ارشيف من :أخبار لبنانية
هكذا تدور المعارضة.. و14 آذار في الحلقة المفرغة
عماد مرمل ـ "السفير"
أغلب الظن، أن أحدا لا يستطيع أن يضمن استمرار التهدئة الراهنة، وإن كانت النوايا المعلنة للجميع حسنة. تبدو هذه التهدئة كبالون يملأه الهواء، لا يستطيع ان يقاوم لدغة إبرة. ومع ذلك، فإن العاملين على خط تبريد الرؤوس الحامية يشعرون بالارتياح كون المواجهة السياسية والإعلامية العنيفة قد تراجعت قليلا، من دون أن يتوهموا أنهم يستطيعون النوم على حرير، ذلك أن الأزمة هي أشد تعقيدا من ان يخترقها لقاء التسعين دقيقة بين رئيس الحكومة سعد الحريري والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين الخليل او حتى مجرد لقاء سوري - سعودي مزنر بحقول ألغام أميركية تجعل هامش الحركة والفعالية أمامه محدوداً.
في المعارضة، تجد من يلفت انتباهك الى ان استمرار الحريري في ممارسة الازدواجية في سلوكه لا يشجع على التفاؤل كثيرا، وآخر مظاهر هذه الازدواجية تمثل في المشهد الآتي: الحريري يشيد في مجلس الوزراء بزيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان وبنتائجها المهمة، معلنا عن نيته زيارة طهران قبل نهاية العام الحالي، فيما يشارك أحد أعضاء كتلته النيابية في صياغة بيان الامانة العامة لقوى 14 آذار الذي ينتقد بحدة زيارة نجاد ويضعها في سياق تفقد قاعدته الايرانية على شاطئ المتوسط! من دون أن ننسى أن الأمر نفسه تكرر مع سوريا.
ويشير قيادي في المعارضة الى ان هذا السلوك الذي اعتاد رئيس الحكومة ممارسته هو الذي تسبب بصدور مذكرات التوقيف عن القضاء السوري بحق 33 شخصية مقربة منه، إذ انه كان يقول شيئا للقيادة السورية في دمشق ويفعل شيئا آخر في بيروت، ويبدو انه ليس بصدد تغيير نهجه... ولعل اللغم الأساسي الذي يواجه الداخل اللبناني اليوم، هو هذه الازدواجية و«كأنه صار لا بد من إنشاء هيئة ناظمة لسلوك رئيس الحكومة» يقول أحد المعارضين.
وترسم شخصية بارزة تتحرك على خطوط الاتصال المحلية والإقليمية صورة قاتمة حول واقع الأزمة وطريقة مقاربتها، خصوصا على المستوى الداخلي، مشيرة الى أن ما يعانيه لبنان حاليا هو مأزق لا مثيل له في خطورته، قياسا الى الصراعات السابقة التي كانت تتمحور حول الامتيازات والصلاحيات والنفوذ وتقاسم السلطة، أما اليوم فهناك دم مسفوك يراد توظيفه للعودة بالتاريخ 1400 سنة الى الوراء وإحياء الأحقاد الكامنة بين صفحاته، وهذا اختبار مصيري تواجهه طبقة سياسية ليست بحجم هذا التحدي، إذ هي تفتقر في غالبية مكوناتها الى الإبداع والابتكار وتضم في صفوفها مجموعة كبيرة من منتحلي الصفة الذين لا يجيدون تقديم أفكار جديدة بل يكتفون بالدوران حول أنفسهم في حلقة مفرغة.
وترى هذه الشخصية، الحاضرة في الكواليس اللبنانية وعواصم القرار الإقليمي، أن مطلب إسقاط المحكمة الدولية قد يكون محقا ولكنه أصبح مستحيلا، باعتبار ان مجلس الامن وحده يملك القدرة على التحكم بمصيرها، وهو ليس بوارد إلغائها، بل ان الفرنسيين والأميركيين والبريطانيين لا يتركون مناسبة في هذه الايام إلا ويؤكدون فيها التزامهم بالمحكمة.
وبناء عليه، تعتبر تلك الشخصية انه يجب العمل تحت هذا السقف وبالتالي البحث عن طرح واقعي للخروج من الازمة، يأخذ بعين الاعتبار ان هناك استحالة موضوعية لاسقاط المحكمة وبالتالي فإن البديل هو إيجاد شبكة أمان داخلية، برعاية سورية ـ سعودية لمواجهة كل الاحتمالات، ما يستدعي تنشيط العلاقة بين حزب الله والرئيس سعد الحريري، لان الانقطاع بينهما يترك فراغا تملأه قوى متضررة من هذه العلاقة، وهي على ضفتي المعارضة و14 آذار.
وفي اعتقاد الشخصية المشار اليها ـ والتي تحافظ على التواصل مع قيادة حزب الله والرئيس الحريري ـ ان هناك مبالغات وأخطاء ترتكب من قبل طرفي المواجهة في لبنان، أي المعارضة بقيادة حزب الله و14 آذار بقيادة تيار المستقبل. «فالمعارضة تذهب بعيدا في خطاب انفعالي متشنج، يلامس حد تخوين كل من يؤيد المحكمة الدولية، ويتخذ على الارض شكل خطوات متسرعة ومؤذية كما حصل مع استعراض القوة غير المبرر في المطار، اذ ان حزب الله ليس بحاجة الى إثبات قدراته والجميع يعرفها جيدا، وكان يستطيع ان يكتفي ببيان سياسي يحدد فيه الخطوط الحمر، بدل الانزلاق الى رد فعل متوتر في المطار أساء الى صورته وأحرج على سبيل المثال لا الحصر النائب وليد جنبلاط الذي يسعى جاهدا الى إقناع جمهوره بصوابية خياراته الجديدة ويعمل على إعادة دمج جمهوره في نسيج علاقة مستعادة مع حزب الله... مثلما أحرج ميشال عون ولو أن هناك من شارك من نوابه في الاستقبال والذين لم يكن بمقدورهم لاحقا تسويق صورة المطار النافرة أمام قواعدهم وليس أمام الجمهور العام».
وتعتقد الشخصية المذكورة ان التهويل على الحريري لا يفيد من حيث الجدوى السياسية، بل يعطي نتائج عكسية، مستغربة كيف ان المطلوب منه التخلي عن المحكمة وفي الوقت ذاته لا أحد يساعده على اتخاذ هذا القرار بل يراد له ان يبدو مهزوما او خاضعا لدفتر شروط وصك استسلام. وبرأي الشخصية نفسها، «المسألة خطيرة ومعقدة ولا بأس إذا صبروا على الحريري قليلا وأعطوه بعض الوقت، فلقد أقر بوجود شهود الزور وبالضرر الذي ألحقوه بلبنان وسوريا، متجاوزا حسابات الربح والخسارة، وكان يجب أن يشجعوه على أن يعطي المزيد، بدل الإمعان في استفزازه وتحديه. هم يعتبرون المحكمة خطرا عليهم وعلى البلد وان الحريري هو الوحيد الذي يستطيع لجم تداعياتها، ولذلك فإن الصالح العام يقضي بأن يحاوروه بهدوء وينسجوا معه خيوط التسوية، خيطا تلو الآخر. يجب ان يساعدوه على تجرع الكأس المرة، عبر تحليتها قليلا وليس بأن يضيفوا إليها المزيد من العلقم. الخطاب القاسي يحرجه ويفرض عليه المواجهة حتى لو كان يعلم أنها مجازفة، لا يريدها».
أما أخطاء وانزلاقات فريق 14 آذار، فهي كثيرة، كما ترى تلك الشخصية التي تلاحظ ان هناك في هذا الفريق من لا يجيد بعد أبجدية العمل السياسي وبديهياته، ويفتقر في ادوات عمله الى التحليل المنطقي والقراءة الموضوعية، مستعيضا عنهما بالتحريض المذهبي والخطاب الضيق الأفق، محولا تمنياته ورغباته الى حقائق، بينما هي لا تعدو كونها أوهاما.
وتستهجن هذه الشخصية ان يتجاهل البعض في 14 آذار حقيقة أن سوريا اليوم هي غير سوريا الامس، وان طريقة مقاربتها للملف اللبناني قد تبدلت، مواصلين استخدام لغة الماضي في مخاطبتها، من دون ان يبارحوا المكان الذي كانوا موجودين فيه قبل عقود من الزمن، في حين ان كل شيء من حولهم قد تغير. وفي السياق ذاته، ينظرون الى إيران بعدائية غير مفهومة، متجاهلين انها قوة إقليمية مؤثرة، يمكن للبنان ان يستفيد منها، وليس أدل على تصحرهم السياسي من انتقاداتهم التي استهدفت زيارة نجاد الى لبنان علما ان الرئيس الايراني بدا مدركا للخصوصيات اللبنانية ولتركيبته القائمة على التنوع، وهو احترمها في سلوكه وخطابه، الامر الذي يشكل تطورا شديد الاهمية في استراتيجية التعامل الايراني مع الواقع اللبناني المعقد.
وتستكمل الشخصية محاكمة نهج قوى 14 آذار، معتبرة ان العديد من رموزها يتوهمون ان بإمكان الولايات المتحدة الاميركية ان تساعدهم، بينما هي تسعى الى تسويات مع سوريا وإيران حول أكثر من ملف إقليمي، وتريد منهم ان يخوضوا بالوكالة مواجهة معهما لتحسين شروط واشنطن في التفاوض... وعندما تنجز الصفقات يرمى بهم على رصيف انتظار معارك وتسويات جديدة!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018