ارشيف من :أخبار لبنانية

المعارضة تواجه واشنطن بإسقاط الحكومة.. "عند الضرورة"

المعارضة تواجه واشنطن بإسقاط الحكومة.. "عند الضرورة"

عماد مرمل، السفير
 

يستمر السباق محموما بين القرار الاتهامي الذي يتأرجح على حبال المواعيد المتنقلة وبين المساعي السورية - السعودية الهادفة الى سحب فتيله، أو على الأقل، حصر خسائره.

من بعيد، تبدو خطوات القرار الاتهامي أسرع وتيرة، بما يؤهله لربح السباق، خصوصا ان المنشطات الأميركية تفعل فعلها في رفع مستوى «لياقته البدنية»، ولكن المفاجأة تبقى واردة، وهناك من يراهن على أن تتمكن الرياض ودمشق من الوصول إلى خط النهاية السعيدة قبل دانيال بيلمار وجيفري فيلتمان.
ولأن النتيجة النهائية ما زالت غامضة، فإن المعارضة تتصرف على أساس أن القرار الاتهامي سيصدر غدا، مع إبقاء الأبواب مفتوحة في الوقت ذاته أمام أي تسوية محتملة. وبهذا المعنى، فإن قرار «حزب الله» بوقف التعاون مع لجنة التحقيق الدولية بعد حادثة العيادة النسائية لا يعني انه بات يائسا من مساعي المعالجة أو أنه نفض يديه منها. فالمساران ليسا متلازمين بالضرورة، وإن يكن ما حصل في «العيادة» قد أعطى انطباعا بأن الجهد المبذول لاحتواء الأزمة لم يثمر بعد.

وبمعزل عن النوايا الكامنة خلف زيارة المحققين الدوليين «غير الودية» الى العيادة النسائية، إلا أن الأكيد هو ان ما جرى منح «حزب الله» العذر الشرعي والسياسي لقطع شعرة معاوية الرفيعة التي كانت ما تزال تربطه بلجنة التحقيق الدولية، علما انه كان يتحين الفرصة لذلك، بعدما فقد الأمل في إمكان تصحيح مسار مهمتها، وقد سبق له أن ألمح - قبل حادث الضاحية - إلى انه يتجه نحو تعليق تعاونه مع طلبات التحقيق وبالتالي رفض السماح بالاستماع مجددا إلى أي من عناصره.

المكسب الثاني الذي حققه الحزب، تحت سقف «العيادة النسائية»، انه استدرج واشنطن إلى ردود فعل حادة استهدفت الحزب وسوريا وإيران معا واستعادت أدبيات زمن جورج بوش وقاموسه المتشدد، تحت شعار الدفاع عن المحكمة الدولية وحماية عملها، الامر الذي أعطى متهميها بالتسييس حجة إضافية. لقد اساء هذا الالتصاق الاميركي بالمحكمة الى صورتها المهزوزة أصلا، وكشف بشكل واضح عن كونها مشروع استثمار سياسي لواشنطن في لبنان والمنطقة.
ولكن، أبعد من ذلك، ماذا عن استراتيجية مواجهة القرار الاتهامي، وهل أصبحت جاهزة لدى قيادة المعارضة، أم ان السيناريوهات المتداولة هي مجرد تخمينات وفرضيات؟

يؤكد العارفون أن أحدا في المعارضة لا يملك الجواب الشافي على هذا السؤال، سوى القادة الأربعة: الرئيس نبيه بري، السيد حسن نصر الله، العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية.

ومع هذا، فإن ما يمكن تأكيده منذ الآن هو ان المعارضة لن تقيّد ذاتها مسبقا بخيار «معلب»، أو «أُحادي»، بل هي ستكون أمام مروحة من الخيارات، متعددة القياسات، تتراوح في مفاعيلها بين حد أدنى وحد أقصى، تبعا لحيثيات القرار الاتهامي ومدى «قسوته» من جهة ووفقا لطبيعة الموقف الذي سيتخذه الرئيس سعد الحريري من جهة أخرى، وبالتالي فإن طبيعة ما سيستجد من معطيات آنذاك هي التي ستحدد مسار الخطوة التالية وسترسم مسرح المواجهة (المؤسسات أو الشارع) في حال أصبحت.. حتمية.

هل يمكن الجزم بأن وزراء المعارضة سيستقيلون من الحكومة في حال تضمن القرار الاتهامي إشارة إلى عناصر في «حزب الله»، وحظي بتغطية من سعد الحريري و14 آذار؟

هناك في المعارضة من يرى أن الاستقالة ليست مؤكدة حكما، كرد فعل على القرار الاتهامي المفترض، وإن تكن واردة كواحد من الاحتمالات المطروحة. المعيار هنا مرتبط بما إذا كان إسقاط الحكومة سيعرقل المشروع الأميركي أم سيفيده، وبناء على الاستنتاج الذي سيتم التوصل إليه في حينه، يُتخذ القرار المناســب.

تدرك المعارضة أن استقالة وزرائها من الحكومة سيؤدي إلى تعطيلها عمليا وسيحولها في أحسن الحالات إلى حكومة تصريف أعمال، في موازاة العجز عن تشكيل أخرى، ما يعني دخول البلد في أزمة سياسية مفتوحة، وهي لن تُقدم على هذه الخطوة إلا إذا كانت تصب في خانة تحسين شروط المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل اللتين خرجتا من الظل وتموضعتا في الخط الأمامي للمعركة التي تدور في الشكل حول المحكمة الدولية وفي العمق حول سلاح المقاومة ومشروعها.

ولعل الكثير مما سيجري في المستقبل يتوقف على سلوك الحريري الذي بات عليه أن يختار سلوك أحد دربين، فإما أن يواصل سياسة شراء الوقت إلى حين صدور القرار الاتهامي، مفترضا أن وجود هذا القرار في جيبه يتيح له التفاوض مع «حزب الله» لاحقا من موقع أقوى وصولا إلى إنجاز تسوية بشروط أفضل تكون أكثر ملاءمة له، وإما ان يتجنب خوض هذه المغامرة ويتخذ الموقف المبدئي المطلوب منه حيال القرار الاتهامي قبل الإعلان عنه.

ويعتقد قيادي في المعارضة انه وخلافا لحسابات الحريري، أو المحيطين به، فإن الخيار الأول سيجعله أضعف مما يتوقع لأنه سيكتشف سريعا بعد تبدد الغبار أن حكومته أعجز من أن تطبق القرار الاتهامي بل هي قد تكون أولى ضحاياه، بينما يتيح له الموقف الاستباقي الذي يغلّب مصلحة البلد على المصالح الأخرى أن يكون شريكا في توازنات المرحلة المقبلة وفي عائدات الاستقرار الداخلي.

وفي كل الحالات، فإن المعارضة مطمئنة إلى أن الاستقالة، إذا تمت، لن تعيد إنتاج تجربة حكومة فؤاد السنيورة التي تفردت بالحكم لفترة طويلة، ذلك أن موازين القوى في الحكومة الحالية ووجود كتلة وسطية في صفوفها (الوزراء الثمانية للرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط) لا تسمح بتكرار التجربة، ناهيك عن أن رئيس الجمهورية التوافقي لن يقبل بترؤس اجتماعات لحكومة غادرها التمثيل الشيعي وجزء كبير من التمثيل المسيحي.


2010-11-02