ارشيف من :أخبار لبنانية
رباعيات أميركية
سليمان تقي الدين - صحيفة السفير
في أربع قضايا عربية ملتهبة الآن نكاد لا نلمس أي دور عربي مقرر. يتجه السودان سريعاً لانفصال الجنوب عنه وتشكيل دولة مستقلة. يتعمَّق التجاذب المذهبي العربي في العراق بعد شبه الانفصال الكردي.
يتشرذم ما بقي من فلسطين بين بلدية «غزَّة» الممتازة وبلديات الضفة الغربية. يتجه لبنان بجهود الطبقة السياسية المخملية إلى تعليق وحدته بانتظار مؤتمر إقليمي أو دولي يؤمن له الرعاية والوصاية ويصوغ نظامه السياسي مجدداً كحصيلة ارتدادية «للشرق الأوسط الجديد».
نصب التفاهم السوري السعودي خيمة فوق مشكلات لبنان ولم يحلّها. ليس في الداخل الآن ما يشكل عصباً جاذباً لتفاهم وطني عميق.
هناك قوة مادية داخلية قادرة على الإمساك بجزء كبير من الجغرافيا، وهناك قوة سياسية تتكئ على دعم «المجتمع الدولي» و«المحكمة الدولية» لإقامة التوازن السياسي والاستقواء بشرعية ما تسميه «العدالة».
عدالة المجتمع الدولي دمّرت العراق وقسّمت السودان وشرذمت فلسطين وتدفع باللبنانيين بوعي وتصميم إلى صدام يكمل المشهد الإقليمي التفكيكي لدول المنطقة وكياناتها. قد لا يملك المهندسون الأميركيون خارطة جديدة للدول، لكنهم جادون في مقاومة تشكيل نظام إقليمي ينبع من خيارات شعوب المنطقة ودولها. بداهة المصلحة الأميركية لا تقابلها بداهة الموقف العربي الذي لا يعكس أية مبادرة لمواجهة مسار من الضعف والتهميش وربما الفوضى. لكن الأسوأ أن ينخرط بعض النظام الرسمي العربي هنا أو هناك في صراعات لا طائل منها سوى خدمة مجانية للأميركي الذي يعبث بالمسرح الذي يزعجه أو يقلقه أو يفشل فيه.
من يهتم في لبنان للمجتمع الدولي ويغرق في التفاصيل الداخلية لا يدرك الصورة المترابطة لما يدور حولنا. لا المحكمة ولا سلاح المقاومة ولا لبنان كله يستطيع أن يصوغ النظام الإقليمي الذي تتقدمه أزمة العراق وقضية فلسطين ومستقبل النفط والنظام الأمني وأدوار إيرانية وتركية مفتوحة على مصالح آسيوية وأوروبية أوسع. هذه التفاصيل اللبنانية هي مجرد عناصر صغيرة بدليل هذا الحراك الدولي حول عنوان المحكمة. لا يدل هذا فقط على التسييس للعدالة بل على أنها ستكون ذات ليلة ليلاء أداة لجرائم تغطيها بعد ان تستنفد مفعولها.
على بعض اللبنانيين ان يتوقفوا عن الاستمتاع بعرائس السكّر الدولية ليفكروا بالملح اللبناني الذي يجمع أطراف هذه الجماعات وأطيافها ومكوناتها وعيشها. على بعض اللبنانيين ان يقرأوا بإمعان تاريخ بلدهم ليدركوا نتائج ما «وسوس الفرنجة والغرب» لهذه أو تلك من الفئات، وما شهروا لها من الحمايات، وما قدموا لها من الإغراءات، وكيف زالت كل هذه الأعراض العابرة أمام ثبات الأرض والتاريخ والرغبة والشوق للعيش معاً.
يتذكر المرء ان هذا البلد عاش أزمنة مختلفة معظمها في سلم واستقرار وبعضها في توتر ونزاع. يتذكر المرء ان النزاع الطائفي استجد في العام 1975 والنزاع المذهبي استجد في العام 2005. لم يكن هو نفسه ما كان من ألف سنة كما يروج ويشاع ويحرّض وإلا لما كان يستيقظ الآن. لكل نزاع أسبابه الواقعية الراهنة وعلينا ان نفهم أننا نمارس ارتدادات خاطئة مشوهة على حدث كبير بدأ مع المشروع الأميركي لاستباحة المنطقة. لنصف قرن خلا كنا عرباً حتى عرّبنا الجماعات العرقية والقومية والاثنيات غير العربية. لم نكن في هذا على حق، لكننا لم نكن نعرِّف أنفسنا بالأديان والطوائف والمذاهب. فشلنا في بناء كيان سياسي واحد لهويتنا العربية لكننا لا يمكن ان نبرّر لحاضرنا ومستقبلنا ان نشكل مجتمعات قبلية ما قبل العروبة وما قبل الإسلام. في العروبة وفي الإسلام كنا نتجاوز القبلية نحو الدولة والمجتمع الإنساني وكل تمذهب سياسي هو قبلية تنكرها العروبة وينكرها الإسلام. الجميع يعرفون هذه الحقيقة لكنهم يستثمرون بالسياسة. ليستثمروا ما شاؤوا لكن ليس بنار تصعب السيطرة على حدودها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018