ارشيف من :أخبار لبنانية
مَن يطرق أبواب الفتنة مستعجلاً قيامها؟
لم يكن بالإمكان أكثر مما كان. الواقع السياسي المحلي يقود تلقائياً إلى نتائج من النوع الذي رافق زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى لبنان. أي أن الوقائع الصلبة هي التي تتحكّم عملياً بمسار الأمور سياسياً. صحيح أن في لبنان فئة تعتقد أن هناك فائضاً من القوة عند حزب الله ومَن معه من حلفاء وقوى في لبنان. وأنه لا يقبل بأي علاقة فيها تفوّق، سواء كان حقيقياً أو مركّباً أو خلاف ذلك. وصحيح أن التركيبة الطائفية للنظام تحول دون تولّي أي فريق السلطةَ وحده، أو تجاهل الآخرين في إدارة مؤسسات الدولة. وصحيح أكثر أن وجود لبنان في قلب حقل تجاذب إقليمي ودولي يمنع على أحد الاستفراد به. لكن في نهاية الأمر، ثمة حسابات تتصل بالواقع المعيش، أي بحجم كل فريق وقدرته على إدارة الأمور وفق مصالحه.
القلق الجدّي الموجود لدى الناس ليس من فراغ، لكنه ليس من النوع المتفلت من عقاله. بمعنى أن ما يُعرف بـ«غضب الأهالي» في كل الأمكنة ليس أمراً عفوياً طوال الوقت، حتى إذا ما حصل، فإن رعايته لأجل احتوائه أو لأجل تغذيته هو عمل تقوم به قيادات سياسية ودينية وحزبية وأصحاب مصالح يتّصلون بشكل أو بآخر بجهات إقليمية سياسية أو أمنية أو خلاف ذلك. وبهذا المعنى، فإن السؤال الحقيقي هو: هل هناك مَن بيده أمر إشعال الفتنة أو وأدها في مهدها؟
ما هو أكيد أن بمقدور قوى لبنانية صاحبة نفوذ كبير أداء الدور في هذا الاتجاه أو ذاك. وما هو أكيد أنه إذا تقرر السير في مواجهات أهلية لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها، فإن القدرة على ضبط الأمور والوقائع لاحقاً لن تكون سهلة، وخصوصاً عند الذين يدّعون اليوم أنهم يقدرون على التحكم بمسار الأمور. وبهذا المعنى، ربما من الأفضل قول كلام صريح لمن يهمّه الأمر.
أولاً: إن حزب الله يمثّل اليوم رأس حربة فريق 8 آذار، وهو الأقوى على الأرض، ليس تسليحياً كما يفترض كثيرون، بل هو التنظيم الأقوى والأكبر والأكثر تماسكاً وتنظيماً وفاعلية، والأكبر على مستوى القدرات التي تتيح له احتلال موقع متقدم يتجاوز حجمه داخل طائفته أو داخل مناطقه. وبالتالي، فإن بمقدور حزب الله إدارة تيار سياسي كبير، وأن يؤثر على مسار الأمور على نحو مختلف عما يقدر عليه آخرون من الفريق نفسه. وإذا ما وجد حزب الله مصلحة، وهي كذلك، في منع الفتنة، فإن لديه القدرة الكبيرة على احتواء أي حدث يحصل.
ثانياً: إن تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري يمثل القوة الأبرز في الفريق الآخر، لكنه ليس الأكثر فاعلية وليس الأقدر على التحكم بالشارع، والأمر يعود إلى أنه ليس تنظيماً بالمعنى المتعارف عليه، إن قياداته وكوادره لا يمثلون واقعاً تنظيمياً يعكس تمثيلاً حقيقياً في الشارع، ولأنه مثّل في مرحلة ما تجمّعاً لائتلاف مجموعة من القوى ذات الميل السياسي، لكن سعد الحريري ليس بالشخص القادر على ادّعاء القدرة على التحكم بالأمر. وبالتالي، فإن الجهد المأمول منه أكبر بكثير من أي جهد مطلوب من الآخرين، عدا أن لعبة تخيير الآخرين بين القبول به والتعايش مع السلفيين وخلاف ذلك، كلام يصيبه هو قبل أن يصيب الآخرين، إلا إذا كان يحتاج إلى من يعطيه درساً واقعياً في واقع الحركات الإسلامية. وبرغم أن الكلام قد لا يعجب كثيرين، فإن الحريري سوف يكون أول ضحايا فلتان الأوضاع.
ثالثاً: في الواقع المسيحي ثمة تيار يحلم بأيام غابرة، ولديه برنامجه السياسي والعقائدي والإطار التنظيمي الذي لا يتصل بواقع البلد اليوم ولا بوقائع المنطقة والعالم، وللقوات اللبنانية دور محوري في مساعدة بعض رجالات الكنيسة، وهو الدور الذي يراهن أو يعتقد بأن أي مواجهة بين السنة والشيعة سوف تتيح له انتزاع استقلالية تمنحه فرصة الإمساك بالقرار في الوسط
المسيحي والعودة مجدداً الى نغمة الفيدرالية. لكن لا بأس من لفت انتباه هذا الفريق الى أن التجربة المعيشة خلال العقد الأخير في كل المنطقة ولا سيما في العراق وفي مصر وحتى في لبنان، هي أن المسيحيين كانوا الضحية المباشرة والأكبر لأي نزاع أهلي ينشب في البلدان التي يعيشون فيها. وما هو مرئي بوضوح، أن مسعى «القوات» وفكرها هذا سوف يقودان الى تهجير قسم كبير من المسيحيين وإلى جعل البقية في واقع ضعيف للغاية.
في المقابل، نجد التيار الوطني الحر، الذي يمثل أغلبية موصوفة في الشارع المسيحي، يتعرض لحملة نادرة من الداخل والخارج لرفضه الانخراط في لعبة التحريض، ولأجل موقفه القائل بالتنبّه لعدم تكرار التجارب السابقة، التي لم توفر للمسيحيين ضمانات، وهي خيارات سبق أن جُربت وكانت نتائجها كارثية.
ويقف العماد ميشال عون هنا في موقع الرافض لأي صدام أهلي باعتباره سبباً لانفجار يطيح فكرة الدولة ومصالح المواطنين كافة ومن ضمنهم المسيحيون.
بقي أمر أخير، وهو أن أي مواجهة قد تحصل، وهو امر ليس له مؤشرات حاسمة حتى الآن، سوف يكون شكله محلياً، لكن امتداداته سوف تكون سريعة الانتشار، وأهم ما في الأمر، أن الأميركيين والأوروبيين والإسرائيليين سيتحولون سريعاً الى هدف مثبت قابل للإصابة في كل لحظة.
مارسيل غانم لم يكن موفقاً امس على الإطلاق، وضيوفه لا يمثلون حقيقة قوية، بل هم صدىً لأصوات مركبة، نعم مركبة، لأن الأصل فيها هو أن اولئك الذين يُكثرون من الكلام هم أول من يحرّض وأول من يهرب في لحظة الحقيقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018