ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا يبقى من القرار الاتهامي بعد انتفاء فرضية تزامن الاتصالات؟

ماذا يبقى من القرار الاتهامي بعد انتفاء فرضية تزامن الاتصالات؟

نبيل هيثم _ صحيفة "السفير"


من بديهيات الامور ألا تكتفي الحكومة اللبنانية بأخذ العلم بقرار الاتحاد الدولي للاتصالات بإدانة استباحة اسرائيل قطاع الاتصالات في لبنان و«بث الفتنة على الشبكات الثابتة والخلوية»، وبحصر ردّ فعلها بالمطالبة بتعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بالشبكة. لا بل ان أقل البديهيات توجب أن تلاقي الدولة اللبنانية على كل مستوياتها قرار الاتحاد الدولي، بتجييش حملة سياسية، حكومية، برلمانية، إعلامية، قضائية، دبلوماسية، لوضع العالم في صورة الانتهاك الاسرائيلي وآثاره على كل المستويات.. وبالحد الادنى التوجه الى مجلس الامن الدولي حتى ولو التف البعض هناك على الطلب اللبناني ولم يتجاوب معه أو تجاهله وأهمله.

قد تكون المطالبة بالتعويض المالي ضرورية، وان كانت التجربة مع اسرائيل معروفة فهي رفضت دفع مليون دولار تعويضا على الاضرار التي لحقت بمركز القوات الدولية التابع للامم المتحدة، في قانا حيث ارتكبت المجزرة التي هزت العالم في العام 1996. إلا انّ المسألة تتخطى البعد المالي، لارتباط العمل العدواني الاسرائيلي بعملية «بث الفتنة» على الشبكات كما ورد في متن قرار الادانة، الأمر الذي يوجب البحث الجدي عن أشكال الفتنة التي بثتها اسرائيل عبر قطاع الاتصالات، وتبيان علاقتها بسلسلة الجرائم التي حصلت في لبنان، بدءًا بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلاها من اغتيالات وأعمال تخريبية.

فالقرار يضع في يد لبنان وثيقة دولية دامغة تؤكد أن قطاع الاتصالات تتحكم به اسرائيل، وهي حقيقة حاولت تل أبيب مدعومة من الولايات المتحدة حجبها عبر ممارسة ضغوط هائلة على مندوبي الدول المشاركة في مؤتمر المكسيك، تمكنت من خلالها من تحييد المندوبين الأوروبيين وحملهم على الامتناع عن التصويت، إلا أن المفارقة الكبرى تبدت مع تصويت المندوب الفرنسي مع إدانة اسرائيل، علما أن أصواتا عدة ارتفعت داخل المؤتمر قبل التصويت بالتوازي مع الحملة الاميركية الاسرائيلية، محذرة من ان إدانة اسرائيل معناها تحقيق هدف «حزب الله» بضرب المحكمة الدولية!

ما هي التأثيرات المباشرة لإدانة إسرائيل؟

ما من شك في أن أهمية القرار لا تكمن فقط في نصِّه على الادانة الصريحة لإسرائيل، بل في ارتداداته التي قد تصيب مباشرة صلب القرار الاتهامي لمدعي عام المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار، الذي يستند كما بات معلوما إلى فرضية تزامن الاتصالات لاتهام أفراد من «حزب الله». ويحضر السؤال هنا: ما هو مصير القرار الاتهامي بعد إدانة اسرائيل بالتلاعب بقطاع الاتصالات في لبنان، وماذا يبقى من القرار الاتهامي بعد انكشاف فضيحة القرصنة الاسرائيلية في ما لو كان بيلمار مستندا فقط الى فرضية التزامن؟

واستنادا الى العلاقة المباشرة ما بين القرار الاتهامي وفرضية تزامن الاتصالات، يمكن إيراد ملاحظات سجلها خبراء تقنيون معنيون بقطاع الاتصالات:
أولا، ان أعلى مرجعية تقنية في عالم الاتصالات، أصدرت حكمها بأنّ اسرائيل تسيطر على قطاع الاتصالات في لبنان، فمعنى ذلك أن المعطيات الموجودة في حوزة تلك المرجعية عن تحكم اسرائيل بـ«داتا المعلومات» وقطاع الاتصالات في لبنان، ليست معطيات سطحية أو سياسية أو ظرفية، بل هي معطيات «قطعية الثبوت» لم يستطع المندوبون في مؤتمر المكسيك، وحتى حلفاء أميركا وإسرائيل، التنكر لها أو الهروب من إدانتها على اعتبار انها تستوجب الادانة.
ثانيا، ان سيطرة إسرائيل على قطاع الاتصالات في لبنان، باعتراف الخبراء في عالم الاتصالات، المحليين منهم أو الأجانب على حد سواء، معناها التحكم بكل التفاصيل، ويؤكد الخبراء أن مجرّد السيطرة على «الداتا» تتيح للمسيطر أن يتلاعب بالمخابرات والمكالمات، واختلاق تزامنات وأمكنة كما يرغب ويشاء وتحويلها في أي اتجاه.

ثالثا، على المستوى التقني، فإن إدانة اسرائيل من قبل الاتحاد الدولي للاتصالات، إن لم تؤد الى إطاحة فرضية تزامن الاتصالات في ما لو كان بيلمار مستندا اليها كأساس لقراره الاتهامي ضد «حزب الله»، فإنها تطرح أسئلة حول جدوى اعتماد هذه الفرضية التي لم تعد صالحة كقرينة مقنعة، وهي لم تكن مقنعة أصلا.

رابعا، ان ما صدر عن الاتحاد الدولي للاتصالات يضع بيلمار وقراره الاتهامي في موقع حرج، بعدما هزّ انفضاح العامل الإسرائيلي، قاعدة الارتكاز التي يقوم عليها قرار بيلمار، لذلك لم يعد بمقدور الأخير، تجاوز ما صدر عن الاتحاد الدولي، وخصوصا أنه يلقي عليه مسؤولية البحث مجددا عن معطيات وقرائن أكثر قوة وصلابة ليقيم عليها قرارا اتهاميا جديا، وأمامه طريق وحيد يبدأ بانتقاله مباشرة الى اعتماد مبدأ شمولية التحقيق، والتوجه مباشرة نحو العامل الاسرائيلي، متسلحا باعتراف الاتحاد الدولي بقرصنة إسرائيل لقطاع الاتصالات في لبنان والتلاعب فيه، والتوجه أيضا نحو التعامل الجدي مع القرائن التي قدمها الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، وبالتالي فتح تحقيق مع الاسرائيليين يطلق من خلاله إشارة جدية عن صدق نواياه المشكوك فيها من قبل أكثر من نصف اللبنانيين.

خامسا، إن صدور القرار الاتهامي استنادا الى فرضية تزامن الاتصالات الهاتفية، متجاهلا العامل الاسرائيلي في اختراق الهاتف اللبناني، ودور العدو وشبكات التجسّس في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد كما تكشفه قرائن السيد نصر الله، يؤكد تسييس القرار الاتهامي واستمراره في السياق المرسوم منذ «ديرشبيغل» حتى الآن.

على ان أكثر الملاحظات نفورا، تتبدى في التعاطي الداخلي الخجول مع قرار إدانة اسرائيل، اذ انه مرّ وكأن شيئا لم يكن، وبدا كأنه دخل مرحلة النسيان، علما ان أمورا صغيرة أو هي تافهة بالمعنى السياسي تقام لها الدنيا سياسيا وإعلاميا، تماما كما جرى أمس بعد الحادثة ـ الفضيحة المتمثلة بزيارة محققين دوليين لعيادة نسائية عند أطراف الضاحية الجنوبية، من أجل أخذ معلومات تتعلق بامور شخـصية لعدد من نساء «حزب الله»!

إن قرار الاتحاد الدولي عزز قناعة «حزب الله» وحلفائه بأنّ أيّ قرار اتهامي مبني على تزامن الاتصالات هو قرار ساقط سلفا، لأنه يعني أن الإسرائيليين الذين كانوا متحكمين بالاتصالات، هم وجهوا الامور بهذا الاتجاه... و«حزب الله» يعتبر أن قرار الاتحاد الدولي للاتصالات من أكبر الضربات التي يتلقاها التحقيق الدولي ودانيال بيلمار، ذلك أن كل المسار الذي بدأ منذ «ديرشبيغل» وحتى السيناريوهات الاسرائيلية المكملة له قد سقط.

هل يعجل ذلك بالقرار الاتهامي أم يؤجله؟

في اعتقاد جهات معنية بالتحقيق الدولي ان موعد صدور القرار الاتهامي لا يزال موضع تجاذب يعززه صمت المدعي العام الدولي والخلافات التي بدأت تتصاعد من مقر المحكمة الدولية في لاهاي، بين المحققين الدوليين ضمن فريق بيلمار سواء حول الأدلة والقرائن أو حول مسار التحقيق برمته، وبين بيلمار وقاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين.
   


2010-10-28