ارشيف من :أخبار لبنانية
بين المحكمة الدولية والاستقرار: هواجس فيلتمان وبييتون
نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار
مرّرت الذرائع المتقاطعة تأجيل جلسة مجلس الوزراء إلى الأربعاء المقبل، من غير أن يفصح أي من قوى 8 و14 آذار عن فرصة محتملة للتفاهم على ملف شهود الزور. بل قرن كل من الطرفين موافقته على التأجيل بالإصرار على موقفه من ذلك الملف، ومن خلاله من المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. هكذا، في أسبوع، ترجّح النزاع الناشب بينهما بين حدّين متلازمين: أدنى هو المشكلة التي تنتظر انعقاد مجلس الوزراء حيال ملف شهود الزور، وأقصى هو ردّ الفعل الذي بات يتخطى حكومة الوحدة الوطنية كي يطاول مؤسسات رسمية أخرى، فضلاً عن الشارع، على ما كان قد أعلنه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله الخميس الماضي، عندما قطع التعاون مع المحكمة الدولية وحضّ السلطات والمواطنين على مجاراته.
أسوأ ما يمكن أن يبلغه الحدّ الأدنى هو شلّ مجلس الوزراء في حال تعذُّر اتفاق رئيس الحكومة سعد الحريري وحزب الله على مصير ملف شهود الزور، والمرجعية القضائية التي يقتضي إحالته عليها. وأسوأ ما يمكن أن يذهب إليه حزب الله في رفض التعاون مع المحكمة الدولية وإضفاء شبهة الاعتداء عليه والتجسس لحساب إسرائيل لكل متعاون هو الدخول في مواجهة صريحة مع مجلس الأمن الذي يمثّل ـــــ لا الحكومة اللبنانية ـــــ المرجعية المعنية بالمواجهة.
واقع الأمر أن حزب الله رسم، في أسابيع قليلة، مسار المواجهة التي عزم على قيادتها في وجه معارضيه المحليين ومجلس الأمن، وقد وُضعت إلى طاولته معلومات أورد بعضها الآتي:
ــ الحوار الذي دار في باريس الشهر الماضي بين مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى السفير جيفري فيلتمان والمستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي جان دافيد ليفيت على أثر تحرّك مفاجئ لفيلتمان شمل الرياض والقاهرة، ثم حطّ فجأة، لساعات في بيروت. وتبعاً للمعلومات المتوافرة عن تحرّك فيلتمان، قوله لليفيت، مستخلصاً حصيلة اجتماعه بالحريري في الرياض في طريقه إلى لبنان، أن رئيس الحكومة اللبنانية في وضع ضعيف للغاية، ولم يعد يسعه تحمّل مزيد من الضغوط، لا من السعودية ولا من خصومه اللبنانيين الذين يتزعّمهم حزب الله، ما يوجب على الغرب الوقوف صفاً واحداً وراءه، والتمسّك بالمحكمة الدولية، ودعم قوى 14 آذار التي لا تزال ـــــ تبعاً لفيلتمان ـــــ تمثّل الغالبية النيابية، والحؤول دون خسارتها المعركة التي تقودها في وجه حزب الله.
كانت زيارته رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في 17 تشرين الأول، لحمله على عدم مغادرة الأكثرية التي كانت لا تزال تمثلها قوى 14 آذار. سرعان ما رافق الضغط الأميركي جهد لدى المحكمة الدولية لتشجيع المدّعي العام القاضي دانيال بلمار على استعجال إصدار قرار ظني يتهم عناصر من حزب الله بالمشاركة في اغتيال الرئيس السابق للحكومة.
ــ الحوار الآخر الذي دار منتصف الشهر الماضي بين السفير الفرنسي دوني بييتون ونائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، بعد رفض الحزب تحديد موعد لبييتون مع نصر الله عزاه إلى أسباب إجرائية، فيما بعضها الرئيسي كان سياسياً.
يومذاك سأل بييتون قاسم عن خيارات حزب الله في مرحلة ما بعد صدور القرار الظني، وكان يقصد بذلك الاستقرار الداخلي وسلامة الجنود الدوليين في اليونيفيل في الجنوب. ردّ قاسم بالجواب التقليدي للحزب، وهو أنه لا يفصح عمّا يعتزم القيام به مستقبلاً.
سأل السفير عن احتمال إسقاط حكومة الحريري، فردّ نائب الأمين العام بأن الخروج منها هو الخيار الأسهل الذي يلجأ إليه الحزب.
ثم خاطبه قائلاً: لا يمكن الاستمرار في حكومة يرأسها مَن يتهمنا بقتل أبيه.
أما الجواب عن سلامة الجنود الدوليين في الجنوب، فأبلغ قاسم إلى بييتون الآتي: إذا حافظت اليونيفيل على قواعد الاشتباك وفق ما ينصّ عليه القرار 1701، فلن يمسّها أحد بسوء. أما إذا حصل عدم استقرار سياسي في البلد بعد صدور القرار الظني، فمَن يدري أي أجهزة استخبارات ستدخل على هذا الخط في كل المناطق اللبنانية، لا في الجنوب فقط.
كان مغزى ما أفصح عنه نائب الأمين العام أن على السفير الفرنسي وحكومته أن لا يتوقعا ضمانات يقدّمها حزب الله.
بيد أن المعطيات المحيطة بحدّة الانقسام الداخلي، كجزء لا يتجزأ من مواجهة خارجية يشترك فيها أكثر من طرف عربي ودولي معلن ومستتر، مع المحكمة الدولية وعليها، فإنها تشير بدورها إلى ملاحظات، منها.
1ــ استمرار انقطاع الاتصال بين الحريري ودمشق، بالتزامن مع سعي رئيس الحكومة إلى تحييد علاقته بها عن موقفه المتصلب من المحكمة الدولية وحزب الله. وهو ما عكسه تأكيده، للمرة الثانية منذ 6 أيلول الماضي، على نحو أكثر جهراً، أن ليس للرئيس السوري بشّار الأسد علاقة مباشرة باغتيال والده. بذلك أعاد تأكيد ما حاول حلفاؤه، منذ حديثه إلى الشرق الأوسط في ذلك التاريخ، تجاهله عندما ربطوا إبراء ذمّة سوريا من الاغتيال بقرار تصدره المحكمة الدولية بذلك، لكونها المرجع الوحيد لبتّ البراءة أو التجريم. غير أن الحريري أعاد من لندن تأكيد عدم مسؤولية الأسد عن جريمة الاغتيال، في معرض تشبّثه بمضي المحكمة في عملها لكشف القتلة. لكنه لم يُبرئ سلفاً ـــــ حتى الآن على الأقل ـــــ حزب الله من دور في الاغتيال كما فعل مع سوريا، ولم يتهمه علناً به كذلك.
كان قد أسرّ إلى نصر الله، قبل سنتين، شكوكاً في أفراد تابعين للحزب شاركوا في الاغتيال بالتعاون مع الاستخبارات السورية، ولم يكن الحريري حينذاك على أبواب مصالحة مع الأسد ألحّت عليها الرياض وهي تفتح أمامه أبواب الوصول إلى رئاسة الحكومة، ولا دخلت في توقعاته الوشيكة. الأمر الذي لمّح إليه نصر الله جزئياً الخميس المنصرم، عندما ذكر أنه فوتح باتهام عناصر من حزب الله بالمشاركة في اغتيال الحريري الأب لأول مرة عام 2008. لم يسمّ حامل التهمة إليه، وهو الحريري الابن، ولم يُورد فحوى ما سمعه منه على غرار ما كشف عنه في مؤتمره الصحافي في 22 تموز، عن مفاتحة رئيس الحكومة له مجدّداً بقرار ظني يتهم أفراداً في حزب الله باغتيال والده.
لم يوافق الأسد الحريري على تمييزه بين تبرئته العلنية سوريا من اغتيال الرئيس السابق للحكومة، وصمته حيال احتمال اتهام القرار الظني حزب الله، ودعوته إلى انتظار صدور القرار أولاً. لم يوافق الأسد الحريري خصوصاً على الفصل بين علاقته بسوريا ـــــ بشقيها الشخصي والسياسي ـــــ وبين موقفه من حزب الله والمقاومة الذي يدرجه الرئيس السوري كجزء لا يتجزأ من العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية ومن التحالف مع دمشق.
2ــ لم يكتفِ نصر الله عندما أعلن قطع التعاون مع المحكمة الدولية، بإلقاء حرم مدّ اليد إليها؛ إذ تحتاج هي ومحققوها إلى مزيد من المعلومات في التحقيق في اغتيال الحريري الأب، بل وجّه التحذير الضمني إلى ما يتعدّى الشهود، إلى المراجع والمؤسسات المعنية مباشرة بالتعاون مع المحققين الدوليين، وتحديداً الجيش والأمن الداخلي والقضاء، وهي مؤسسات ذات دور تنفيذي يلزمه تعاون الحكومة اللبنانية مع الأمم المتحدة لمؤازرة عمل لجنة التحقيق الدولية والمحققين الدوليين. وإذ يبدو القضاء وقوى الأمن الداخلي الأكثر اتصالاً والتصاقاً بالتعاون مع التحقيق الدولي وتقديم المعلومات التي يطلبها منها، لم تتعدَّ المساعدة التي يقدّمها الجيش نطاقاً لوجستياً محدوداً.
وتكمن المشكلة لدى الأجهزة القضائية والعسكرية والأمنية في أنه ليس في وسعها عصيان أوامر الحكومة اللبنانية التعاون مع التحقيق الدولي، إلا أن تعاوناً كهذا بات يصطدم بحزب الله الذي فتح بدوره باب المواجهة مع المحكمة الدولية، مذ عدّ دور هذه يتوخى الاعتداء على المقاومة.
3ــ ينظر حزب الله، منذ الموقف الأخير لأمينه العام، إلى المواجهة مع المحكمة باعتبارها مع مجلس الأمن، الأب الفعلي للمحكمة، وليس مع الأفرقاء المحليين بمَن فيهم نصف السلطة الإجرائية، وهو فريق رئيس الحكومة ووزرائه وحلفائه. وهو ما عكس الحملة المضادة للحزب وحلفائه في سلسلة ردود، طاول بعضها خصوم الداخل، لكن البعض الآخر قصد فيلتمان وبلمار، وصولاً إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.
4ــ ينقسم الرأي في صفوف قوى 8 آذار بين وجهة النظر التي يقول بها الرئيس ميشال عون والنائب سليمان فرنجية باستعجال المواجهة الداخلية مع رئيس الحكومة وحلفائه بما في ذلك الاستقالة من الحكومة، وبين تلك التي يقول بها حزب الله ويدافع عنها نصر الله وتنادي بإمهال الجهد السعودي ـــــ السوري بعض الوقت بغية التوصّل إلى تسوية مرضية لا كيّ فيها، وتفضي إلى نتائج مماثلة لتلك التي تتوخاها المواجهة المباشرة مع المحكمة الدولية، بالسعي إلى إخراج لبنان منها. ناهيك برغبة نصر الله في إبعاد الفتنة السنية ـــــ الشيعية في مسألة باتت المذهبية تتحكم بمسارها، وهي اتهام أفراد شيعة باغتيال زعيم سني كبير.
الأمر نفسه تحاول قوى 8 آذار تسويقه في ملف شهود الزور بإحالته، بالتفاهم، على المجلس العدلي وتجنّب تصويت قد يؤول إلى إحراج رئيس الحكومة بإثبات فقدانه الغالبية في مجلس وزرائه يرأسه، وتصويت مجلس الوزراء بالأكثرية على قرار يرفضه رئيسه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018