ارشيف من :أخبار لبنانية
وسطاء: الحل بالحوار بين الحريري ونصر اللّه بانتظار مسعى الأسد وعبد الله
بين وجهات النظر المتضاربة بشأن مصير البلاد، في ضوء النقاش الدائر حول المحكمة الدولية، تبرز وجهة نظر تدعو إلى أخذ مسافة من الحدث، من دون أخذ المسافة من المسؤولية، ما يحتّم التعامل مع الموضوع بواقعية وبساطة للوصول إلى نتائج من النوع الذي يمنع الانفجار. وأحد العاملين ضمن فريق التواصل بين القوى المتنازعة يعتقد بوجوب الامتناع عن التوتر، الذي يعتقد أنه ثبت عدم إفادته لأيٍّ من الأطراف، بل إن التوتر ينمو نمواً مبالغاً فيه، في ظل انقطاع الحوار.
بحسب صاحب هذا الرأي، إن التجربة الماضية دلّت على أن منطق المواجهة المفتوحة لن يفيد في شيء، وأن أصل التمسك بالموقف وعدم الذهاب نحو تسويات لن يفيد أياً من الطرفين المعنيين أساساً، بل ربما أفاد الآخرين، وخصوصاً الخصوم في الداخل والخارج. كذلك إن تجربة السنوات الماضية دلّت الجميع على أن لعبة حافة الهاوية لا توصل إلى نتائج حقيقية، بل من شأنها رفع مستوى التوتر في الشارع إلى درجة يصعب معها ضبط أحد في الشارع وخارجه، وهو ما أظهرته أحداث كثيرة حصلت خلال الفترة الماضية، وخصوصاً في ما خصّ السعي إلى إقحام المقاومة في مصادمات ذات طابع أهلي داخلي لن تحقق النتيجة المرجوّة على صعيد ملف المحكمة الدولية، وهو عملياً أصل الموضوع، لا أكثر ولا أقل. والطرفان المعنيان هما الرئيس سعد الحريري وما يمثل، و«حزب الله» وما يمثل. ولكل واحد حساباته وأهدافه ومتطلباته، والجميع يعرف الموضوع. كذلك هناك ما يخص سوريا والسعودية.
وباعتقاد المصدر نفسه، فإن الأمور تسير اليوم صوب خيار من اثنين: إما المواجهة والصدام، وإما التفاهم على القدر الممكن من التسوية السياسية وما تتركه من انعكاسات أخرى على صعيد المنطقة والشارع. ويعيد المصدر شريط التطورات ليبدأ من حقيقة أن الأزمة القائمة عند الحريري وعند حزب الله ليست سهلة الحل، وأن إيجاد المخرج المناسب يحتاج إلى جهد وإلى صبر وإلى أفكار خلاقة. لكنه يحتاج أكثر من ذلك إلى إبقاء قنوات التواصل والحوار مفتوحة، وإلى إبعاد العناصر البشرية أو غير البشرية التي من شأنها تفجير الموقف. وهو يعتقد في هذا السياق أن السعودية، ومعها الرئيس الحريري، عملا بجد لتأجيل إصدار القرار الظني إلى الربيع المقبل. وهناك معلومات قوية عن أن التأجيل قائم بقوة كبيرة، وأنه جرى تقاطع للمعلومات في هذه النقطة من جوانب عدة، وتبيّن أن الرئيس الحريري، كما السيد حسن نصر الله، في هذه الأجواء.
ويلفت المصدر نفسه إلى أن المشكلة ربما بدأت من السقوف العالية التي رفعها الطرفان، مثل قول الحريري إنه غير معنيّ بأي نقاش يخصّ المحكمة، وليحصل ما يحصل، أو قول حزب الله إن على الآخرين إلغاء المحكمة بأي طريقة، وليحصل ما قد يحصل. وفي الحالتين، يعتقد المصدر أن هناك شبكة مصالح ستقوم وتتضرر من الجانبين، وبالتالي لا بد من فرصة لإطلاق الحوار بينهما مباشرة أو من خلال السعودية وسوريا، بما يؤدي عملياً إلى نزع فتائل التفجير تدريجاً، وصولاً إلى نتيجة ترضي الطرفين. وينطلق من أن قرار إلغاء المحكمة الدولية غير متوافر بيد الحريري ولا بيد السعودية، وبالتالي إن ما يمكنهما القيام به هو تعطيل مفاعيل أي خطوة من جانب المحكمة. لكن ذلك لا يمكن أن يكون عبر الضغط، ليشير إلى ما أبلغه النائب وليد جنبلاط للرئيس السوري بشار الأسد وللسيد نصر الله نفسه في آخر لقاءين له معهما من أن الحريري لن يسير تحت الضغط. كذلك، قال جنبلاط للحريري نفسه إنه لا يمكنه التصرف كأن لا دور له في ما يحصل.
ويقول المصدر إن الحريري يعرف أن المطلوب منه صعب، وهو يريد القيام بخطوة جبارة، لكنه يعيش مناخاً من الضغوط المتنوعة الآتية من فريق قريب منه ومن جهات عربية ودولية، وهو يدرس الأمر من زاوية أن التخلي عن المحكمة ستكون له انعكاسات لا يعرف حجمها عليه شخصياً وعلى عائلته وعلى تيّاره وعلى جمهور 14 آذار برمّته. في مقابل شعور أصعب عند حزب الله الذي يقول إن ما يريدونه منه هو أن يقبل باتهامه بقتل الحريري، ما يعيد إلى السطح مناخات متوترة بين السُّنة والشيعة كأننا في زمن يعود إلى ما قبل 1400 عام، وهو أمر يصعب قبوله تحت أي ظرف. وبالتالي، إن السؤال هو عن الآلية التي تحول دون الاصطدام، والتي تتيح في الوقت نفسه مخرجاً يناسب الجميع.
عند هذه النقطة، يلفت المصدر إلى المحادثات الجارية بين السعودية وسوريا، ويقول إنها «محادثات جدية للغاية، وفيها عناصر قوة كبيرة أبرزها أن في سوريا موقفاً واحداً وقراراً واحداً، وأن الرئيس الأسد ماضٍ في سياسة التفاهم مع الرياض، وأن في السعودية قراراً واحداً برغم وجود عدة آراء، وهذا القرار موجود عند الملك عبد الله الذي يترك إدارة الملف لمستشاره، نجله الأمير عبد العزيز الذي «يتابع التفاصيل من دون حاجته إلى المرور بأي قناة أخرى داخل المملكة أو خارجها. والسعودية تعرف فعلياً حجم تأثيرها على الحريري، كما تعرف سوريا حجم تأثيرها الفعلي على حزب الله، وفي الحالتين هناك فرصة يمكن الاستفادة منها إلى أبعد الحدود». بحسب المصدر، إن الولايات المتحدة وجهات عربية وأخرى لبنانية تعمل على منع التوصل إلى تفاهم سعودي - سوري، لكن هذه الجهات تستفيد أكثر من حصول قطيعة بين الرئيس الحريري وحزب الله، وهو الأمر الذي يجب حسمه لمرة أخيرة، فيما البحث يستمر عن مخرج خلاّق للأزمة؛ لأن البديل هو الانهيار وليس أي شيء آخر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018