ارشيف من :أخبار لبنانية

خطاب نجاد في «الراية».. تكريس لانتصار مشروع إقليمي وهزيمة آخر

خطاب نجاد في «الراية».. تكريس لانتصار مشروع إقليمي وهزيمة آخر
واشنطن تراهن على رافعة المحكمة.. محبة بلبنان أم بماذا؟


عماد مرمل


تكاد الزيارة الخاطفة لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان إلى بيروت تكون أشبه بعملية إنزال سياسي خلف الخطوط السورية - السعودية لقطع الطريق أمام الجهد المبذول لمعالجة الأزمة السياسية الراهنة في لبنان.


لقد بدا فيلتمان شديد الوضوح في بيروت، وهو يحدد الـ«لاءات» الأميركية، بحيث بدد الأوهام التي تراود البعض أحيانا حيال إمكان أن تغطي واشنطن أي تسوية حول القرار الظني والمحكمة الدولية... وبالتالي رفض المقايضة بين تسوية ما في العراق والواقع اللبناني.
كان السؤال الكبير بعد قمة بيروت الثلاثية، هل إن الرياض تستطيع ممارسة تأثير حقيقي لمنع انزلاق الوضع اللبناني من خلال المحكمة وقرارها الاتهامي، نحو مطارح صعبة، وبالتالي هل تستطيع إنجاز تسوية ما بتغطية إقليمية دولية؟
وقتها قال البعض إنه لا يجوز المبالغة في تقدير النفوذ السعودي في البيت الأبيض أو عند الفرنسيين، وقد جاء الجواب قاطعا من جيفري فيلتمان الذي أوحى بأن معادلة «س ـ س« ربما تفيد في إجراء أعمال الصيانة للوضع اللبناني في المرحلة الانتقالية الفاصلة عن موعد صدور القرار الظني ولكنها لا تملك مفتاح مصير المحكمة.
والمفارقة، ان واشنطن تبدو كأنها تعيد إنتاج أخطائها التي أدت الى تغيير المعادلات في 7 أيار الشهير، حين حرضت حلفاءها على التصلب في سلوكهم وعدم تقديم التنازلات إلى الفريق الآخر، موهمة إياهم بأن البوارج الاميركية التي كانت تجوب البحر الأبيض المتوسط آنذاك تتولى حمايتهم، ليتبين في لحظة الحقيقة أنهم تُركوا يواجهون مصيرهم وحدهم.
اليوم، تلعب إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، اللعبة ذاتها مع فارق جوهري وهو أنها أضعف حاليا مما كانت عليه في المرحلة السابقة إدارة الرئيسي الأميركي جورج بوش، فالأمور لا تسير على هواها في العراق حيت إيران وسوريا أصبحتا تتحكمان بالعملية السياسية بعد الانكفاء العسكري للاحتلال وانحساره ضمن قواعد عسكرية في المدن الكبرى. في أفغانستان تعاني الولايات المتحدة، من حرب استنزاف وحالة تخبط، فيما تكاد تفقد السيطرة على باكستان. أما في فلسطين المحتلة، فإن قطار المفاوضات المباشرة بين سلطة محمود عباس وحكومة بنيامين نتنياهو خرج عن سكته باكرا في تعبير عن انسداد أفق التسوية، بينما تهتز الساحات الداخلية في بعض دول الاعتدال العربي المتحالفة مع واشنطن.. وخير دليل واقع الإحباط المصري من قدرة الأميركيين على تسويق التوريث.
وسط هذا المشهد الدراماتيكي، كان التفاوض الايراني الأميركي غير المباشر في العراق، يتقاطع عند أكثر من نقطة، تستطيع أن توفر ضمانات متبادلة للطرفين، في السياسة والأمن، نظرا لمحورية الموضوع العراقي بالنسبة الى الايرانيين، ليس كبلد جار وحسب وليس استنادا الى دروس الحروب المتبادلة، بل بوصفه يمكن أن يشكل مستقبلا إحدى أبرز حلقات حلف اقليمي استراتيجي يبدأ من فلسطين ويمر بلبنان وسوريا والعراق ويشمل تركيا وصولا الى ايران وهو المشروع الذي تحدث عنه الرئيس الايراني في خطاب ملعب الراية الذي كان عنوان استفزاز للبعض لبنانيا ولا سيما رئيس الحكومة سعد الحريري، فضلا عن الأميركيين الذين يتردد أنهم قرروا تعديل روزنامة جولة فيلتمان في المنطقة في ضوء هذا الخطاب الإيراني الذي أخرج لبنان نهائيا من معادلتهم وصوره كأنه جزء لا يتجزأ من محور اقليمي بزعامة ايرانية. أي إن نجاد تصرف في الضاحية وأمام جمهور «حزب الله» بوصفه يمثل مشروعا انتصر على المشروع الأميركي ولم يعد ينقص سوى تحديد موعد الدفن.
في ظل ما كرسته زيارة نجاد، وفي الوقت نفسه، تراجع المشروع الأميركي في المنطقة، لم يكن صعبا استنتاج أن واشنطن تسعى إلى الاستفادة قدر الإمكان من رافعة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي ربما باتت تشكل آخر أوراقها الفاعلة لبنانيا وربما إقليميا، من أجل إعادة استنهاض حضورها المتآكل ومصالحها المهددة في المنطقة، وبذلك بدت، كمن يحتفظ في مسدسه برصاصة واحدة، ولا يحتمل ان تنحرف عن هدفها.
إلا ان الخطأ في الحسابات الداخلية، هذه المرة، سيكون مكلفا جدا، لأن رد الفريق المستهدف من القرار الاتهامي سيكون في مستوى الاستهداف، بمعزل عن السيناريوهات التي يتم تداولها سواء أكانت حقيقية أو خيالية، لكن الحكمة تقضي بألا يدفع بعض اللبنانيين مجددا ثمن التحريض الأميركي الجديد، الذي لن يتعدى حدود الألفاظ المنمقة.
ولعل الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد أعطى إشارة من هذا النوع خلال زيارته الاخيرة الى لبنان. صحيح انه لم يبادر شخصيا الى فتح موضوع المحكمة الدولية، باستثناء ما قاله في مهرجان ملعب الراية ولكن عندما أثار بعض المسؤولين هذا الامر معه، كان صريحا في التنبيه - كما تؤكد مصادر واسعة الاطلاع - الى ان هذه المحكمة وظيفتها تهديد الاستقرار في لبنان، وأن الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي هما الاهم بالنســبة الى إيران.
فهل تضع واشنطن الوحدة الوطنية والاستقرار في لبنان، ركيزة اساسية عندما تقارب بلسان جيفري فليتمان أو سفيرته المدللة مورا كونللي التي تعرف المشرق جيدا وهي خدمت في سوريا في أصعب الظروف وتعرف أن الأسلوب الجديد ـ القديم للادارة الأميركية باعتماد العصا والجزرة مع دمشق لن يجدي نفعا، بدليل أن فريديرك هوف في زيارته الأخيرة الى سوريا خرج صفر اليدين، بينما كان الجانب السوري منهمكا في ترتيب أوراق جديدة تتجمع عنده وباتت تفيض على طاولته الاقليمية، ودائما على طريقة الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي كان يجمع الأوراق تلو الأوراق الى درجة أنه لا يجد أحيانا لاعبين يستطيعون أن يقارعوه.
قبل فترة وجيزة كتب أحد الصحافيين المعتمدين في واشنطن الآتي: «هناك حقيقة صعبة يتجاهلها كثيرون في بيروت وواشنطن: ليس هناك بكل بساطة سياسة اميركية حيال لبنان او حتى سوريا، هناك مجرد محاولات اقليمية لاستكشاف دور واشنطن في المنطقة»... هل هناك من قرأ هذه الجملة جيدا؟
2010-10-19