ارشيف من :أخبار لبنانية
الجمهور «الجنبلاطي» يتفهّم انعطافة زعيمه... ولا «يهضم» خطاب المعارضة
كلير شكر ـ "السفير"
يوم زاوج وليد جنبلاط بين انعطافته في السياسة، التي عبّرت عنها جردته النقدية في الثاني من آب عام 2008 أمام الجمعية العمومية للحزب التقدميّ الاشتراكيّ، وبين نهضة تنظيمية أرادها للحزب الغارق في سبات عميق، لانتشاله من على رفوف التاريخ وغباره، كان يسعى إلى إسقاط عصفورين بحجر واحد: استبدال دينامية «ثورة الأرز» التي كانت تلهب شبابه وتحملهم إلى الصفوف الأمامية، بحركة داخلية علّها تعوّضهم «حلم التغيير» وخلق مساحة حوار حزبية قادرة على امتصاص أي حركة اعتراضية قد تثيرها النقلة السريعة من موقع إلى آخر.
كان جنبلاط المتقن لفن القراءات عن بُعد، يدرك جيداً أن جمهوره لن «يبلع» بسهولة انتقاله من الزعامة الفعلية لـ«ثورة الأرز» إلى ضفة خصومها، ولن «يهضم» بسلاسة «الانقلاب» على حلفاء وقفوا معهم كتفاً إلى كتف لأكثر من ثلاث سنوات، ولن «يتفهّم» بسرعة اعتبارات زعيمه التي أملت عليه... العودة إلى الوراء، إلى ما قبل 2005... ولن يتقبلوا واقع المصالحة مع سوريا، هم الذين لم يبلعوا أصلاً جرح اغتيال كمال جنبلاط.
ترك رئيس الحزب التقدميّ «لعبة» التنظيم لقيادة الحزب، تحاول «تبسيط» مفردات الخيار السياسي المستجد أمام القواعد، على طريقة الندوات، واللقاءت المفتوحة على نقاشات لا سقف فيها، تستحضر كلّ الهواجس والتساؤلات المشروعة، وتحصّن الداخل من اختراق تعدّدية الأصوات وتضاربها، لا سيما أن فئة الشباب بدت منزعجة مما تعتبرها «المغامرة الجديدة». منح جنبلاط لذاته وظيفة التواصل المباشر مع الجمهور للاحتكاك به، وللاستماع لأفكاره، قبل أن يقول ما لديه. راح يستخدم الأسلوب المحبّب إلى قلبه، المتوارث في البيت الجنبلاطي، والذي يتمّ استدعاؤه في اللحظات الحرجة. خلال ساعات وقف النار، إبان الحرب الأهلية، كان يستخدم لغته المباشرة لشدّ العصب. على أثر مقتل لطفي زين الدين كثف من لقاءاته مع القواعد لتهدئتها... وها هو اليوم يزور أكثر من ثلاثين بلدة لرصد المزاج الشعبي الدرزي أو الدرزي المسيحي والدرزي الشيعي والدرزي السني.
يمضي «البيك» نهاية الأسبوع بين مؤيديه، إمّا يستقلبهم في المختارة، لتدوين الشكاوى والمطالب، وإمّا يختار الذهاب إليهم. يجول بين القرى والبلدات، من الشوف إلى عالية، مروراً بإقليم الخروب. يقوم بالواجبات الاجتماعية، يدخل المنازل، يسأل عن أحوال الناس. السياسة لم تعد حكراً على الكبار، صارت معمّمة على كلّ اللبنانيين، وسائل الإعلام تفضح كلّ مستور، وتكشف الحقائق. ولا بدّ من «معالجات» فردية، تُعنى بالمفرّق، وتسّلم للجمهور يداً بيد.
في بداية المسار الانقلابي الجنبلاطي، كانت تساؤلات الجمهور، الحزبي أو المتفلّت من القيود الحزبية، على حدّ سواء، كبيرة، بحجم «النقلة» السياسية، التي التحفت اعتباراتها بالغموض: لماذا الخروج من «حضن» قوى الرابع عشر من آذار؟ لماذا التخلّي عن الحلفاء؟ ماذا سيقدّم الموقع الوسطيّ؟
أحداث السابع من أيار، كانت دافعاً أساسياً، للمضي في الخيار السياسي الجديد. «اليوم يكاد يتحول الحياد مطلباً جماعياً»، يقول قيادي اشتراكي. الأيام القليلة التي سبقت اتفاق الدوحة، لم تغادر وجدان الشارع الدرزي، على الرغم من كلّ مساعي تضميد الجراح. «النقزة» التي أثارتها، صارت «بوصلة» توجههم. وبعدما كان «حلم التغيير» مرشد حركتهم، صار الهاجس من عودة الفتنة المذهبية، صمام أمانهم.
بعد أكثر من سنة على انطلاق أعمال الورشة التنظيمية داخل الحزب التقدّمي، على قاعدة «الترويج» للخيار السياسي الجديد، وبعد أكثر من أربعة عشر شهراً على الانعطافة السياسية، يمكن القول إن الهوّة الفاصلة بين الرأس والجسم «الجنبلاطي»، ضاقت. والمسافات الفاصلة بين المختارة وقرى الجبل، تقلّصت. «قد تكون طروحات ما بعد الثاني من آب، غير شعبية، على عكس الخطاب «الاستقلالي» الجذاب، ولكن الواقعية تحملنا على تقبّلها»، على حدّ قول بعض الجنبلاطيين.
هاجس السلم الأهلي يتقدّم. محفزات «ثورة الأرز»، بهت لونها. «ثوارها» رسموا «لبنان الجديد» بتظاهراتهم المليونية، وشبابها تحديداً، شكلّوا دينامو تلك الحركة. ولكن الأحداث صارت أكبر من «المراهقة السياسية»، والتدخّلات الخارجية صارت مفضوحة أكثر. و«لذا فإن تحصين الداخل صار الهمّ الأول، وإلا فإن انجازات السنوات الثلاث ستضيع في آتون الحرب الأهلية»، على ما يوضح بعض الشباب «الجنبلاطيين».
يستذكر هؤلاء بعض أقوال من سبقوهم في التجربة السياسية: أعان الله من يسير وراء «الأميركان»، لأنهم الأسرع في البيع والشراء. صار لتلك الكلمات وقعها بين أوساط الشباب، يستحضرونها لإقناع الذات قبل الآخرين، بالتوجه الجديد، من خلال إبراز مكامن الضعف لتوجه «السلف».
حالة الإحباط التي تسللت إلى القواعد الآذارية، بعد سلسلة «النكسات» التي ألمّت بها، لم توفر الجمهور الجنبلاطي، الذي سبق له أن ذاق مرارة الحرب الأهلية، وتراه اليوم متهيّباً لأي مطب أمني قد يعيده إلى هذا النفق الأسود الذي ما زال الجبل يدفع ثمنه في اقتصاده واجتماعه حتى يومنا هذا.
هل هذا يعني أن الشباب الجنبلاطي مقتنع بخيارات المرحلة؟ يجيب أحدهم: «لو سئلت هذا السؤال قبل سنتين، لكان الجواب العفوي، سلبي. اليوم، للإيجابية مبرراتها. لا شك بأن سقف الطموحات قد تدنى، من لبنان السيّد، الحرّ، المستقل، إلى... الاستقرار. الحنين إلى تلك الأيام، لم ينشف حبره. ولكن لا يمكن البقاء في أسر تلك المرحلة، كما يقول هؤلاء. فالمعطيات والظروف تغيّرت، ولا بدّ من مواكبتها، وإلا فاتنا القطار».
أما «ملكة المفارقات» في خطاب الشباب «الجنبلاطي»، فهي النظرة للعلاقة مع سوريا، التي تحوّلت من «أمّ الخصوم» إلى «درع الوقاية»، ومصدر الضمانة! هنا، يستعيد التاريخ ذاته على لسان «الجنبلاطيين»: التاريخ، العلاقات العائلية، التواصل العابر للجغرافيا، لحظات التضامن في الأوقات الصعبة، المصالح المشتركة... كلها أسباب كافية لفتح الذراعين أمام عودة العلاقات إلى طبيعتها، لا بلّ إلى تمايزها. عندها يكون عنوان السابع من أيار، عاملاً إضافياً في سقوط «جدار برلين» بين دمشق وجمهور المختارة. لا بل سبباً في مشوار البحث عن مظلّة حماية من سيناريوهات مماثلة. فالخطر المحلي القريب والداهم، حوّل «الخطر الخارجي الأبعد» إلى صديق، لا سيما أن حركة هذا الصديق ستظّل مضبوطة بإيقاع المصالح الدولية وتقاطعاتها، وفق قراءة الجنبلاطيين. وعندما تسأل أحدهم عن طبيعة العلاقة مع دمشق، يجيب «لم تعد هناك منظومة مصالح مشتركة ولا جيش لسوريا على الأرض اللبنانية، وبالتالي، عندما نزور دمشق يكون الحوار السياسي العميق أساس البحث». وماذا عن علاقة وليد جنبلاط ودمشق، يجيب القيادي نفسه «أفضل من السابق». ندقق معه، تقصد قبل 7 أيار، فيجيب «أفضل مما كانت عليه قبل عام 2004»!
عنوان أساسي، يختصر اليوم جدول أعمال «البيك» في لقاءاته «الجماهيرية»: التهدئة ثمّ التهدئة ثمّ التهدئة. باتت حاجة ضرورية في هذه المرحلة الدقيقة. جنبلاط متخوّف من أحداث الغدّ، المؤشرات التطمينية غائبة عن السمع. عينه على مناطق «التماس» في الجبل، الخاصرة الرخوة، والخوف من عدم انضباط وضعها، لأنها ستتحول إلى بقعة زيت قادرة على الانفلاش بسرعة البرق. إرشاداته واضحة: ضبط النفس إلى أقصى الحدود، حتى الإشكالات الفردية غير مستحبة في هذه الأيام.
الاطمئنان لأرضيته، وطمأنتها، هو ما يبحث عنه «سيّد المختارة» بين متعرّجات جبله. تقلقه طبيعة ناسه الانفعالية. يريد تحييدهم من أي منزلق. ولذا تراه يحدّثهم فرداً فرداً عن المخاطر المحتملة، والمرتقبة خلال المرحلة المقبلة.
لا يجد جنبلاط نفسه حاملاً لهمّ الترويج لأفكاره بين جمهوره، يدرك أن لموقعه قوّة التأثير، والقدرة على تعميم «ثوابته» حتى لو قفزت من النقيض إلى النقيض. وعلى الرغم من ذلك، يواجه صعوبة في نشر ثقافة «الحلفاء الجدد» بين أبناء بيته: كيف يمكن له أن يسقط الخطاب «التوتيري» على جمهوره؟ كيف يمكن أخذه باتجاه القناعة الكاملة بالخيار الجديد؟ كيف يمكن توأمته مع سلاح «حزب الله»؟ كيف يمكن تقريب مفردات الحلفاء من آذان الجنبلاطيين؟
تلك الهواجس حملها «البيك» إلى «السيّد» خلال لقائهما الأخير. وضع جنبلاط همومه على طاولة الأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصر الله بحضور غازي العريضي ووفيق صفا الخبير بأمور القواعد والقيادات. صارح الزعيم الدرزي «السيد» وقال له إنه يجد صعوبة في دفع جمهوره باتجاه تقبّل خطاب «حزب الله»، وحتى خطاب العماد ميشال عون. حتى الحلقة البعيدة لجمهور المعارضة، تبدي اعتراضها على الخيار الاستفزازي والتشنجي، فكيف بالحري القواعد الجنبلاطية الآتية من المقلب الآخر؟ الشارع الدرزي بشكل عام، لا يتقبّل هذه الأفكار برحابة صدر. «المير» طلال ارسلان ليس أفضل حالاً مع ناسه. كانت أجوبة السيد نصر الله بالمستوى الذي يطمح اليه جنبلاط لكن تبقى العبرة للتنفيذ.
منذ يومين، جمع رئيس «التقدمي» أركان قيادته من حوله، في منزله في كليمنصو. استحوذ الشأن الداخلي على حيّز مهمّ من اللقاء. شكى «همّه» أمامهم. طلب مساعدتهم في تفعيل الحضور الحزبي في المناطق، وفي القطاعات المهنية والعمالية. شدد على ضرورة تكثيف المناسبات مع رجال الدين. ووعدهم باستكمال جولاته المناطقية.
ما يزال جمهور وليد جنبلاط مسكوناً بهاجس التساؤلات حول المستقبل، والخوف عليه. وكأنه يشعر أنّ انعطافة زعيمه لم تكمل دورتها، تنقصها بعض القناعة، كي يقتنع بها نفسه ثم جمهوره قبل الحلفاء. لا يبدي الزعيم الأقوى في الجبل الجنوبي، اهتمامه للعدادات الشعبية، يعرف أن خطاب السلم لا يجد الكثير من المصفقين، على عكس مفردات الحرب. مرتاح لدوره. ويعلم أنها ليست مرحلة تسجيل بطولات كلامية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018