ارشيف من :أخبار لبنانية

سيدي الرئيس... بقلم جيفري فيلتمان

سيدي الرئيس... بقلم جيفري فيلتمان

نصري الصايغ _ صحيفة "السفير"

«سيدي الرئيس»

هكذا يفترض ان تبدأ الرسالة المزمع إرسالها من قبل جيفري فيلتمان الى باراك أوباما... عليه، بعد إبداء الاحترام والتقدير، ان يصارح سيد البيت الأبيض، بما آلت إليه مهمته في المنطقة، وما أسفرت عنه السياسات الأميركية المتعاقبة، إذ لا يعقل ان لا يصار الى تقويم هذه السياسات، لأخذ العبر، وخاصة في لبنان.

إذاً، تبدأ الرسالة بـ«سيدي الرئيس»

ولأن وقت الرئيس ليس فضفاضاً، والاختصار أقرب وأسرع الى بلوغ غاية الإفهام، من المتوقع ان يلجأ فيلتمان الى الوضوح اليسير، والأسلوب المباشر، بعيداً عن لعبة اللغة المواربة، والألفاظ المنتقاة، وفق ما تقتضيه أساليب التخاطب الدبلوماسي.

فبعد «سيدي الرئيس»، سيدخل فيلتمان مباشرة بالموضوع ويكتب: «كان بودي ان انقل إليك أخبار نجاحاتنا في لبنان، ومحيطه الإقليمي. لقد قمنا بجهود كبيرة، وبذلنا ما بوسعنا من دعم وتأييد وإنفاق أموال لإنجاح خطط السياسة الخارجية الأميركية، غير أن مجمل النتائج يتأرجح بين السقوط والفشل والنزع الأخير».

«لا أرغب في تبرير نفسي كثيراً، بدعوى انني كنت أنفذ سياسة أميركية لم يكن لي رأي فيها. اني اتحمل مسؤولية مساهماتي في الخيارات التي تبنتها السياسات الأميركية. كنت شديد الحماسة وشديد التأثير على حلفائنا في لبنان، لبسط «شبكة الشرق الأوسط الجديد» وإنجاح المبادرات كافة، التي كانت لنا، كإدارة أميركية وكسفارة تخطط وتنفذ، اليد الطولى في تحديد مساراتها ومآلاتها.

«لن أُعفي نفسي من النقد. تراءى لي أحياناً، اننا على وشك الفوز... ثم، حل السابع من أيار، وبدأ مسلسل التآكل. لقد فزنا بقيادة لبنان، بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وأخذنا على عاتقنا، اعلان إفلاس الحكم في لبنان، أمناً وقضاء وسلطة. ونجحنا في استيلاد «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان» وفق شروطنا بوضعها تحت البند السابع. فبات لبنان مقيّد الإرادة، ومحكوماً عليه بالمحكمة. وفي هذا المجال، كان لرأينا، وقع الإملاء وإلا... ولقد أبدت القيادات الحليفة لنا، مرونة بلغت حد الطاعة.

ونجحنا في فرض المحكمة في مجلس الأمن الدولي، من دون التقيد بمواد من الدستور اللبناني. فلبنان، من زمان، لا يحترم دستوره، ولا يقيم وزناً لقوانينه، فهو بلد ملقى على قارعة الطوائف، والحياة البرلمانية فيه، كاريكاتور ديموقراطي. ولقد كان هذا مناسباً جداً لنا، لأن التفلت من الدستور والقوانين، سمح لنا بتمرير المحكمة بشروطنا. ولم نأبه لتحذيرات الصين الشعبية والاتحاد الروسي ودولة قطر وحكومة جنوب أفريقيا، التي حاولت وضع استقرار لبنان في مواجهة العدالة. فهذه الأصوات، كانت متخوفة على السلم الأهلي ونحن لم نعر هذا الموضوع انتباهنا، لأننا كنا على يقين، بأن السلم الأهلي ينفعنا أحياناً والفوضى قد تفيدنا أكثر.

لم يكن نجاحنا حاسماً مع فريق 14 آذار، على الرغم من رفد حلفائنا بدعم مجلس الأمن، متخذاً قرارات حاسمة، ودعم مجموعة دول الاعتدال العربية، وعلى رأسها السعودية ومصر، ودعم المجموعة الأوروبية، بنفوذ نزق لجاك شيراك، لأن الحكومة وُوجهت بإقفال أبواب المجلس النيابي في وجهها، بعدما نجحنا معاً في إقفال أبواب القصر الرئاسي على الرئيس اميل لحود، فبات أسيراً ووحيداً ومنبوذاً. حتى حلفاؤه، باتوا يتجنبون زيارته».

«سيدي الرئيس»

«في اوج صعود المد السياسي لقوى 14 آذار، نجحنا في إلزام دمشق بسحب جيوشها من لبنان، طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1559. لقد جاء الحسم مفاجئاً. فنفذ بشار الأسد انسحابا سريعاً وشاملاً، وبدا كرئيس خائف على نظامه، ورفض الاستماع الى حلفائه، الذين تمنوا عليه البقاء ولو في سهل البقاع. غير ان قوى 14 آذار، تلكأت، في حسم المشكلة الأساس، لأن المسألة الأساس في تحركنا، ليست إخراج سوريا من لبنان، على أهمية هذا العمل، وليست مكافحة الاغتيالات ـ ولبنان بالمناسبة سيدي الرئيس، يقع في المرتبة الأولى في ممارسة سياسة الاغتيالات ـ. المسألة الأساس، كانت في ادخال لبنان، في منظومة دول الاعتدال، وهذا يقتضي نزع سلاح حزب الله».

«سيدي الرئيس»

«عوّلنا على إسرائيل، وعوّلت إسرائيل علينا، وعوّلنا على 14 آذار، وخسرنا جميعاً. طالبت كونداليسا رايس مراراً رئيس حكومة لبنان فؤاد السنيورة بالحسم. حكومة لبنان وعدت رايس مراراً ولم تفِ، حتى عندما أقدمت إسرائيل على ممارسة حقها في تحرير أسراها، وكسر هيبة حزب الله، تمهيداً لإخراجه من الخنادق بلا بنادق. باختصار، لم يستطيعوا نزع سلاح حزب الله، والقرار الذي دبجه سفيرنا في مجلس الأمن جون بولتون، لم يحظ بالقبول، لأن الأقلية المعارضة، كانت على استعداد لنقل سلاحها من جبهات القتال، الى جبهات اخرى في الداخل، فأضعنا فرصة تموز. وجاء القرار 1701، لمصلحة بقاء سلاح المقاومة، بعيداً عن الجبهة بالنص، وقريباً منها بالفعل، أما تدفق السلاح، فلم يتوقف ولن».

«سيدي الرئيس»

«ان سياسة «الخراب الشامل»، لم تبن لنا قاعدة صلبة، لا في العراق ولا في لبنان، و«وحشية إسرائيل الجميلة»، لم تحذف سلاح حزب الله من المعادلة، و«حلقات التصوّف» الأميركية وهيستيريا الشعارات، حرية، سيادة، استقلال، لم تؤمن الحد الأدنى من الحكم. ظهر كأننا في لبنان نخوض معركة، نحن فيها طواحين الهواء.

كان بودي ان اعلن عن نجاحات، انما، للاسف الشديد، فإنني مضطر الى تبيان حقول الفشل: ان سياساتنا في لبنان، قد آلت الى نهايات غير سعيدة، وها هي في النزع الأخير. فلم يبق لنا من أسلحة غير المحكمة الدولية، التي تنهشها وتتآكلها القوى المناوئة. أما الشهود الذين وفروا لنا قاعدة مادية لشن حرب على سوريا وحزب الله، فباتوا شوكة في الخاصرة.

المحكمة، خشبة خلاصنا، تتقاذفها أمواج شتى. والإجماع الذي التأم حولها في البداية، بدأ يتبدد. ولا يبدو على معسكر الأعداء، انهم سيتنازلون عن غايتهم: إطلاق رصاصة الرحمة عليها، او رصاص العصيان على قراراتها، وقبل صدورها، هذا ان ظلت على قيد التداول، في البيئة اللبنانية. فحلفاؤنا بحاجة إلينا، ولا نعرف كيف نرفدهم بالقوة. ونحن بحاجة إليهم ولا يعرفون كيف يصمدون، ولا قدرة على وقف الزمن السوري والارتخاء السعودي وتأهب سلاح حزب الله.

كان بودي ان اقول اننا فزنا بالنزر اليسير، لكن ذلك لم يحدث. فها هو بشار الأسد، يتصرف كأنه مشروع «منقذ للبنان». ينقذه من 14 آذار، ومنا أيضاً. وها هو اليوم حاضر بكثافة وثقل، بلا قوى مسلحة. يستقبل زعماء لبنان ويستمع إليهم ويستمعون إليه، وبعضهم يتصرف كأن ما يقوله إملاء يشبه الوحي. لقد تضاءل حجم وتأثير عوكر، (سفارتنا في لبنان) برغم بقاء عنجر في سوريا، لا في البقاع.

أما سلاح المقاومة، فرواية اخرى. يبدو اننا فقدنا الذاكرة. لبنان، لا يشبه إلا نفسه، لا نظير له. فالسلاح جزء من سياسته الداخلية، وهو ليس طارئاً، وغبي وأعمى من لا يلاحظ ان عمر هذا السلاح أكثر من 42 عاماً. أظن ان تسمية «فتح لاند»، دشنت مساراً جديداً للبنان، فعاش مع السلاح ضد إسرائيل، ومع السلاح الذي كان مع إسرائيل. خسر الثاني وفاز الأول».

«سيدي الرئيس»

«لدى مراجعتي سياساتنا في لبنان، بدا لي ان فشلنا السياسي فيه موروث. لقد أحبط اللبنانيون، او الفريق السني فيه، مشروع ايزنهاور، وأسقط حلف بغداد، وطرد سياسة كميل شمعون من القاموس الخارجي. سمحنا لإسرائيل باجتياح لبنان عام 1982، ووافق المبعوث الرئاسي الأميركي فيليب حبيب على تأمين طريق بعبدا لقائد ميليشيا القوات المتحالفة مع إسرائيل، ونفذت إسرائيل الاتفاق، ونصّبت بشير الجميل رئيساً للجمهورية. وكان يوم انتخابه، اقوى رئيس، انتُخب بإرادة أميركية طاغية وغالبة، وإرادة إسرائيلية منتصرة ومحتلة، وبطواعية نيابية نموذجية. ومع ذلك، فقد قُتل في انفجار أطاح به وبمشروعنا برمته».
«سيدي الرئيس»

«أذكر، اننا ارسلنا مبعوثين كثراً، احدهم أشار علينا، برغم حكم أمين الجميل، بالمارينز. أحضرناهم لشهور، وجالت بوارجنا الشواطئ اللبنانية وقصفنا الجبال العاصية. ومع ذلك، فقد ارتجّت الأرض تحت أقدامنا، ولذنا بالفرار. وحذا الفرنسيون حذونا، وتركنا لبنان لخرابه المستدام».

«هذا البلد الشاذ، هو لبنان. لقد تعاملنا معه، بحسابات لا تتناسب ومعادلاته. حساباتنا في لبنان، انتجت مجموعة أصفار. والدليل: احمدي نجاد في بنت جبيل، يقول من على منصتها، ما يقوله حسن نصر الله وأكثر. والدليل أيضاً، بشار الأسد، مرجعية أكثرية القوى اللبنانية، وهو ممسك بعصا الاوركسترا، ويستطيع ان يعاقب النشاز اللبناني. أما حزب الله فيكفيه ان يلوّح بكلامه، حتى يرى اللبنانيون سلاحه.

هذا هو لبنان سيدي الرئيس.

في آخر زيارة لي للبنان، قادماً من السعودية، حاملاً معي ما يشبه الإنذارات، وهي أخيرة ومتأخرة وتالفة نسبياً، قصدت مدينة جبيل للاجتماع برئيس الجمهورية ميشال سليمان، على عجل. قلت ما قلته. وفي طريق عودتي، مررت بنهر الكلب، وتذكرت ان اللبنانيين اقاموا في هذا الموقع لوحات تذكّر بالذين دخلوا لبنان ثم رحلوا عنه...

وتساءلت، هل حان أوان رحيلنا؟».
 
«سيدي الرئيس»

أعرف اهتمامك الراهن، بفضائح الوثائق التي ينشرها موقع ويكيليكس، والإحراج الذي تسببه لمعركتك. ليست هي المرة الاولى التي ننجو فيها مما نرتكبه في العالم. نستطيع ان نغسل ضمائرنا بسرعة. أما كيف نغسل خسائرنا في لبنان؟ فهذا ما يقلقني، وما يدعو الإدارة الأميركية الى اعادة النظر في سياستها، آملاً ان تنظر الى لبنان، من المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، وليس من الناقورة... فلنفعل ذلك، ولو لمرة واحدة.
باحترام
جيفري فيلتمان»

طبعا، هذه الرسالة المفترضة، لن يكتبها فيلتمان، لسبب بسيط، لأنه يتمتع بذكاء عليل. ولأنه اختار حلفاء أكثر اعتلالاً، ولأنه يقرأ لبنان، كأنه بلا شعب، وبلا ماضٍ، وبلا فلسطين، ولأنه لم يُواجَه مرة إلا بـ«سمعاً وطاعة»، ولأنه ممثل دولة عظمى، اعظم ما فيها، انها غبية وحمقاء، وتحديداً، في تعاملها مع شعب لبنان.
   

2010-10-28