ارشيف من :أخبار لبنانية
عدالة الأمم المتحدة في تقرير أمينها العام
فواز طرابلسي - صحيفة السفير
تصعب قراءة التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة عن الوضع في لبنان دون الشعور بمقدار لا بأس به من الاستفزاز. فمع انه تقرير «دولي»، تجده يركز تركيزاً مبالغاً فيه على الاوضاع الداخلية اللبنانية، الأمنية خصوصاً، وعلى العلاقات السورية اللبنانية، فيما تحضر إسرائيل على نحو هامشي. بل يصعب تصوّر مناسبة أسوأ من هذه المناسبة للإدلاء بخطاب يغلق الانحياز والكيل بمكيالين والانصياع للارادة الامبراطورية بالتورية والباطنية والتدليس.
يدور القسم الأكبر من التقرير مدار ثلاث قضايا: أهمية تنفيذ ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان (حسب قرار مجلس الأمن لعام 2006) ووقف تدفق السلاح عبر الحدود بين البلدين وضرورة سيطرة الدولة على الميليشيات المسلحة. وهي ثلاث قضايا تنعقد في قضية واحدة هي سلاح حزب الله. لكن منوعات التبرير لضرورة ترسيم الحدود ووقف تدفق السلاح ولنزع سلاح حزب الله، ولو بإيثار الوسائل السياسية لذلك، تستدعي التفافات وحيلاً وتبريرات مدهشة حقاً.
بيت القصيد في التقرير ان إسرائيل تواصل خرق سيادة لبنان القرارات الدولية 1559 و1701 لاستمرارها في «احتلال الجزء الشمالي من قرية الغجر ولمنطقة محاذية شمال الخط الأزرق» ولطلعات الطيران الإسرائيلي شبه اليومية في الأجواء اللبنانية. ولكن لا يبدو أن إسرائيل تهدّد أمن اللبنانيين بشيء. وهي قطعاً ليست تهدد أمن المنطقة من قريب أو بعيد.
في المقابل، ثمة طرف واحد يهدد أمن اللبنانيين وأمن المنطقة هو سلاح حزب الله. يقول التقرير ان ترسيم حدود لبنان «عنصر حرج لضمان وحدة أراضي البلاد والسماح بسيطرة حدودية ملائمة» وهو من جهة أخرى «خطوة جوهرية في اتجاه تثبيت سيادة لبنان ووحدة أراضيه». يصعب تصوّر كيف ان الحدود الدولية بين سوريا ولبنان، الموضوعة عام 1920 والتي لم يطعن بها طرف، باتت مسألة دولية مرتبطة بسيادة لبنان والأفدح «وحدة أراضيه»، فجأة بعد حرب 2006. بل يتمنى المرء لو يشرح له الوزير المختص ما هي تلك الانتهاكات على الحدود السورية اللبنانية التي تعرّض وحدة الأراضي والسيادة. فإذا كان الأمر يتعلق بالتهريب، فأي انسان يمكن اقناعه بأن مجرد ترسيم الحدود سوف يمنع تدفق السلاح وتهريب الحليب والمازوت والبضائع المستوردة والمخدرات واللاجئين العراقيين والسودانيين، ناهيك عن مقاتلي «القاعدة» ذهاباً وإياباً عبر الحدود؟
على سبيل المقارنة والإلحاح الزمني: يوجد في المنطقة دولة رسمت الأمم المتحدة حدودها منذ العام 1947 وهي منذ ذلك الحين تتوسع حدوداً وتخرق حدود الدول الأخرى وتكاد تنفرد في العالم لكونها الدولة الوحيدة التي لا حدود دستورية ثابتة ونهائية لها. فكم مرة طالبت الأمم المتحدة إسرائيل بترسيم حدودها؟ وكم مرة طالب السيد بان كي مون بذلك في تقاريره؟ ولا يفيد هنا التذرع بالقول إن الأمم المتحدة تدعو باستمرار الى العودة الى حدود الرابع من حزيران 1967. وذلك لسببين. الأول لأن القرار 242 لا ينص صراحة على ذلك عندما يتحدث عن «أراض» محتلة عام 1967 وليس عن «الأراضي» المحتلة. والثانية لأن إسرائيل لم تعترف بحدود 4 حزيران 1967 أصلاً ولأن هذه الحدود ليست في كل الأحوال الحدود التي رسمتها لها الأمم المتحدة وفق قرار التقسيم.
يشير تقرير الأمين العام الى «وجود ميليشيات خارج سيطرة الدولة» داعياً الدولة الى «احتكار استخدام القوة في كل أنحاء لبنان». ويطالب حزب الله بنزع سلاحه والتحول الى حزب سياسي. إذ يرى التقرير الى سلاح المقاومة على انه «ظاهرة خطرة» لها ثلاثة انعكاسات على الأقل: انها تناهض «التطلعات الديموقراطية للبنان» و«تهدد السلم الأهلي... وأمن المواطنين» بل تهدد أمن المنطقة كلها.
الإشارة الأخيرة عن تهديد أمن المنطقة تثير التساؤل. لفهمها تجب العودة الى نص القرار 1701 وتعريفه الأصلي لحرب تموز 2006. وخصوصاً التعابير المنحازة المستخدمة بصدد طرفي القتال في تلك الحرب. في بنده المتعلق بوقف العمليات العسكرية، يدعو القرار الدولي في عبارة واحدة الى «الوقف الفوري من قبل حزب الله لكل الهجمات والوقف الفوري من إسرائيل لكل عملياتها العسكرية الهجومية». ولا حاجة لكبير تفكّر لاكتشاف الاختلال الفادح بين الطرفين: يرد ذكر حزب الله في مطلع الجملة، ما يوحي انه البادئ بالهجوم. وهو الى ذلك مطالب بوقف كل عملياته، بغض النظر عما إذا كانت هجومية أو دفاعية. أما إسرائيل فمطالبة بوقف عملياتها العسكرية الهجومية فقط، ما يعني ان العمليات العسكرية الدفاعية ليست ممنوعة. يوجد جيش مطالب بوقف عملياته الهجومية لا الدفاعية رغم وجوده على أرض الغير! ما يعني انه مهدّد وهو على أرض الغير!
فهل نستغرب والحالة هذه ان يكون تهديد أمن المنطقة الاسم السري لتهديد أمن إسرائيل؟
يتفتق التقرير عن تهمة إضافية لا بد من الاعتراف بأنها تحوي مقداراً من الطرافة المدلّة على حالة إدارة العلاقات الدولية من طرف الأمم المتحدة وصلاحيات تلك المنظمة وحدود دورها داخل البلدان ذوات السيادة.
الى كل التهم التي يكيلها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لحزب الله تهمة إضافية هي التكتم على تفاصيل قدراته العسكرية. وهي سابقة تقتضي التوضيح: هل القوى المسلحة الحكومية وغير الحكومية في العالم تمارس الشفافية على قدراتها العسكرية ونوعية أسلحتها، بما فيها الأسلحة المحرّمة دولياً، فلم يبقَ في ميدان الشفافية العسكرية غير المقاومة اللبنانية لم تصرّح عن سلاحها؟ ولمن يجب ان يجري التصريح أصلاً؟
وكل هذا والحديث عن تكتّم حزب الله على سلاحه يجري قاب صاروخين أو أدنى من حدود دولة تمارس علناً «الغموض النووي» على قدراتها الحربية بل ترفض حتى التوقيع على اتفاقية وقف انتشار السلاح النووي... الدولية!
في تلك الدولة ألوف مؤلفة من المستوطنين المسلحين لا يشكلون خطراً افتراضياً أو محتملاً على السكان المدنيين، بل يمارسون خطراً يومياً على حرية وسلامة وأمن وحياة مليون ونصف من السكان الفلسطينيين العرب. بل هم يشكلون، وفق مقاييس الأم المتحدة على الأقل، «خطراً حرجاً» على أمن المواطنين الإسرائيليين اليهود وعلى «سيادة» إسرائيل ذاتها طالما انهم اغتالوا أحد رؤساء الوزارة فيها! كثيرون لا يستسيغون اقامة المقارنة بين عصابات من القتلة وبين مقاومين وطنيين. ليس هذا هو الموضوع. الموضوع هو كشف مبلغ الكيل بمكيالين من قبل مؤسسة دولية تقدم نفسها على انها الملجأ الأخير للعدالة الدولية: كيلة تجعل السلاح القاتل الذي بيد المستوطنين شأناً داخلياً، لا يستحق حتى ان يرد في تقارير وبيانات وقرارات الأمم المتحدة، وكيلة تجعل من سلاح المقاومين المقاتل ضد الاحتلال خطراً لا على مواطنيهم وحسب وإنما على دولتهم وأمن المنطقة!
وهذا كله لا علاقة له بموضوع المحكمة الدولية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018