ارشيف من :أخبار لبنانية
أسئلة ترسم «خارطة الطريق» لمستقبل الحريري السياسي
خضر طالب - صحيفة السفير
ماذا تعني تلك الدعوات المتكررة الصادرة من السعودية لرئيس الحكومة سعد الحريري لـ«قلب الطاولة» في وجه سوريا و«حزب الله» وتقديم استقالته؟
صحيح أن تلك الدعوات إعلامية وغير رسمية، لكنها تأتي تظهيراً لموقف سعودي آخر لا يسير خلف الملك عبد الله بن عبد العزيز، و«تأكيدا» لكلام الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد عن «العلاقة الشخصية» التي تجمعه بالملك عبد الله (ونجله)، وهذا ما يقود بالتالي إلى استنتاج مفاده أن المملكة مكبّلة اليدين في الوقت الراهن عن القيام بأي دور فعلي في حل المأزق اللبناني باستثناء منع تطوّر المأزق اللبناني دراماتيكياً.. ولكن إلى حين.
لكن الأهم في نتائج هذا الارتباك السعودي الذي بدأ يخرج إلى السطح، هو أن المظلّة السورية ـ السعودية التي تتعرّض لضغط من الداخل تعطّل دورها في تأمين الحماية للبنان لمدى بعيد زمنياً، وأضعف دورها خارجياً في الضغط باتجاه دفع الولايات المتحدة نحو القبول بهذه الحماية عبر تسويق حلول ناجعة لمأزق المحكمة الدولية، وشرح المخاطر التي سـتترتب على القرار الاتهامي في الواقع اللبناني.
معنى ذلك أن الرهان على مخارج خارجية قد بات ضعيفاً، وأن الحلول الداخلية هي الخيار المتاح الآن، وأن «التعويذة» الخارجية للحلّ ـ إذا وجدت ـ تحتاج إلى «بصمة صوت» لبنانية، وبالتالي فإن المأزق أُسقط في أيدي اللبنانيين وعليهم تقع مسؤولية الخروج منه.
وبغض النظر عن القرار الذي سيتّخذه سعد الحريري بالسير في توجهات الملك عبد الله فيذهب إلى اتخاذ مبادرة جريئة تواكب الرغبة الملكية السعودية لحفظ الاستقرار في لبنان، أو في انحيازه إلى الرأي الداعي إلى قلب الطاولة وحشر سوريا وحزب الله.. وربما الملك عبد الله، عبر تقديم استقالته باعتبارها «ورقة الجوكر» التي تؤمن له التخلّص من عبء الضغوط التي يتعرّض لها بالمفاضلة بين رئاسة الحكومة والاقتصاص لجريمة اغتيال والده رفيق الحريري، وكذلك في بيئته السياسية التي تحيط به وتدعوه للتصلّب والصمود أمام الضغوط، وأيضاً في محيطه السياسي الخارجي الذي يطمئنه إلى استمرار الدعم له لمواجهة الهجمة عليه، فإن كل ذلك يعني أن سعد الحريري ما زال يملك وحده خارطة الطريق لمستقبله السياسي الذي يريد بناءه منذ اللحظة التي يجنح فيها إلى أي من الخيارات التي تقدّمها الدوائر المؤثّرة به: عائلياً وسياسياً محليا أو خارجياً.
ما هي الخارطة التي يرتاح سعد الحريري للسير في محطاتها؟
ربما لا يملك الجواب عن هذا السؤال إلا سعد الحريري، لكنه حتماً لا بد أن يكون قد أخذ في الاعتبار الإجابة عن أسئلة تساهم في تحديد المسار الذي سيسلكه:
هل يمكن الحكم من دون التعاون مع سوريا؟ وهل يستطيع أن يضمن بقاءه في السلطة إذا كان حزب الله في قفص الاتهام في قضية مثل قضية اغتيال والده؟ وهل سينتظر القرار الاتهامي لاتخاذ المبادرة الإنقاذية؟ وهل بذلك يكون حفظ الاستقرار؟ وكيف سيكون قادراً على تجاوز أي اتهام لحزب الله في أي حكومة سيكون الحزب شريكاً فيها؟ وهل سيكون هو «رجل المرحلة» بعد صدور القرار الاتهامي؟ وهل سيتمكن من الحفاظ على كتلة نيابية وازنة في الانتخابات المقبلة تضمن له مشروعية رئاسة الحكومة؟ وهل يمكن أن تعود التوازنات الداخلية إلى ما كانت عليه قبل تموضع النائب وليد جنبلاط بما يضمن له التربّع على كرسي الرئاسة الثالثة بـ«قوة الأكثرية الديموقراطية»؟ وهل صحيح أنه لا بديل منه لرئاسة الحكومة؟ ماذا بعد القرار الاتهامي؟ وإلى أين سيوصل أي قرار يوجه أصابع الاتهام إلى الحزب؟ وماذا لو تضمّن القرار اتهاماً إلى أشخاص سوريين؟
لكن الحريري المطوّق بأكثر من دائرة مؤثّرة في تكوين قناعاته، قد يجد بعد فترة قليلة أنه قد «سبق السيف العذل»، وأن تأخير قراره قد يُسقط مفعوله نتيجة ما قد يستجد من تطورات خارجية ستجد ترجمتها داخلياً في وقت قياسي، فيقع سعد الحريري تحت وطأة الظلم مرتين: مرّة في الاختيار بين قرارين أحلاهما مرّ، ومرة في خسارة «محصول» أي قرار يتخذه...
هنا يدخل «الصديق ـ الحليف» وليد جنبلاط على الخط مجدداً لمؤازرة سعد الحريري، ولكن عبر حمايته من محيطه أولاً «لأن بقاء هذا المحيط سيبقى يعبث بتوجهاته ويؤثّر في خطواته وخياراته، خصوصاً من مسيحيي 14 آذار الذين يحتمون خلفه في رهاناتهم الخارجية وهم لم يقرأوا بعد أحداث لبنان الماضية ولا المتغيرات في العالم».
لذلك، فإن جنبلاط يدفع باتجاه مزيد من انفتاح سوريا وحلفائها في لبنان على الحريري والاقتراب منه لقطع الطريق على المتضررين من «النوايا الإيجابية» لدى الحريري، وهو صارح الرئيس السوري بشار الأسد بهذه القراءة وما تضمنته من نقد لتعامل المعارضة مع كلام الحريري إلى «الشرق الأوسط» ولتوقيت مذكرات التوقيف السورية.
يحاول جنبلاط جاهداً أخذ سعد الحريري إلى سوريا وأخذ حلفاء سوريا إلى سعد الحريري، وهو مقتنع بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لتشجيعه على السير بالخيارات التي تنقذ الموقف المتأزّم، وفي رأيه أن استمرار القنوات المفتوحة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وبين الحريري وبينه غير كاف، لأنه «أنا والرئيس بري واحد ولا بد من التواصل المباشر بين السيد حسن نصرالله والحريري»..
هل ينجح جنبلاط في دفع الحريري إلى الإجابة عن الأسئلة التي ترسم معالم مستقبله السياسي؟ وهل ينجح في دفع حزب الله وسوريا وحلفائها لاحتضان الحريري وإبعاد «المحرّضين» من حوله؟
تلك هي خطة جنبلاط.. وتلك هي نصائحه.. لكن الحريري وحده سيقرر قبول الانفتاح، أو إدارة الظهر له والذهاب إلى النهاية في خيارات قد لا تكون محسوبة بدقة.. فماذا سيقول الحريري؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018