ارشيف من :أخبار لبنانية
غاز إسرائيل يسبق غاز لبنان عامين كاملين
أعلنت إسرائيل أنها بدأت بعمليات التنقيب الفعلي عن الغاز الطبيعي، قبالة الساحل الشمالي لفلسطين المحتلة، فيما «يأمل لبنان»، بحسب ما أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري، منح تراخيص التنقيب في مطلع عام 2012. تطوّران غير سويين للبنان، ويميلان إلى مصلحة إسرائيل خطت إسرائيل خطوة كبيرة جداً نحو فرض واقع جديد على لبنان والمنطقة، أن تكون أول الواصلين إلى السوق الأوروبية، المتعطّشة دائماً إلى إيجاد مصادر بديلة من الغاز الروسي، وأعلنت أن عمليات التنقيب عن الغاز قد بدأت بالفعل، وستستمر نحو خمسة أشهر للمرحلة الأولى، يؤمل في نهايتها تحديد مسارات بدء عمليات استخراج الغاز بكميات تجارية، ما يسحب من أمام لبنان إمكان مزاحمة تل أبيب على السوق الأوروبية، حتى مع تقدير هذه السوق أن أحجام الغاز الطبيعي الموجودة في الحقول اللبنانية هائلة جداً، وقد تفوق تلك التي أعلنت تل أبيب اكتشافها في عرض البحر، ذلك أن الأفضلية تكون دائماً للجهة التي تسبق وتبرم العقود.
وأشار الملحق الاقتصادي في صحيفة يديعوت أحرونوت، قبل أيام، إلى أن عوامة تنقيب إضافية (pride north America)، ستصل إلى البحر المتوسط بحلول شهر كانون الثاني عام 2011، للبدء بعمليات التنقيب عن الغاز، في موازاة عمليات التنقيب التي تجريها حالياً عوامة (sedco express) في موقع لفيتان الغازي، والمفترض أن تنتقل بعد أشهر إلى التنقيب في موقع تمار، ثاني أكبر مواقع الغاز المكتشفة إلى الآن في شرق المتوسط. وتأتي هذه المسارعة رغم عدم توصل إسرائيل مع شركات التنقيب إلى تحديد الجعالة المالية، التي تريد تل أبيب أن ترفعها من 12.5 في المئة إلى 20 في المئة، أي إن الشركات وإسرائيل فصلا حسابات التنقيب الاستكشافي وتكاليفه عن أصل الامتياز، انطلاقاً من ضرورة المسارعة إلى فرض الواقع الجديد.
من الواضح أن منسوب الخشية الإسرائيلية من لبنان مرتفع جداً، رغم أن تل أبيب تحاول الامتناع عن التعبير المباشر عن هذه الخشية، مع استثناءات بانت أخيراً. ومن الواضح أن حراك إسرائيل العملي حيال لبنان يعتمد على استراتيجية كسب الوقت والمسارعة إلى فرض الوقائع، مع العمل قدر المستطاع على إشغال لبنان وحرف أولوياته للفترة المقبلة، كي تصل إسرائيل إلى السوق الأوروبية منفردة. بحسب هذه الاستراتيجية، على لبنان أن يبتعد عن حقوله الخاصة التي لا ينازعه أحد حقّه فيها، ويُشغل بمعطيات وإجراءات لـ«استرداد» حقوقه من إسرائيل. من هنا، يمكن فهم ظهور معطيات في وسائل الإعلام الإسرائيلية، كان من شأنها أن تحرك المطالبة اللبنانية بملكية أحد الحقول البحرية، المعلن اكتشافها حديثاً في عرض البحر، والتي لاقت رداً إسرائيلياً رافضاً لكل «الادعاءات» اللبنانية بشأن الملكية أو المشاركة فيها، بينما التركيز الفعلي لتل أبيب ومعظم جهودها منصبّة على المسارعة إلى إيجاد واقع يفرض من جانبها، أن تكون أول مستخرجي الغاز في شرق المتوسط، تسهيلاً لإبرام العقود مع السوق الأوروبية، من دون أي مزاحمة لبنانية على هذا الصعيد.
استراتيجية تل أبيب في إشغال اللبنانين تظهر واضحة من التقارير المنشورة بكثرة في الأشهر الأخيرة، وفي التصريحات الرافضة للحق اللبناني، بل وفي التهديد باستخدام القوة ضد لبنان. يظهر أيضاً في الخرائط المنشورة في إسرائيل عدد من المواقع الواضح جداً أنها تابعة للبنان، لكنّ إسرائيل تصرّ على أنها إسرائيلية وغير قابلة للنزاع.
بحسب خرائط صادرة عن وزارة البنى التحتية في إسرائيل، فإن مواقع غاز كبيرة، تسميها تل أبيب حقول «الون»، وعددها ستة حقول، تقع إلى الشمال من سواحل فلسطين المحتلة، وتمتد من نقطة محاذية للناقورة، شمالاً إلى نقطة محاذية لبلدة الصرفند الجنوبية، أي تماماً في المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، المفترض بلبنان أن يسارع إلى تحديدها. وتظهر الخرائط أيضاً وجود مواقع غاز قيد الاستكشاف، يفترض الواقع أن تكون ممتدة إلى داخل الأراضي اللبنانية، أي إلى اليابسة، لكنّ خرائط إسرائيل توائم ما بين الحدود الدولية البرية للبنان وفلسطين المحتلة، وحدود حقول الغاز والنفط الطبيعية، وكأن الجيولوجيا تعرف الحدود السياسية للدول. وتشير إحدى الخرائط المنشورة في صحيفة غلوبس الاقتصادية الإسرائيلية مثلاً، إلى أن أحد حقول الغاز يصل إلى مستوطنة مسكفعام ويقف عندها، دون أن يتجاوزها باتجاه قرى لبنانية في المنطقة، وتشير الخريطة إلى وجود حقل غازي آخر في القطاع الغربي، يحاذي الحدود تماماً، ويكاد يتعرّج مع تعرجاته، ما بين رأس الناقورة وصولاً إلى بلدة علما الشعب، أي إن مادة الصراع لا ترتبط في عرض البحر، بل هي أيضاً في اليابسة.
يصف الوزير الإسرائيلي يوسي بيليد، أمام لجنة الاقتصاد في الكنيست قبل فترة، واقع الخشية الإسرائيلية ومسبّباتها، ويشدد على أهمية عامل الوقت الذي يحتّم على إسرائيل المسارعة إلى فرض الواقع على كل الأطراف. بحسب الوزير الإسرائيلي «.. إنها المرة الأولى التي يتكوّن فيها ربط بين البعد الأمني والبعد الاقتصادي في إسرائيل.. وعامل الوقت هو الذي يقلقني في هذا المجال.. وما سأقوله موثوق ومؤكد، إذ لدى اللبنانيين، بالقرب من الأماكن التي اكتشفنا فيها حقول الغاز، أي على بعد مسافة كيلومترات معدودة، حقول غاز كبيرة وتوازي ما اكتشفته إسرائيل»، يتابع: «المشكلة لدى الأوروبيين، أن كل الغاز لديهم، أي نحو تسعين في المئة، يصل إلى أوروبا من روسيا. وكما هو معلوم، فإن أي دولة تخطط للمستقبل وتنظر إليه، عليها أن توجد بدائل لمصادرها. من هنا فإن الدول الأوروبية تبحث طوال الوقت عن هذه المصادر. وها هي شركات أوروبية كبيرة جداً تدير مفاوضات مع اللبنانيين، بهدف التوقيع على اتفاقات من 15 إلى 20 عاماً، من أجل الدخول إلى حقل الغاز الكبير الممتد مقابل الساحل اللبناني». يضيف: «تخيّلوا أن دولة لبنان تحولت بالفعل إلى دولة غاز. تخيّلوا مقدار المال الذي سيصل إلى هذا البلد، مع كل المعاني والأبعاد الكامنة في ذلك. هنا يتقاطع البعد الأمني مع البعد الاقتصادي، من دون أي شك»، ويخلص إلى القول: «لا وقت لدينا، ولا لإسرائيل القدرة على هدر الوقت، أو بدائل منه».
ويشير رئيس شركة ديليك الإسرائيلية، التي تتقاسم الامتياز الإسرائيلي للتنقيب عن الغاز مع شركة نوبل إنيرجي الأميركية، إلى «وجوب استنفاد الطاقة الموجودة في إسرائيل، من أجل المحافظة على الزخم القائم والاستمرار به»، محذراً من أن «الإضرار في هذا الزخم يمكّن دولاً أخرى كلبنان من احتلال مكان إسرائيل كمصدّر للغاز إلى أوروبا، وبالتالي ستخسر إسرائيل الرافعة الاقتصادية الجيوبوليتيكية الضخمة، الكامنة في الحقول الغازية».
من ناحية ثانية، هناك دعوة إسرائيلية إلى عدم القلق من لبنان، إذ يكتب أحد الخبراء الإسرائيليين في صحيفة غلوبس الاقتصادية، (05/10/2010) مشيراً إلى أن «جهات إسرائيلية تتابع ما يجري في لبنان، وهي على اقتناع بأن هذا البلد قادر على إعطاء الرخص الأولى للتنقيب عن الغاز حتى نهاية العام الجاري، إذ بإمكان لبنان أن يسدّ الفجوة الموجودة بينه وبين إسرائيل والتحوّل سريعاً إلى منافس حقيقي، لكن هذه الجهات نفسها ترى أن التجارب السابقة تظهر أن ما من سبب يدعو إلى القلق على المدى المنظور. فالكنوز الطبيعية اللبنانية تثير انقسامات داخلية وخارجية في هذا البلد، كذلك فإن لبنان يعيش حالة من عدم الاستقرار، وبالتالي لن تسارع شركات النفط العملاقة إلى استثمار المليارات في دولة كهذه».
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد أجرت تحقيقاً واسعاً غن الاكتشافات الغازية الأخيرة في إسرائيل. وبحسب التقرير، فإن حقل لفيتان، إذا أثبت نفسه واستُخرجت منه الكمية المقدرة، سيكون أحد أهم حقول الغاز الواعدة في العالم، إذ يمكن كميات الغاز الكامنة فيه أن تكفي احتياجات إسرائيل لمئة عام. وبحسب الصحيفة، فإن الحقل المذكور، الذي يحتوي وفقاً للتقديرات الإسرائيلية على 16 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، من شأنه أن يغيّر خريطة الغاز العالمية، ويحوّل إسرائيل إلى إحدى الدول الأساسية المصدّرة للغاز.
في الكلام الإسرائيلي إشارات إلى الآتي:
ـــــ لدى إسرائيل معطيات، من المرجّح أنها مستندة إلى أبحاث ودراسات تمنع إعلانها، تشير إلى وجود حقول غاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، تحتوي على كميات هائلة من الغاز الطبيعي، وقد تكون أكبر بكثير مما أعلن اكتشافه في الجانب الإسرائيلي.
ـــــ الخلاف والسباق المستقبلي مع لبنان لا يرتبط بالغاز الموجود في البحر المتوسط فحسب، بل داخل اليابسة، وتحديداً في منطقة بلدات بليدا، ميس الجبل، حولا، ومركبا، وفي منطقة الناقورة ـــــ علما الشعب، في القطاع الغربي.
ـــــ العنصر الأكثر إقلاقاً لإسرائيل هو أن يسرّع لبنان خطواته باتجاه التنقيب عن الغاز، ما يحتّم عليها العمل على فرض واقع استخراجها الغاز أولاً، وأن تكون أول الواصلين إلى السوق الأوروبية لإبرام العقود معها.
ـــــ تخشى إسرائيل من موقع لبنان السياسي والجغرافي، وقربه من تركيا وسواحل أوروبا، ما يتيح له إنشاء شبكة أنابيب في المياه الساحلية الضحلة بالقرب من الساحل، بينما تضطر إسرائيل إلى استمثار مبالغ تتجاوز خمسة مليارات دولار من أجل مدّ شبكة أنابيب في المياه العميقة، بعيداً من الساحل، للوصول إلى أوروبا.
ـــــ تدرك إسرائيل أن لبنان قادر من ناحية فعلية على سدّ الفجوات القائمة معها، والتحوّل سريعاً إلى منافس ندّي ذي أفضلية لدى السوق الأوروبية، لكنها في الوقت نفسه تراهن على «عدم الاستقرار في لبنان»، وعلى السوابق الدالّة على إمكان تحوّل الغاز إلى مادة خلافية داخل البازار اللبناني، من شأنها أن تبطئ مسارات استخراج الغاز، وبالتالي تبطئ إمكان المنافسة.
الرهان الإسرائيلي قائم وما زال على ألا يسارع لبنان إلى البدء بعمليات التنقيب، وأن تنشأ خلافات لبنانية من شأنها أن تبطئ التنقيب وتعرقل المنافسة، إلا إذا اتّبع المسؤولون اللبنانيون استراتيجية مختلفة، تسابق السرعة الإسرائيلية للوصول إلى أوروبا أولاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018