ارشيف من :أخبار لبنانية

عشرة أيام فاصلة قبل الحسم في مصير المحكمة.. أو الحكومة

عشرة أيام فاصلة قبل الحسم في مصير المحكمة.. أو الحكومة
خضر طالب -"السفير" 

دخل مصير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في سباق محموم مع الوقت، فالمراهنون على عملها كما الساعون إلى إلغائها، باتوا مدركين أن المهلة المتبقية أمام البت بمسألة إبقائها «على قيد الحياة»، لم تعد تتجاوز ـ نظرياًـ مهلة عشرة ايام تمضيه في «غرفة العناية الفائقة»، قبل القرار الحاسم بمنحها جرعة مناعة تمنحها القوة للاستمرار، أو الذهاب إلى خيار «الموت الرحيم».
 
هنا يكمن عملياً الهدف من محاولات التأجيل التي ستتجدد للبت بمصير ملف «الشهود الزور»، مقابل إصرار على الإسراع في حسم الجدل حوله، باعتباره المدخل الذي يمكن النفاذ منه إلى المحكمة الدولية، وبالتالي إما الشروع بخطة تعطيلها وفق آليات قانونية ودستورية، أو فتح الباب أمامها لتقول كلمتها التي لن تمرّ إلا كالإعصار على لبنان واللبنانيين.
لماذا مهلة العشرة ايام القابلة للنقصان وليس للزيادة؟

في رأي القوى الساعية إلى تعطيل المحكمة، أن الظروف الدولية مؤاتية خلال هذه الفترة للانقضاض على المحكمة بسبب انشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في الثاني من تشرين الثاني المقبل، والتي لا أفق واضحاً فيها لما ستحمله من نتائج بين الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يسعى لفوز حزبه الديموقراطي كي يتمكن من إكمال التغييرات التي يجريها في إدارته لتأمين فرص مناسبة تسمح له بخوض معركة تجديد الولاية بعد سنتين، وبين الجمهوريين الذين يريدون تكبيل الرئيس أوباما وتعويض خسارتهم في الانتخابات الرئاسية بالتحضير للانتخابات المقبلة.. في ظل أرجحية فوز الجمهوريين وهو الانطباع السائد في الدوائر الغربية، كما صارح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نظيره اللبناني ميشال سليمان بذلك على هامش قمة مونترو السويسرية.
ويتقاطع المؤيدون للمحكمة الدولية مع الساعين لإلغائها في هذه القراءة، لأنهم يعتقدون أن تمرير الوقت مع الرهان على إمكان فوز الجمهوريين يؤمن للمحكمة حماية في المرحلة المقبلة.
 
على هذا الأساس، يُفترض أن يكون الأسبوع الفاصل عن 2 تشرين الثاني حاسماً في تحديد مصير المحكمة ومسار عملها، بغض النظر عن التسريب المتعمّد لاحتمال تأجيل القرار الظني الذي كان حزب الله يريد استباق موعده الافتراضي في أوائل كانون الأول المقبل بإقرار إحالة ملف الشهود الزور إلى المجلس العدلي، لأن الخطوات التالية لتعطيل المحكمة تحتاج إلى نحو شهر تقريباً، وهو يقرأ في التسريب عن تأجيل القرار الظني محاولة لشراء مزيد من الوقت كي يصبح القرار الظني أمراً واقعاً، بغض النظر عن تاريخ صدوره، طالما أن مضمونه صار معروفا ومحدد الاتجاه.

وعلى الرغم من بعض المعلومات التي ترددت بعد ورشة الاتصالات التي جرت خلال الأيام الماضية عن وجود ميل إلى تجديد التهدئة الداخلية وتأجيل البت مجدداً في جلسة مجلس الوزراء التي لم يحسم موعدها نهائيا هذا الأسبوع في انتظار مشاورات الساعات المقبلة لحسم ملف شهود الزور، إلا أن ذلك لم يلغ الاتجاه إلى حسم الأمور قريباً جداً نحو تحديد صورة المرحلة المقبلة.
 
ولهذا فإن البعض يقرأ في المشاورات التي يجريها الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد مع عدد من القيادات اللبنانية المحسوبة على المعارضة، وآخرهم الرئيس عمر كرامي ونجله فيصل، وكذلك في الاتصالات التي تجريها القيادة السورية مع عدد من القيادات الحليفة، أنها في سياق التحضير للمرحلة المقبلة، في حين أن وصف رئيس الوزراء السوري ناجي العطري لقوى 14 آذار بأنها «هياكل كرتونية» جاء بمثابة دق النفير العام استعداداً للمواجهة الحاسمة حول المحكمة الدولية، وعلى قاعدة يبدو أنها أصبحت مسلّمة «إما الحكومة، وتالياً المحكمة.. وإما المحكمة».

وتتقاطع هذه القراءة مع سلسلة إشارات بدأت تصدر عن قيادات حليفة لحزب الله عن اقتراب موعد الحسم، بينما بدأت تتردد عبارة «عملية نوعية» في حلقات سياسية ضيقة جدا، وعن اقتراب تنفيذها لـ«تغيير الوضع» وإنهاء المأزق الحالي، لكن «الساعة الصفر» لم تتحدّد بعد، وهي مرهونة بمشاورات الفرصة الأخيرة التي يجريها كل من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط في دمشق وبيروت.. ومع الرياض.
فما هي «العملية النوعية» التي يستعد «حزب الله» للقيام بها؟
 
لا يملك أي من الذين رددوا هذه العبارة نقلاً عن الحزب أي معطى عن مضمونها وطبيعتها وآليتها، لكنهم يسارعون إلى الاستدراك بالتوضيح «ليست 7 أيار جديداً».. وهو ما يفتح باب الاجتهاد على الخيارات الأخرى التي يملك الحزب هامش الحركة فيها، ومن أبرزها إسقاط الحكومة، خصوصاً أن بين يدي الحزب اليوم القدرة على الإطاحة بالحكومة والمجيء بحكومة جديدة قد تحتمل أكثر من شكل في الخيارات المتاحة:
 
ـ حكومة سياسية برئاسة شخصية سنية من حلفاء حزب الله الذين يملكون القدرة على الذهاب نحو إسقاط المحكمة الدولية من الواقع اللبناني. ولهذا ربما طرحت فكرة تسمية الرئيس عمر كرامي لتولي رئاسة هذه الحكومة من موقع «الأسبقية» في جرح الاغتيال الذي طال شقيقه رئيس الحكومة الفعلي في العام 1987 الرئيس الشهيد رشيد كرامي، وعلى قاعدة أن «ولي الدم» للرئيس الشهيد رفيق الحريري الرئيس سعد الحريري «تنازل» عما لا يملك من حق في «ولاية دم الرشيد» في العفو عن رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع، ويصبح من حق «ولي دم رشيد» أن يجرّع الرئيس سعد الحريري من ذات الكأس التي سقاه منها، ولكن ليس من باب «الثأر» أو «رد الصاع»، وإنما «من أجل حماية لبنان من التداعيات الخطرة لعمل المحكمة الدولية».

ـ حكومة برئاسة شخصية سنية معتدلة لها حيثيتها وحضورها القوي في الشارع السني، تتولّى الغوص القانوني والدستوري في وضعية المحكمة الدولية وصولاً إلى تعديل نظام عملها وضبط «انحرافها»، وإلاّ وقف تمويلها وسحب القضاة اللبنانيين منها بما يشلّ عملها ويحيلها إلى «الأرشيف»... ولو أن البعض دوليا قرر المضي بها.
 
ـ حكومة تكنوقراط برئاسة شخصية سنية غير سياسية تقوم بإدارة البلد لمرحلة انتقالية وتتولّى مهمة تعطيل عمل المحكمة الدولية وفق الآليات القانونية والدستورية.
 
هل يشكّل إسقاط الحكومة «عملية نوعية»؟ ربما.. لكن على الأغلب أن دمشق و «حزب الله» يتمسكان حتى اللحظة الأخيرة بالرئيس سعد الحريري الذي لن يرغب بالتنازل من جهته عن كرسي الحكم، لأنه يدرك أن خسارته موقع الرئاسة الثالثة قد تكرّ سبحتها إلى خسائر بالجملة لن يقوى على تحمّلها، ولا يملك القدرة على مواجهتها في ظل المتغيرات التي أدت إلى تقليص قوة حضوره بالدعم الذي كان مهيأ له في المرحلة السابقة، وهو يعرف أن عقارب الساعة عادت إلى الوراء... ولو نسبياً... إلا إذا التزم بما تعهد به أمام القيادة السورية التي أعادت تزكيته، أمس، من خلال كلام الرئيس الأسد إلى «الحياة»



2010-10-26