ارشيف من :أخبار لبنانية

دراسة مقارنة بين جريمة شهادة الزور وجريمة الافتراء في القانون اللبناني(2)

دراسة مقارنة بين جريمة شهادة الزور وجريمة الافتراء في القانون اللبناني(2)

عدنان عضوم، السفير

المرجع القضائي المختص لملاحقة كل من جريمة شهادة الزور وجريمة الافتراء

ألف ـ رفض المدعي العام لدى المحكمة الخاصة بتولي صلاحية التحقيق وملاحقة المشتبه بارتكابهم جريمة شهادة الزور والافتراء في ملف اغتيال الرئيس الحريري

ـ1ـ نصت المادة الرابعة فقرة أولى من نظام المحكمة الخاصة بلبنان أن للمحكمة الخاصة والمحاكم الوطنية في لبنان اختصاص مشترك وتكون للمحكمة الخاصة ضمن اختصاصها أسبقية على المحاكم الوطنية. كما نصت المادة الحادية عشرة من هذا النظام على أنه يتولى المدعي العام مسؤولية التحقيق مع الأشخاص المسؤولين عن جرائم داخلة في اختصاص المحكمة الخاصة. ونصت المادة الثالثة من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات التي وضعها قضاة المحكمة أنه يتم تفسير هذه القواعد وفقاً لروحية نظام المحكمة والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والمبادئ العامة للقانون الجنائي الدولي ولقانون الإجراءات الجنائية الدولي ولقانون الإجراءات الجنائية اللبناني.

ـ إن المبادئ القانونية الدولية العامة المتعلقة بالإجراءات الجنائية وأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبنانية تجيز في حال تَجمُّع بين الجرائم روابط متداخلة إحالتها معاً أمام مرجع جزائي واحد وإن يكن غير صالح بالنسبة إلى بعضها، وغاية ذلك تأمين حسن سير العدالة خلافاً لقواعد الاختصاص، ويكون ذلك في حالتين: حالة الجرائم غير المجزأة أو الجرائم المتحدة وحالة التلازم بين الجرائم وهذا ما يسمى بامتداد الاختصاص الجزائي. وتعتبر الجرائم متلازمة عندما يكون بينها رابطة معيَّنة تجمع بينها من دون أن تؤدي إلى امتزاجها، بحيث تبقى كل منها جريمة مستقلة، ولكن بالنظر إلى هذه الرابطة فإنه من الأجدى النظر بها معاً أمام محكمة واحدة. ومن أمثال الجرائم المصنفة متلازمة في القانون الدولي ومعظم القوانين الجنائية الوطنية ومنها اللبناني والفرنسي، الجرائم التي يكون بعضها تهيئة للبعض الآخر، أو تمهيداً لوقوعها، أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها، أو لإخفاء نتائجها أو لإبقاء منفذيها دون ملاحقة (المادة 133- قانون أصول محاكمات جزائية لبناني والمادة 203 قانون أصول محاكمات جزائية فرنسي).

ـ إن قرار قاضي الإجراءات التمهيدية السيد فرانسين المستنِد إلى طلب المدعي العام الدولي القاضي بلمار في قضية اغتيال الرئيس الحريري، الصادر علناً بتاريخ 29/4/2009، والذي أفرج بموجبه عن الضباط الأربعة المحتجزين من قبل القضاء اللبناني منذ 30/8/2005 استناداً إلى توصية رئيس لجنة التحقيق الدولية السيد ميليس، تضمن ما خلاصته أن إفادات الأشخاص التي تم توقيف الضباط على إثرها غير صادقة وإن المعلومات الموجودة في ملف التحقيق حول التورط المحتمل لهؤلاء الضباط في الهجوم على الرئيس الحريري غير موثوق بها كفاية لتبرير إيداع قرار اتهام بحق أي متهم.

ـ يتبيَّن أن هذا القرار يشير إلى أن بعض الأشخاص ارتكبوا إحدى الجرائم التالية: الإدلاء بشهادة الزور للتعمية عن الحقيقة أو الافتراء عن طريق إعطاء معلومات كاذبة ونسبتها إلى أشخاص محدّدين يعرفون براءتهم منها.

وبالتالي، يستنتج أن تكون هذه الجرائم قد ارتكبت لتضليل التحقيق الجنائي ولإبقاء منفذي الهجوم الإرهابي على الرئيس الحريري ورفاقه بدون ملاحقة.
 
وحيث إن العناصر القانونية للجرائم المتلازمة متوافرة بين هذه الجرائم المرتكبة لتضليل التحقيق ولإبقاء منفذي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه من دون ملاحقة لوجود رابطة وثيقة تجمع بينها، مما يستوجب إيلاء اختصاص المحكمة الدولية الخاصة للنظر بجرم شهادة الزور لحسن سير العدالة، وعلى ضوء الأحكام والقواعد القانونية المبيَّنة أعلاه. وما يعزز هذا الرأي أن نظام المحكمة الدولية يعطيها الأسبقية لاختصاصها على اختصاص المحاكم اللبنانية وإن للمدعي العام الدولي استناداً لنظام المحكمة الدولية الصلاحية الواسعة للتحقيق مع كل الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الخاصة. وقد كرست القواعد الإجرائية المطبقة من قبل المحكمة الصلاحية الشاملة للمدعي العام الدولي لتولي أي تحقيق له علاقة بقضية اغتيال الرئيس الحريري وفقاً للأصول القانونية الواجبة التطبيق.

إلا أن المفارقة أن المدعي العام الدولي بدلاً من أن يجري التحقيقات والملاحقات في قضايا شهود الزور المختصة بها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وفقاً لما تقدم ذكره لجهة الاختصاص، عمد مكتبه إلى إصدار عدة تصريحات أيّدها هو بنفسه، أنه غير معني وغير مختص للتحقيق والملاحقة في جريمة شهادة الزور أو المعلومات الكاذبة التي أُدلي بها أمام القضاء اللبناني أو لجنة التحقيق الدولية وقت كان القانون اللبناني المتعلق بالإجراءات والملاحقة هو المطبَّق على كل الأعمال التي كانت تجريها لجنة التحقيق الدولية التي كان يرأسها مؤخراً قبل أن يصبح مدعياً عاماً للمحكمة، ومتذرعاً بأن أحكام ملاحقة جريمة شهادة الزور المعني بها هي فقط المنصوص عليها في المادة 152 من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات، وتتناول فقط شهادة الزور بعد حلف اليمين المدلى بها أمام إحدى غرف هذه المحكمة الدولية.

إن موقف المدعي العام الدولي المذكور يفيد أن المحكمة الدولية لا تريد ممارسة اختصاصها في ملاحقة هذه الجرائم المتفرعة والمتلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري كما بيًّنا أعلاه، ويصبح بالتالي القضاء اللبناني حكماً صاحب الاختصاص لملاحقة هذه الجرائم سنداً لأحكام المادة الرابعة من نظام المحكمة المشار إليها أعلاه ولقانون العقوبات اللبناني (المادة 15) منه التي تولي صلاحية المحاكم اللبنانية على هذه الجرائم باعتبار أنها ارتكبت في الأراضي اللبنانية وفقاً لأحكام هذه المادة التي تنص على أنه تعد الجريمة مقترفة في الأراضي اللبنانية إذا تم على هذه الأراضي أحد العناصر التي تؤلف الجريمة أو فعل من أفعال جريمة غير مجتزأة أو فعل اشتراك أصلي أو فرعي، كما إذا حصلت النتيجة في الأرض أو كان متوقعاً حصولها فيها.

باء ـ المرجع القضائي اللبناني المختص للنظر في جرائم شهادة الزور والافتراء في قضية اغتيال الرئيس الحريري
إن جرائم شهادة الزور والافتراء المشتبه بارتكابها هي جرائم متفرعة ومتلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وقد أحيلت جريمة اغتيال هذا الأخير إلى المجلس العدلي بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء آنذاك. وورد في هذا القرار أنه تقرر إحالة جريمة اغتيال الرئيس الحريري وكل ما يتفرع عنها إلى المجلس العدلي، أن هذا المجلس يكون بالتالي المرجع القضائي المختص للنظر بجرائم شهادة الزور والافتراء كون هذه الجرائم متلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري وفقاً لمضمون المادة 133 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولأن هذه الجرائم فضلاً عن أنها أدَّت إلى تضليل التحقيق الجنائي، أضرت بالمدعى عليهم لدى القضاء اللبناني زوراً وافتراء عليهم واستتبعت توقيفهم لمدة طويلة على ذمة التحقيق استناداً إلى هذه الأضاليل، وأنه لحسن سير العدالة وحتى لا يبقى الفاعلون الحقيقيون من محرِّضين ومشتركين ومنفذين وممولين لجريمة نالت من رئيس وزراء لبنان واستتبعت إخلالاً بالسلم والأمن الأهلي دون ملاحقة تؤدي إلى توقيف الفاعل الأساسي، فإنه يقتضي إيلاء النظر بهذه القضية المتفرعة عن القضية الأصلية إلى قاضي التحقيق العدلي الذي كان يحقق في قضية اغتيال الرئيس الحريري كون التحقيقات والمستندات والأدلة لا تزال موجودة في دائرته، ولأنه المرجع الأصلح والأفضل لتولي النظر في هذه الجرائم المشتبه بارتكابها توصلاً إلى تحقيق العدالة عن طريق معرفة الجرم الأصلي الذي هزّ أركان الدولة اللبنانية وأدخلها في مأزق لا يزال مستمراً حتى الآن ويُخشى من تفاعلاته وآثاره التي قد تكون مُدمِّرة لبلدنا العزيز.

وإلى الذين يعارضون إحالة ملف شهود الزور والمفترين إلى المجلس العدلي متذرِّعين بأن صلاحية هذا الأخير محصورة فقط بالجرائم المنصوص عليها في المواد 270 وما يليها وحتى المادة 336 ضمناً من قانون العقوبات، وإن جرمي شهادة الزور والافتراء المنصوص عليهما بالمادتين 408 و 403 عقوبات ليست من ضمن الجرائم المشار إليها في المادة 356 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإننا نقول إن الجرمين المذكورين هما جرمان متلازمان مع الجريمة الأصلية التي سبق أن أحيلت إلى المجلس العدلي كما سبق ذكره، وأنه على افتراض أنهما غير متلازمين مع الجريمة الأصلية، فإن هذان الجرمان هما بحد ذاتهما من الأعمال التي حُدِّدت بأنها من اختصاص المجلس العدلي في المادة 288 عقوبات المتعلقة بالجرائم الماسة بالقانون الدولي كونها عكَّرت الصلات بدولة أجنبية كسوريا التي وَجَّه بعض هؤلاء الفاعلين أصابع الاتهام إليها، وعرَّضت اللبنانيين لأعمال ثأرية قد تقع عليهم أو على أحوالهم وهذا ما أكده رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الدين الحريري في المقابلة التي نشرتها جريدة «الشرق الأوسط» مؤخراً، كما أنهما يؤديان إلى الفتنة في لبنان في حال استمرار التجاذب وإطلاق الاتهامات الكاذبة والإدلاء بإفادات مزورة واختلاق جرائم وإلصاقها بمواطنين زوراً، وإلى الحض على تسليح اللبنانيين ضدّ بعضهم البعض أو حضِّهم على ذلك. وهذا الجرم المنصوص عنه في المادة 308 وما يليها من قانون العقوبات التي تدخل ضمن اختصاص المجلس العدلي وفضلاً عن أن الخطاب المعتمد في لبنان مؤخراً والكتابات على أنواعها في وسائل الإعلام من شأنها إذا استمرت دون ملاحقة مرتكبيها أو الدافعين سراً إليها أن تنال من الوحدة الوطنية وأن تعكّر الصفاء بين عناصر الأمة وهي أيضاً جريمة منصوص عنها بالمادة 317 عقوبات المعدلَّة وتدخل ضمن اختصاص المجلس العدلي.

وهنا يقتضي التذكير بأن الفعل الجرمي قد يحمل أوصافاً متعددة، لا يجوز حصره في نوع واحد من الجرائم فيكون الفعل الذي يشكل جرم الافتراء محتوياً على أفعال أخرى تكون عناصرها المحققة منطبقة على وصف جرمي آخر كما هي الحال في الجرائم المشار إليها أعلاه ويكون أمر النظر بها من اختصاص المجلس العدلي.

وعلى كل حال وبعد اعتبار هذه الجرائم من اختصاص المجلس العدلي حتى ولو لم يصدر مرسوم بإحالتها لأنه سبق أن أحيل ملف اغتيال الرئيس الحريري إلى المجلس العدلي فإنه يقتضي على المحقق العدلي الذي كان واضعاً يده على الملف أن يباشر تحقيقاته في هذه الجرائم وذلك برفع القضاء العادي الذي لا يوجد لديه أية ملاحقة جزائية بهذا الخصوص يده لعدم الاختصاص، وأن يحيل الملف الموجود لديه إلى المجلس العدلي وفقاً للأصول القانونية التي ترعى قواعد الاختصاص النوعي.

وبمطلق الأحوال وأياً كان المرجع القضائي المختص للنظر في دعاوى جرائم شهادة الزور والافتراء في قضية اغتيال الرئيس الحريري، فإننا نرى أنه على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تمارس اختصاصها القضائي في قضية الاغتيال المذكورة وبكافة هيئاتها بما فيه الادعاء العام، استئخار السير بالدعوى، لحين البت في دعاوى الافتراء وشهادة الزور التي أدَّت إلى تضليل التحقيق وحجبت عن أنظار فريق التحقيق الدولي والمحكمة بكافة هيئاتها الحقيقة عن هوية الفاعل الحقيقي والمساهمين معه في ارتكاب هذه الجريمة النكراء وأخلت بسير العمل القضائي وعطَّلت إمكانية توصله إلى معطيات وحقائق تقود إلى جلاء الحقيقة ومعرفة الفاعل لسوقه إلى العدالة.

جيم ـ مدى جواز التذرع بمبدأ سرية التحقيق بالنسبة للمحاضر والإفادات والمعلومات المتعلقة بجرائم شهادة الزور والافتراء
تنفيذاً للبند السابع من مذكرة التفاهم الموقعة بين وزير العدل خالد قباني عن الدولة اللبنانية ورئيس لجنة التحقيق الدولية ديتلف ميليس، كانت هذه اللجنة تزوِّد خلال التحقيقات التي كانت تقوم بها قاضي التحقيق العدلي بنسخة عن الأدلة التي جمعتها. وهذه المحاضر والإفادات والتقارير أصبحت بالتالي جزءاً لا يتجزأ من ملف التحقيق القضائي اللبناني، وقد بنى قراراته عليها، وتخضع بالتالي لسرية التحقيق المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني. وإن الامتيازات والحصانات المتعلقة بالمستندات العائدة للهيئات التابعة للأمم المتحدة ومنها لجنة التحقيق الدولية المستقلة لم تعد تطبق بالتالي على الإفادات والمعلومات التي قد تشكل أدلة على حصول جرائم شهادة الزور والافتراء في قضية اغتيال الرئيس الحريري والموجودة في الملف القضائي اللبناني، خاصة أن بعض هذه الإفادات قد أصبحت علنية بعد أن وردت في تقارير رئيس اللجنة ديتلف ميليس التي رفعت إلى مجلس الأمن ونشرت في كافة وسائل الإعلام (مثلاً إفادة زهير الصديق). فأين سرية التحقيق والحصانة المزعومة لهذه المستندات؟ كما أنه بالاستناد إلى قرار قاضي الإجراءات التمهيدية الذي أكد عدم صدقية هذه الإفادات وبالتالي قرر عدم اتهام الأشخاص المحتجزين من قبل القضاء اللبناني من جهة، وإلى إعلان المدعي العام الدولي عدم اهتمامه بشهود الزور وعدم صلاحيته لملاحقتهم من جهة ثانية، وإلى الادعاء الجزائي على بعض هؤلاء الشهود لدى المحقق العدلي اللبناني بجريمة شهادة الزور من جهة ثالثة. فإنه لم يعد من الجائز قانوناً التذرع بسرية التحقيق أو بحصانة المستندات للقول بعدم جواز تسليمها للمتضررين من هذه الجرائم أو للقضاء اللبناني صاحب الصلاحية لملاحقة مثل هذه الجرائم ليتمكن من معاقبة المجرمين، وإلا اعتبر هذا الموقف عقبة بوجه حسن سير العدالة وتعطيلاً لمبدأ إحقاق الحق.


2010-11-03