ارشيف من :أخبار لبنانية
حتى يطمئن المسيحيون
ادمون صعب _ صحيفة "السفير"
بينما كان الرصاص يلعلع والمتفجرات تزلزل كنيسة سيدة النجاة في حي الكرادة في بغداد الأحد الماضي، وتسقط ضحايا بريئة من المؤمنين المسيحيين الذين كانوا يحضرون قداس جميع القديسين، كانت قناة «الجزيرة» التلفزيونية تعيد بث حديث أجرته في روما قبل أيام، خلال انعقاد السينودس من أجل مسيحيي الشرق، مع البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير.
سئل صفير رأيه في المقاومة وما إذا كان سلاحها الذي يتعرض للهجوم من مجموعات مسيحية تلوذ به ويتأثر بمواقفها، هو من أجل تحرير ما تبقى من أرض محتلة من إسرائيل في الجنوب، فأجاب إنه لا يعتقد ان حمل السلاح من جانب «حزب الله» مبرر لتحرير أرض محتلة، بل انهم «يريدون تغيير الوضع والسيطرة على البلاد».
وإذ سئل عن إمكان زيارته دمشق، أجاب: «ان الظروف الآن لا تؤاتي»، موضحاً انه لا يريد ان يزور دمشق لوحده بل يريد ان يرافقه الفريق الذي ينتمي إليه من مسيحيي 14 آذار، أي بعد تحقيق المصالحة بين هؤلاء ودمشق، وان هذا شرطه لزيارة دمشق حالياً ولقاء المسؤولين الكبار فيها.
كذلك ربط موضوع زيارته لدمشق بالهجرة، معتبراً ان زيارة سوريا «التي ربما كانت لها مطامع في لبنان» قد تؤدي ببعض اللبنانيين إلى مغادرة الوطن. وقال: «إذا ذهبت إلى دمشق وزاد في خوف بعض المسيحيين وسافروا وهاجروا من لبنان ستكون النتيجة وبالاً علينا»!
كيف سيتعامل صفير ومسيحيوه مع المقاومة وجمهورها الشيعي الواسع، عندما يشكك رجل الدين الكبير في صدق نياتها لجهة الدفاع عن الأرض والاستشهاد من أجل الوطن، متهماً إياها بأنها تكدس السلاح في الجنوب من أجل السيطرة على البلاد، وليس من أجل الدفاع عن الأرض، ارض المسيحيين والمسلمين على السواء ـ إلا إذا كان الجنوب في نظره ملك لـ«الشعب الشيعي» ليستشهد مقاوموه من أجله لا من أجل الوطن اللبناني ككل، وانه في ظل الدعوات إلى دولة الكانتونات التي ينشر أفكارها حالياً النائب سامي الجميل خلال جولته في الولايات المتحدة، سيكون الجنوب جزءاً من الكانتون الشيعي.
وظهر من كلام البطريرك صفير، معطوفاً على نظرية الجميل، ان التعايش في لبنان لم يعد قابلاً للحياة، وأن أمام المسيحيين واحداً من حلين إما الهجرة أو العمل من أجل إقامة نظام اتحادي يقوم على الكانتونات أو «الوحدات المناطقية».
وقبل ان نلوم الآخرين والأسباب التي حددها السينودس بأنها وراء «بلاء» المسيحيين، من مثل الأصولية الإسلامية، والتضييق على العبادة، وعدم الاعتراف بحرية الضمير، إضافة إلى عدم المساواة بين المواطنين والأزمات الاقتصادية وضيق أفق العمل، إلى جانب الحروب على أنواعها، يجدر بنا طرح السؤال حول دور رجال الدين المسيحيين في التقريب بين الجماعات التي يعيشون معها، وتعزيز العيش المشترك في ما بينها، والمحافظة على الأنظمة والدساتير وعدم خرقها كما حصل مع المحكمة الدولية في غياب اعتراض بكركي على تجاوز صلاحيات رئيس الجمهورية، فضلاً عن الحرص على التماسك والوحدة بين أبناء الجماعة الواحدة، وسعي الرعاة إلى رأب الصدع بين المجموعات المتباعدة إضافة إلى التقريب بين الجماعات المتنافرة في الطوائف الأخرى بحيث تصبح القيم المشتركة المسيحية ـ الإسلامية الجسر الذي يعبر عليه المتباعدون إلى شاطئ الأمان. وهذا ما لم يحصل من زمان. وأقرب محطة لبكركي التي طالما كانت موقع التلاقي الوطني كان «النداء السابع» الذي أصدره المطارنة الموارنة في أيلول 2006 اثر انتصار المقاومة في حرب تموز، وسريان موجة من الخوف من سلاحها الذي عصي على إسرائيل أقوى دولة في الشرق، والذي ترجم في ذلك النداء وضعاً لسلاح المقاومة خارج القانون. وكل ما تبع ذلك النداء كان توسيعاً للصدع بين بكركي ومسيحييها من جهة، والمقاومة والمسيحيين المتعاطفين معها من جهة أخرى.
ان ضعف الإيمان بالوطن هو الدافع إلى الهجرة وليس الذهاب إلى دمشق يا سيدنا البطريرك. واننا لم نجد راعياً واحداً يقول للمؤمنين في لبنان ما ردده العراقيون المفجوعون قبل أيام: «سنبقى ولن نرحل».
اننا نريدك ان تذهب إلى دمشق مع كل شعبك، الذين تحب منهم والذين لا تحب ممن خونتهم عشية الانتخابات الأخيرة في 6 حزيران 2009، وصورتهم بأنهم يهددون الكيان والعروبة!
نريد ان تفتخر بـ«شعبك» وتقوده إلى حيث مصلحة الوطن، سواء في التوجه إلى دمشق، أو إلى حيث تلتقي قادة المسلمين وخصوصاً الشيعة و«حزب الله» الذين قررت معاداتهم بطريقة مجانية، بدل الاعتزاز ببطولات مجاهديهم وتضحيات شهدائهم ليذكّروك بشهداء المقاومة المسيحية، وشهداء المسيحيين الأوائل الذين كانوا يُلقون طعاماً للوحوش أيام الرومان في سبيل إيمانهم.
في النهاية، لا حاجة لمسيحيي الشرق إلى سينودسات في الغرب، بل إلى قيادات رسولية واعية لا تقيم سلطتها على إخافتهم وإحباطهم إلى قيادات مؤمنة بالأرض وبالإنسان، وبأن المسيحيين هم أهل الدار وجزء من النسيج السياسي والاجتماعي، وبأن قيام دول عربية مدنية لكل جماعة دينية دور حضاري فيها، هو أكبر ضمان لبقاء كل المجموعات الدينية في أراضيها. ولعل البداية في لبنان تكون باختبار قيادة جديدة للكنيسة، تعيد التواصل مع الآخرين، وتدعو، في إطار تعديل الطائف الذي يجري البحث بين دمشق والرياض في إطار «حل خطي» لقضية المحكمة الدولية ولملف شهود الزور تدعو إلى الإسراع في إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية كلاً، وعدم الاكتفاء بالطائفية السياسية على ما ينص دستور الطائف، إذ لا ضمان لاستمرار الوجود المسيحي في لبنان والشرق إلا في إطار أنظمة ديموقراطية مدنية يحكمها القانون وتسودها المساواة والعدالة والتضامن الوطني.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018