الاحتجاج الاجتماعي الجاري في دول أخرى حول مطالب أقل حدة، كما يجري في فرنسا حيث استطاعت الاتحادات النقابية على اختلاف انتمائها السياسي التوحد دفاعاً عن محاولة السلطة اختلاس سنتين من تقاعد الفرنسيين وقيادة تحرك الملايين من الفرنسيين. وهذا ما يدعونا الى دعم كل المبادرات بغض النظر عن حجمها، التي تطلقها منظمات شبابية وعمالية مختلفة لجعل هذه القضية حاضرة رغم ضعفها الراهن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018