ارشيف من :أخبار لبنانية
الحوار المقطوع بين الأسد والحريري: مَن يسبق الآخر؟
نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار
قدّم الرئيس السوري بشّار الأسد، في حديثه الأخير إلى الزميلة الحياة، ملاحظات جديدة حول مغزى العلاقة الإيجابية التي يريد إرساءها مع رئيس الحكومة سعد الحريري. وهي لم تخفِ، في الوقت نفسه، ثلاثة ألغاز اقترنت بالانفتاح الذي أبرزه الرئيس السوري:
1 ـــــ أن تمسّكه بالحريري رئيساً للحكومة على أنه «الشخص المناسب جداً لهذه المرحلة الصعبة»، يثبّت دور الرجل في الوضع الراهن، لكنه يحمّله مسؤولية المرحلة الصعبة التي انخرطت سوريا في تفاصيلها وتعقيداتها، وتتصل أساساً بسبل مواجهة المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري والقرار الظني المتوقع صدوره عنها. ورغم أن الأسد تجنّب إبداء موقفه من المحكمة الدولية، إذ عدّها شأناً لبنانياً، وجّه إشارتين إلى خطورة المرحلة الحالية: القرار الظني الذي يهدّد لبنان بالانفجار، وحماية المقاومة التي هي عرضة لاستهداف مماثل. وهما المهمتان المنوطتان بالحريري بصفته المناسب جداً للمرحلة الصعبة.
لا يريد الرئيس السوري إلا الحريري يواجه القرار الظني، ويتخذ موقف الرفض منه قبل صدوره، والنأي بالوضع الداخلي عن أي فتنة تقول سوريا إن القرار الظني يتوخاها وهو يستهدف سلاح المقاومة. ذاك يعني أيضاً أن مواجهة القرار الظني تصلح بمَن يمثل الشرعية السنّية الشعبية من أجل استيعاب صدمة التخلّي عن القرار الظني توطئة لتخلّ مماثل عن المحكمة الدولية. تبدو الحاجة بذلك إلى أقوى ممثل للشرعية السنيّة للطعن في صدقية المحكمة، لا يسع أي زعيم سنّي آخر، أو رئيس سابق للحكومة، أو مرشح للمنصب، حمل وزر الذهاب بالشارع السنّي مجدّداً في الوجهة المعاكسة لتلك التي اقتيد إليها بين عامي 2005 و2009 حتى إبصار المحكمة الدولية النور. سوى الحريري، تصبح هذه المهمة أقرب إلى إعدام أي رئيس آخر للحكومة يحلّ في منصبه.
2 ـــــ رغم إعلانه أبواب دمشق مفتوحة أمام رئيس الحكومة، لم يحصل مذ أدلى الرئيس السوري بحديثه الثلاثاء الماضي (26 تشرين الأول)، أي اتصال بينه وبين رئيس الحكومة. لم يبادر أحدهما إلى مخابرة الآخر، ولا تبادل معاونوهما المعنيون بملف علاقة الرئيسين أي اتصال. بل لم يعلّق الحريري، في أحسن الأحوال، على الشقّ المتصل بالرسائل التي وجهها إليه الرئيس السوري، وهو يشجعه على استئناف حوارهما. بعض المحيطين برئيس الحكومة وتيّار المستقبل وجد رسائل الأسد أقرب إلى تصويب المواقف التي كان قد أدلى بها رئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري، وبرّر ما قاله الرئيس السوري برغبته في ردّ الاعتبار إلى الحريري بعد الحملات القاسية التي تعرّض لها رداً على رفضه الخوض في القرار الظني وملف شهود الزور.
غالب الظنّ أن الحريري تلقف المغزى الحقيقي للرسالة الأم في هذا الحديث حيال ما يتصل بعلاقة الرجلين، وهو أن عليه ألّا يستقيل. إلا أن عليه كذلك ما هو أدهى من البقاء في السلطة وعلى رأس حكومة الوحدة الوطنية، وهو اتخاذ موقف قاطع من القرار الظني، واستطراداً من المحكمة الدولية، قبل أن يصدر، كي يتفادى تشخيص الأسد أن قراراً كهذا، في بلد منقسم على نفسه كلبنان، لا يسعه إلا أن يدفعه إلى الانفجار.
3 ـــــ أن بقاء الحريري في الحكم لا يزال في صلب التفاهم السوري ـــــ السعودي على الاستقرار في لبنان، من غير أن تبدو دمشق والرياض متفقتين تماماً على كل جوانب الملف اللبناني. أفرَدَ الأسد للشقّ الشخصي في علاقته بالحريري حيّزاً مهماً، من غير أن يجعله حاسماً لحلّ التباين في الرأي بينهما. وأفرَدَ دائماً، في مواقفه المعلنة أو في ما كان قد سمعه منه رئيس الحكومة بالذات، حيّزاً واسعاً لتأكيد علاقته بالعاهل السعودي الملك عبد الله. نُسِبَ إلى الرئيس السوري أكثر من مرة، قوله إن ما يجمعه بالمملكة هو علاقته الشخصية بالملك لا بالنظام ورجالاته. سرعان ما ترجمت هذا الجانب المهمات التي تولاها نجل الملك ومستشاره الأمير عبدالعزيز، كصلة وصل بين الرئيس السوري والملك. وعلى مرّ لقاءات الرجلين، منذ مصالحتهما في كانون الثاني 2009 في الكويت، اقتصرت محادثاتهما باستمرار على خلواتهما الثنائية.
لم توحِ دلالات الرسائل الثلاث التي أطلقها الأسد في اتجاه الحريري بوجود مأزق يُطبق على علاقتهما، المجمّدة منذ أُعلن صدور مذكرات التوقيف الغيابية السورية في 3 تشرين الأول، وقد دافع الأسد عن صدورها وعدّه حتمياً. ولم توحِ الرسائل الثلاث أيضاً أن استعادة الحوار بين الرجلين غير مشروطة، أو في أحسن الأحوال تجاوز الدوافع التي تسببت بانقطاع الحوار بينهما. ولكل منهما حجته التي يتسلح بها كي لا يبادر هو أولاً إلى الاتصال بالآخر: رأى الرئيس السوري أن الحريري أخلّ بتعهّدات قطعها له على مرّ اللقاءات الخمسة التي جمعتهما في 10 أشهر، ووجد الحريري في مذكرات التوقيف الغيابية محاولة إضافية لإرغامه على مزيد من التنازلات كان قد قدمها لدمشق.
لكن ذريعتيهما تتقاطعان عند تناقض صريح، وهو أن ما يصفه رئيس الحكومة بتنازلات مكلفة يقدّمها لسوريا من أجل إعادة بناء علاقات مميّزة وسليمة بين البلدين، تنظر إليه دمشق على أنه تصويب خطأ فادح ارتكب في حقها. نظرت إلى الأمر كذلك عندما استقبلت الحريري لأول مرة قبل أكثر من 10 أشهر، وعندما جهر الحريري بتمسّكه بالعلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية ودعم المقاومة، وعندما اعتذر عن الاتهام الذي كان وقد وجهه هو وحلفاؤه إلى سوريا باغتيال والده على امتداد أربع سنوات، واعترف بوجود شهود الزور.
بل لعلّ المثير في الأمر أن الحريري صَادَقَ على وجهة النظر السورية هذه عندما قال في 6 أيلول الماضي، إن اتهام سوريا باغتيال والده كان خطأ جسيماً. ولم يعكس تصريحاً كهذا تنازلاً مكلفاً، مقدار توخيه الاعتذار عن ذلك الخطأ.
كذلك ينظر كل من الأسد والحريري إلى دور المحكمة والعدالة الدولية على نحو متنافر: على ندرة المرات التي تحدّث فيها الرئيس السوري عن المحكمة، تصرّف باستمرار على أنه يتجاهلها. حسبها شأناً لبنانياً غير معني به ـــــ وكرّر ذلك أخيراً ـــــ لكنه كان ينتقد بعنف التحقيق الدولي، وسارع وزير الخارجية وليد المعلم من واشنطن الشهر الماضي إلى القول إن المحكمة الدولية مسيّسة. ليس الأمر كذلك عند الحريري الذي ينفي عنها ـــــ وهو يتصلّب بالتمسّك بها ـــــ كما نفى من قبل عن التحقيق الدولي أي شوائب.
كان الأسد والحريري قد تبادلا الحوار حول هذا التنافر في الموقف مراراً في أحاديثهما الثنائية. في سحور 30 آب، آخر لقاء جمعهما حتى الآن، أظهَرَ رئيس الحكومة لمضيفه إصراره على المحكمة عبر إيمانه بالعدالة الدولية. قال له إنه لا يسعه الاضطلاع بأي دور لأن المحكمة خرجت من يديه، ومن أيدي اللبنانيين.
ردّ الأسد كان أن تجربة التحقيق الدولي بين عامي 2005 و2008، وخصوصاً مع سوريا باتهامها بالاغتيال ثم إهمال هذا الاتهام فيما بعد، مظهر مباشر لتورّط العدالة الدولية في التسييس. وهو ـــــ في معرض إظهار اقتناعه الكامل بتسييس المحكمة ـــــ رأى في قرار ظني يتهم حزب الله باغتيال الرئيس السابق للحكومة امتداداً لاتهام التحقيق الدولي سوريا بالاغتيال نفسه.
قال الرئيس السوري أيضاً للحريري: لا تنسَ أنك رئيس حكومة وحدة وطنية وفاقية. كيف سيكون وضع حكومتك إذا صدر قرار ظني يتهم أحد شركائك الأساسيين فيها باغتيال والدك؟
فَهِمَ رئيس الحكومة من الرئيس السوري يقينه بأن في وسعه الاضطلاع بدور إيجابي للحؤول دون فتنة وانفجار الوضع الداخلي، يقضي برفضه القرار الظني. لكن زواراً آخرين لدمشق سمعوا منها، كذلك، أن ليس على أحد أن لا يتوقع منها ـــــ متى صدر القرار الظني من غير أن يستدركه موقف وطني لبناني برفضه ـــــ أن تكون وسيطاً أو يُتكل على دورها من أجل حمل حلفائها، وخصوصاً حزب الله، على التسليم به.
ذاك هو الخيط الرفيع الذي لمّح الرئيس السوري إليه، عندما ميّز بين التهدئة والانفجار، في معرض كلامه عن خطورة القرار الظني.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018