ارشيف من :أخبار لبنانية
زيارة نجاد بعيون إيرانية: ذاهبون نحو الحسم
حال ما بعد
زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد لن تكون كما قبلها. مرحلة جديدة عنوانها «الحسم في
القضايا الكبرى». لا مراوحة بعد اليوم، وعلى الجميع أن يحدّدوا مواقفهم بطريقة
واضحة لا لبس فيها. هي باختصار رؤية دوائر القرار في إيران لما هو آت، وفيه الكثير
من الرهانات على مبادرات إيجابية سعودية ومصرية، تأتي تتويجاً لما تعدّه دمشق
وطهران «نصراً في المعركة الدبلوماسية»
إيلي شلهوب
شعور بـ«الفخر والاعتزاز» يسود المحيطين بالرئيس محمود أحمدي نجاد من هذا الاستقبال الضخم الذي لقيه في لبنان. «رضى كامل ونشوة وإعجاب منقطعا النظير بالحالة اللبنانية كلها، ومن ضمنها الجمهور». توقع هؤلاء «نكداً ومشاكسة، على ما أظهر سجال ما قبل الزيارة. لكن أياً من هذا لم يحصل. كانت الزيارة كلها، بكل محطاتها، مريحة كثيراً. ارتياح فوق العادة. كان هناك تلاقٍ كبير جداً بيننا».
هذا لسان حال دوائر صناعة القرار في إيران، حيث العتب واضح على وزير الدفاع إلياس المر، الذي «لم يستجب لأكثر من مبادرة لوضع إطار اتفاقية دفاعية لتسليح الجيش اللبناني»، وعلى الرئيس سعد الحريري، الذي «تملص من دعوة نجاد له لمرافقته إلى بنت جبيل لقطع دابر الفتنة».
ومع ذلك، فإن هذه الدوائر ترى أن الزيارة نجحت على أكثر من مستوى، في مقدمها أنها وضعت حداً لمقولة المحور السوري الإيراني الذي يدعم طرفاً لبنانياً مقاوماً على حساب طرف لبناني آخر يخاصم المقاومة. وأرست مكانها مقولة الإقليم، تلك «الجبهة السداسية» الداعمة للمقاومة في مواجهة الخارج الذي يسعى إلى نشر الفتنة فيه، فضلاً عن أنها «كرست فوز سوريا وإيران بالمعركة الدبلوماسية»، بعدما انتصرت المقاومة في المعركة العسكرية في تموز 2006.
تسليح الجيش
تقول مصادر إيرانية قريبة من دوائر صناعة القرار في طهران إن «علاقات التسلح بحاجة إلى جانبين. هناك مذكرة تفاهم دفاعيّة وقّعها وزير الدفاع في حكومة الرئيس عمر كرامي، عبد الرحيم مراد، خلال زيارته لطهران قبل أيام من اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. وقتها زار الوزير مراد مصانع صواريخ وأسلحة متقدمة، وكان توقيع المذكرة. كانت النية أنه عندما يعود الوزير مراد إلى بيروت ويرفع تقريره بالزيارة إلى مجلس الوزراء، فإنّ العلاقات الدفاعية بين البلدين ستُرفع إلى مستويات أرفع، ثم جاء الاغتيال وكان ما كان».
أضافت المصادر نفسها، التي تابعت زيارة نجاد عن كثب أنه «بقي الأمر طي النسيان، إلى أن طرح موضوع تسليح الجيش بجدية على الساحة اللبنانية قبل أشهر. صدف أن زار الرئيس (ميشال) سليمان طهران خلال هذه الفترة (في تشرين الثاني 2008). خلال هذه الزيارة، أبدى الجانب الإيراني استعداده لتزويد الجيش اللبناني بما يطلبه من أسلحة. شكر سليمان المسؤولين الإيرانيين، ووعد ببحث هذا الموضوع، من دون أن يتجاوز النقاش في هذا الملف الإطار البروتوكولي». وأوضحت أنه «عندما جدّ الجد، تحرك الجانب الإيراني عبر سلسلة زيارات قام بها السفير (الإيراني في بيروت غضنفر) ركن أبادي للقادة اللبنانيين، أبرزها زيارة لقائد الجيش العماد (جان) قهوجي، عارضاً على الملأ استعداد إيران لتسليح الجيش اللبناني».
وشددت المصادر نفسها على أنه «أثناء الإعداد لزيارة الرئيس نجاد لبيروت، وخلال فترة ما بيت أسبوع وعشرة أيام التي سبقت وصوله، وجّه وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي دعوتين عاجلتين إلى نظيره اللبناني إلياس المر لزيارة طهران للتفاهم على اتفاقية دفاعية بين البلدين توقع بوجود نجاد في بيروت، على غرار ما حصل في ملف الطاقة مع الوزير جبران باسيل». وقالت إن «الوزير المر شكر الجانب الإيراني على هاتين الدعوتين، ولم يلبّ أي منهما. وعندما فوتح للمرة الثالثة في القضية، قبل زيارة نجاد، قال إنه أحال هذا الملف على العماد قهوجي، ولا يزال عنده».
وفي تفسيرها لعدم استجابة الوزير المر للمبادرة الإيرانية، أعربت المصادر نفسها عن اعتقادها بأنه «يعود إلى ضغط أميركي واضح مورس بهدف عدم تكرار تجربة الرئيس (إميل) لحود وسوريا في موضوع الدفاع مع الرئيس سليمان وإيران». وختمت المصادر بالقول إن «هذا الموضوع فتح بطرق مختلفة خلال زيارة نجاد لبيروت، وخصوصاً خلال لقاء الرئيسين اللبناني والإيراني. كان جواب الجانب اللبناني: دعونا نناقش هذا الموضوع في ظروف أكثر ملاءمة، تكون فيها الأمور أقل توهجاً، وعلى نار هادئة. النتيجة أن هذا الملف لم يغلق بعد».
المحكمة الدولية
تؤكد المصادر نفسها، ردّاً على سؤال عن طبيعة النقاشات التي جرت بشأن المحكمة الدولية، أن هذا الموضوع «لم يُطرح قط من الجانب الإيراني. أثار الحريري ملف المحكمة مع الرئيس نجاد من باب طلب التدخل لدى أصدقاء إيران وحلفائها، وخصوصاً حزب الله والمعارضة، لتخفيف حدة تعاملهم مع هذا الموضوع والتعاطي به بطريقة أفضل، فكان جواب نجاد: هذا الأمر شأن لبناني، ولا نتدخل فيه، ونفضل الحل اللبناني ـــــ اللبناني له». تضيف المصادر: «لكن نجاد كان واضحاً في التأكيد أن إيران لن تقبل التجنّي على حلفائها، وأنها ستقف إلى جانبهم إذا ما تعرضوا لأمر كهذا»، مشددة على أنه «ليس للجانب الإيراني أي مبادرة في هذا الإطار، ونفضل صيغة لبنانية للحل. صيغة إذا جرت بصورة وفاقية، فإنها ستحظى بدعمنا ودعم سوريا».
وفي لقاء الحريري ـــــ نجاد نفسه، بادر الرئيس الإيراني، بحسب المصادر نفسها، متوجهاً إلى رئيس الحكومة بالقول: «موضوع حفل الغداء الذي تقيمه لا شأن لنا به. لن يضيف شيئاً. لنترك جميع المدعوين يستمتعون، وتعالَ معي إلى بنت جبيل. يمكننا أن نأكل سندويشات على الطريق، لكنها زيارة، إذا قمنا بها معاً، فستنزع فتائل التفجير كلها التي يعدّها الخارج للداخل اللبناني». تضيف المصادر أن «الحريري تململ قليلاً، ورفض بمنتهى الأدب. تملص من الطلب وفق البروتوكول. حاجج بأن لديه التزامات ومواعيد. عندها قال له نجاد: سأذهب وحدي وأقول كذا وكذا. كان واضحاً أن الحريري لم يكن مرتاحاً».
الحراك الإيراني ـــ السعودي ـــ السوري
مصادر وثيقة الصلة بالمعنيين المباشرين بشؤون المنطقة في طهران ودمشق تفيد بأن «قراراً مشتركاً إيرانياً سورياً قد اتخذ بوضع حد للمزاد الإقليمي الدولي الذي يقيمه الأميركيون على لبنان، فكان أن حددوا سياستهم حياله بطريقة واضحة شفافة، على غرار ما هو الوضع بالنسبة إلى فلسطين، حيث تصفية القضية وفرض حل خط أحمر، أو بالنسبة إلى العراق، حيث الفتنة خط أحمر، ومعها أي حكومة لا تتمتع بصفة الشراكة الوطنية». وتقول إن دمشق وطهران «قررتا التعامل مع الموضوع اللبناني بالطريقة نفسها: وضع حد للمماطلة والتسويف واللعب بالوقت لمصلحة القرار الظني، ومطالبة المعنيين الإقليميين بإعلان موقفهم النهائي من هذا الموضوع»، مشيرة إلى وجود «اقتناع بأن الأميركي يجري انسحاباً مؤقتاً من لبنان، لمصلحة تصفية القضية الفلسطينية والاهتمام بالعراق. انسحاب تكتيكي يلامس الاستراتيجي، وضعه الأميركي في مزاد. حال تضفي شعوراً يزعج الداخل اللبناني المقاوم، وكذلك الحليف السوري والإيراني».
وتوضح المصادر نفسها أن «توجهاً كهذا يفترض تشغيل خطين: تفعيل س. س. وإعادة استنهاضها. وتوسيعها لتضم تركيا وإيران، بل إذا أمكن إشراك مصر إن كانت قادرة على الخروج من غرقها في وضعها الداخلي»، مشيرة إلى أن «اتصال نجاد بملك السعودية (عبد الله)، عشية زيارته لبيروت، جزء من المساعي الإيرانية والخليجية، العمانية على وجه الخصوص، والسورية، الرامية إلى إقناع ملكي السعودية والأردن بالآتي: نحن كإقليم مشترك معاً نضم مروحة واسعة من الأطياف والألوان، ونستطيع أن ننزع معاً كل فتائل التفجير في المنطقة. هذه هي الرؤية السورية والإيرانية التي على أساسها لا سوريا استقبلت الحريري، ولا ملك السعودية، الذي يبدو أنه مستاء من أداء رئيس حكومة لبنان. هذه هي المرة الثانية التي لم يُعلن فيها استقبال الملك للحريري. الملك منزعج من أن هذه القصة لم تُحسم بعد. كان يعتقد أن مظلته تساعد الحريري على الحركة، وهو وضع جعل (الأمير) بندر بن سلطان يفرض عودته إلى الساحة» حيث أُعدّ له استقبال حاشد في الرياض بعد عودته مما سمي «نقاهة» في لندن.
واستغربت المصادر نفسها أن يلتقي نائب وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان الحريري في السعودية، ومن ثم «يتوجه إلى مطار بيروت ويطرق الأبواب طلباً لمواعيد، ما جعل الرئيس سليمان يستقبله، من لطفه، في منزله. الانزعاج الأميركي واضح من زيارة الرئيس (نجاد) ومن الحراك السوري ومن كل ما حصل. محاولة رد أميركي على نجاح الإقليم». وأضافت: «كذلك الأمر بالنسبة إلى إسرائيل. الانزعاج واضح. كلام الإعلام العبري عن أن الوضع تغير خير إشارة. كل ما يصدر عن تل أبيب ليس سوى تهويل رداً على انقلاب الإقليم على المزاج الأميركي، بما فيه السعودية ومصر التي أعطت أخيراً إشارتين: الأولى، استئناف الرحلات الجوية بين طهران والقاهرة. أما الثانية فحديث شيخ الأزهر (أحمد الطيب) عن الشيعة وعن إيران وعن استعداده للتوجه إلى النجف والصلاة خلف الشيعة».
وتوقعت المصادر «جولات مكوكية لوزراء خارجية إيران والسعودية وسوريا. هناك جهد خليجي سوري لإعادة الدفء إلى العلاقات الإيرانية العربية عموماً، والعلاقات الإيرانية السعودية خصوصاً، من إشاراتها، على سبيل المثال، رسالة نجاد إلى نظيره اليمني علي عبد صالح الذي أطلعه في خلالها على أوضاع المنطقة».
الجبهة السداسية
في رد على إعلان نجاد ما سماه الجبهة السداسية في خطاب الضاحية، رأت المصادر أن «المنطقة تتغير من جنوب لبنان، على ما قال الرئيس الإيراني الذي أراد إيصال رسالة مفادها أننا لم نعد محور سوري ـــــ إيراني يقف مع المقاومة ضد فريق في لبنان يخاصم أو يعادي هذه المقاومة، بل أصبحنا إقليماً داعماً للمقاومة ويحمي المقاومة في مقابل خارج يريد تخريب الإقليم كله». جبهة مكونة من سوريا وإيران وتركيا ولبنان وفلسطين والعراق «يعمل السوريون على ضم الأردن إليها، على الأقل اقتصادياً وتجارياً».
وأوضحت المصادر نفسها أن «الأردن نقل إلى السوريين والإيرانيين مخاوفه من خطر إسرائيلي لابتلاعه باعتباره وطناً بديلاً، وطلب مظلة حماية عربية ـــــ إقليمية»، مشيرة إلى أن السوريين «من ضمن ما فعلوه، الطلب من السعوديين تمويل مد خط السكك الحديدية السوري عبر الأردن إلى العقبة. وهكذا يكون الأردن مشمولاً في هذه الجبهة، لكن إيران وضعته في عهدة سوريا، على غرار ما تفعل في كل ملف له عنوان عربي».
وفي رد على سؤال عن السبب الذي منع نجاد من إلقاء حجر على إسرائيل، تقول المصادر: «أراد أن يلقي الحجر في مكان آخر، في البركة الإقليمية الفاسدة، وقد حقق الغاية المرجوة من ذلك»، مشيرة إلى أن «الوضع ما بعد زيارة نجاد لن يكون كما كان قبلهها. ثمة تطورات كبيرة ستحصل من الجانب السعودي والمصري وفي ما يتعلق بالعلاقات العربية الإيرانية. كل شيء ذاهب نحو الحسم. لا مراوحة بعد اليوم في الملفات الحساسة والكبرى». وتضيف أن «إيران وسوريا قررتا مخاطبة العالم بلغة مختلفة. تعتقدان أنهما كسبتا المعركة الدبلوماسية كما كسب حزب الله المعركة العسكرية في 2006 وبالزخم نفسه».
إيلي شلهوب
شعور بـ«الفخر والاعتزاز» يسود المحيطين بالرئيس محمود أحمدي نجاد من هذا الاستقبال الضخم الذي لقيه في لبنان. «رضى كامل ونشوة وإعجاب منقطعا النظير بالحالة اللبنانية كلها، ومن ضمنها الجمهور». توقع هؤلاء «نكداً ومشاكسة، على ما أظهر سجال ما قبل الزيارة. لكن أياً من هذا لم يحصل. كانت الزيارة كلها، بكل محطاتها، مريحة كثيراً. ارتياح فوق العادة. كان هناك تلاقٍ كبير جداً بيننا».
هذا لسان حال دوائر صناعة القرار في إيران، حيث العتب واضح على وزير الدفاع إلياس المر، الذي «لم يستجب لأكثر من مبادرة لوضع إطار اتفاقية دفاعية لتسليح الجيش اللبناني»، وعلى الرئيس سعد الحريري، الذي «تملص من دعوة نجاد له لمرافقته إلى بنت جبيل لقطع دابر الفتنة».
ومع ذلك، فإن هذه الدوائر ترى أن الزيارة نجحت على أكثر من مستوى، في مقدمها أنها وضعت حداً لمقولة المحور السوري الإيراني الذي يدعم طرفاً لبنانياً مقاوماً على حساب طرف لبناني آخر يخاصم المقاومة. وأرست مكانها مقولة الإقليم، تلك «الجبهة السداسية» الداعمة للمقاومة في مواجهة الخارج الذي يسعى إلى نشر الفتنة فيه، فضلاً عن أنها «كرست فوز سوريا وإيران بالمعركة الدبلوماسية»، بعدما انتصرت المقاومة في المعركة العسكرية في تموز 2006.
تسليح الجيش
تقول مصادر إيرانية قريبة من دوائر صناعة القرار في طهران إن «علاقات التسلح بحاجة إلى جانبين. هناك مذكرة تفاهم دفاعيّة وقّعها وزير الدفاع في حكومة الرئيس عمر كرامي، عبد الرحيم مراد، خلال زيارته لطهران قبل أيام من اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. وقتها زار الوزير مراد مصانع صواريخ وأسلحة متقدمة، وكان توقيع المذكرة. كانت النية أنه عندما يعود الوزير مراد إلى بيروت ويرفع تقريره بالزيارة إلى مجلس الوزراء، فإنّ العلاقات الدفاعية بين البلدين ستُرفع إلى مستويات أرفع، ثم جاء الاغتيال وكان ما كان».
أضافت المصادر نفسها، التي تابعت زيارة نجاد عن كثب أنه «بقي الأمر طي النسيان، إلى أن طرح موضوع تسليح الجيش بجدية على الساحة اللبنانية قبل أشهر. صدف أن زار الرئيس (ميشال) سليمان طهران خلال هذه الفترة (في تشرين الثاني 2008). خلال هذه الزيارة، أبدى الجانب الإيراني استعداده لتزويد الجيش اللبناني بما يطلبه من أسلحة. شكر سليمان المسؤولين الإيرانيين، ووعد ببحث هذا الموضوع، من دون أن يتجاوز النقاش في هذا الملف الإطار البروتوكولي». وأوضحت أنه «عندما جدّ الجد، تحرك الجانب الإيراني عبر سلسلة زيارات قام بها السفير (الإيراني في بيروت غضنفر) ركن أبادي للقادة اللبنانيين، أبرزها زيارة لقائد الجيش العماد (جان) قهوجي، عارضاً على الملأ استعداد إيران لتسليح الجيش اللبناني».
وشددت المصادر نفسها على أنه «أثناء الإعداد لزيارة الرئيس نجاد لبيروت، وخلال فترة ما بيت أسبوع وعشرة أيام التي سبقت وصوله، وجّه وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي دعوتين عاجلتين إلى نظيره اللبناني إلياس المر لزيارة طهران للتفاهم على اتفاقية دفاعية بين البلدين توقع بوجود نجاد في بيروت، على غرار ما حصل في ملف الطاقة مع الوزير جبران باسيل». وقالت إن «الوزير المر شكر الجانب الإيراني على هاتين الدعوتين، ولم يلبّ أي منهما. وعندما فوتح للمرة الثالثة في القضية، قبل زيارة نجاد، قال إنه أحال هذا الملف على العماد قهوجي، ولا يزال عنده».
وفي تفسيرها لعدم استجابة الوزير المر للمبادرة الإيرانية، أعربت المصادر نفسها عن اعتقادها بأنه «يعود إلى ضغط أميركي واضح مورس بهدف عدم تكرار تجربة الرئيس (إميل) لحود وسوريا في موضوع الدفاع مع الرئيس سليمان وإيران». وختمت المصادر بالقول إن «هذا الموضوع فتح بطرق مختلفة خلال زيارة نجاد لبيروت، وخصوصاً خلال لقاء الرئيسين اللبناني والإيراني. كان جواب الجانب اللبناني: دعونا نناقش هذا الموضوع في ظروف أكثر ملاءمة، تكون فيها الأمور أقل توهجاً، وعلى نار هادئة. النتيجة أن هذا الملف لم يغلق بعد».
المحكمة الدولية
تؤكد المصادر نفسها، ردّاً على سؤال عن طبيعة النقاشات التي جرت بشأن المحكمة الدولية، أن هذا الموضوع «لم يُطرح قط من الجانب الإيراني. أثار الحريري ملف المحكمة مع الرئيس نجاد من باب طلب التدخل لدى أصدقاء إيران وحلفائها، وخصوصاً حزب الله والمعارضة، لتخفيف حدة تعاملهم مع هذا الموضوع والتعاطي به بطريقة أفضل، فكان جواب نجاد: هذا الأمر شأن لبناني، ولا نتدخل فيه، ونفضل الحل اللبناني ـــــ اللبناني له». تضيف المصادر: «لكن نجاد كان واضحاً في التأكيد أن إيران لن تقبل التجنّي على حلفائها، وأنها ستقف إلى جانبهم إذا ما تعرضوا لأمر كهذا»، مشددة على أنه «ليس للجانب الإيراني أي مبادرة في هذا الإطار، ونفضل صيغة لبنانية للحل. صيغة إذا جرت بصورة وفاقية، فإنها ستحظى بدعمنا ودعم سوريا».
وفي لقاء الحريري ـــــ نجاد نفسه، بادر الرئيس الإيراني، بحسب المصادر نفسها، متوجهاً إلى رئيس الحكومة بالقول: «موضوع حفل الغداء الذي تقيمه لا شأن لنا به. لن يضيف شيئاً. لنترك جميع المدعوين يستمتعون، وتعالَ معي إلى بنت جبيل. يمكننا أن نأكل سندويشات على الطريق، لكنها زيارة، إذا قمنا بها معاً، فستنزع فتائل التفجير كلها التي يعدّها الخارج للداخل اللبناني». تضيف المصادر أن «الحريري تململ قليلاً، ورفض بمنتهى الأدب. تملص من الطلب وفق البروتوكول. حاجج بأن لديه التزامات ومواعيد. عندها قال له نجاد: سأذهب وحدي وأقول كذا وكذا. كان واضحاً أن الحريري لم يكن مرتاحاً».
الحراك الإيراني ـــ السعودي ـــ السوري
مصادر وثيقة الصلة بالمعنيين المباشرين بشؤون المنطقة في طهران ودمشق تفيد بأن «قراراً مشتركاً إيرانياً سورياً قد اتخذ بوضع حد للمزاد الإقليمي الدولي الذي يقيمه الأميركيون على لبنان، فكان أن حددوا سياستهم حياله بطريقة واضحة شفافة، على غرار ما هو الوضع بالنسبة إلى فلسطين، حيث تصفية القضية وفرض حل خط أحمر، أو بالنسبة إلى العراق، حيث الفتنة خط أحمر، ومعها أي حكومة لا تتمتع بصفة الشراكة الوطنية». وتقول إن دمشق وطهران «قررتا التعامل مع الموضوع اللبناني بالطريقة نفسها: وضع حد للمماطلة والتسويف واللعب بالوقت لمصلحة القرار الظني، ومطالبة المعنيين الإقليميين بإعلان موقفهم النهائي من هذا الموضوع»، مشيرة إلى وجود «اقتناع بأن الأميركي يجري انسحاباً مؤقتاً من لبنان، لمصلحة تصفية القضية الفلسطينية والاهتمام بالعراق. انسحاب تكتيكي يلامس الاستراتيجي، وضعه الأميركي في مزاد. حال تضفي شعوراً يزعج الداخل اللبناني المقاوم، وكذلك الحليف السوري والإيراني».
وتوضح المصادر نفسها أن «توجهاً كهذا يفترض تشغيل خطين: تفعيل س. س. وإعادة استنهاضها. وتوسيعها لتضم تركيا وإيران، بل إذا أمكن إشراك مصر إن كانت قادرة على الخروج من غرقها في وضعها الداخلي»، مشيرة إلى أن «اتصال نجاد بملك السعودية (عبد الله)، عشية زيارته لبيروت، جزء من المساعي الإيرانية والخليجية، العمانية على وجه الخصوص، والسورية، الرامية إلى إقناع ملكي السعودية والأردن بالآتي: نحن كإقليم مشترك معاً نضم مروحة واسعة من الأطياف والألوان، ونستطيع أن ننزع معاً كل فتائل التفجير في المنطقة. هذه هي الرؤية السورية والإيرانية التي على أساسها لا سوريا استقبلت الحريري، ولا ملك السعودية، الذي يبدو أنه مستاء من أداء رئيس حكومة لبنان. هذه هي المرة الثانية التي لم يُعلن فيها استقبال الملك للحريري. الملك منزعج من أن هذه القصة لم تُحسم بعد. كان يعتقد أن مظلته تساعد الحريري على الحركة، وهو وضع جعل (الأمير) بندر بن سلطان يفرض عودته إلى الساحة» حيث أُعدّ له استقبال حاشد في الرياض بعد عودته مما سمي «نقاهة» في لندن.
واستغربت المصادر نفسها أن يلتقي نائب وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان الحريري في السعودية، ومن ثم «يتوجه إلى مطار بيروت ويطرق الأبواب طلباً لمواعيد، ما جعل الرئيس سليمان يستقبله، من لطفه، في منزله. الانزعاج الأميركي واضح من زيارة الرئيس (نجاد) ومن الحراك السوري ومن كل ما حصل. محاولة رد أميركي على نجاح الإقليم». وأضافت: «كذلك الأمر بالنسبة إلى إسرائيل. الانزعاج واضح. كلام الإعلام العبري عن أن الوضع تغير خير إشارة. كل ما يصدر عن تل أبيب ليس سوى تهويل رداً على انقلاب الإقليم على المزاج الأميركي، بما فيه السعودية ومصر التي أعطت أخيراً إشارتين: الأولى، استئناف الرحلات الجوية بين طهران والقاهرة. أما الثانية فحديث شيخ الأزهر (أحمد الطيب) عن الشيعة وعن إيران وعن استعداده للتوجه إلى النجف والصلاة خلف الشيعة».
وتوقعت المصادر «جولات مكوكية لوزراء خارجية إيران والسعودية وسوريا. هناك جهد خليجي سوري لإعادة الدفء إلى العلاقات الإيرانية العربية عموماً، والعلاقات الإيرانية السعودية خصوصاً، من إشاراتها، على سبيل المثال، رسالة نجاد إلى نظيره اليمني علي عبد صالح الذي أطلعه في خلالها على أوضاع المنطقة».
الجبهة السداسية
في رد على إعلان نجاد ما سماه الجبهة السداسية في خطاب الضاحية، رأت المصادر أن «المنطقة تتغير من جنوب لبنان، على ما قال الرئيس الإيراني الذي أراد إيصال رسالة مفادها أننا لم نعد محور سوري ـــــ إيراني يقف مع المقاومة ضد فريق في لبنان يخاصم أو يعادي هذه المقاومة، بل أصبحنا إقليماً داعماً للمقاومة ويحمي المقاومة في مقابل خارج يريد تخريب الإقليم كله». جبهة مكونة من سوريا وإيران وتركيا ولبنان وفلسطين والعراق «يعمل السوريون على ضم الأردن إليها، على الأقل اقتصادياً وتجارياً».
وأوضحت المصادر نفسها أن «الأردن نقل إلى السوريين والإيرانيين مخاوفه من خطر إسرائيلي لابتلاعه باعتباره وطناً بديلاً، وطلب مظلة حماية عربية ـــــ إقليمية»، مشيرة إلى أن السوريين «من ضمن ما فعلوه، الطلب من السعوديين تمويل مد خط السكك الحديدية السوري عبر الأردن إلى العقبة. وهكذا يكون الأردن مشمولاً في هذه الجبهة، لكن إيران وضعته في عهدة سوريا، على غرار ما تفعل في كل ملف له عنوان عربي».
وفي رد على سؤال عن السبب الذي منع نجاد من إلقاء حجر على إسرائيل، تقول المصادر: «أراد أن يلقي الحجر في مكان آخر، في البركة الإقليمية الفاسدة، وقد حقق الغاية المرجوة من ذلك»، مشيرة إلى أن «الوضع ما بعد زيارة نجاد لن يكون كما كان قبلهها. ثمة تطورات كبيرة ستحصل من الجانب السعودي والمصري وفي ما يتعلق بالعلاقات العربية الإيرانية. كل شيء ذاهب نحو الحسم. لا مراوحة بعد اليوم في الملفات الحساسة والكبرى». وتضيف أن «إيران وسوريا قررتا مخاطبة العالم بلغة مختلفة. تعتقدان أنهما كسبتا المعركة الدبلوماسية كما كسب حزب الله المعركة العسكرية في 2006 وبالزخم نفسه».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018