ارشيف من :أخبار لبنانية

المجتمع الدولي يُبلّع سوريا وحزب الله القرار الظني؟

المجتمع الدولي يُبلّع سوريا وحزب الله القرار الظني؟
من أربعاء إلى آخر، تتصاعد نبرة المواجهة في ملف شهود الزور بين قوى 8 و14 آذار، من غير أن تفصح إحداهما عن فرصة ممكنة لتسوية سياسية: محكمة دولية أو لا محكمة دولية. بين أحد هذين الخيارين لا حلّ وسطاً، ولا مكان لوسطاء

نقولا ناصيف
لم يأخذ المجتمع الدولي، وأخصه الأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، على محمل الجدّ التهديد بتقويض المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلا بعدما اتخذ الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله موقفه منها في 28 تشرين الأول، بأن دعا إلى مقاطعة التعاون مع المحكمة، وعدّه اعتداءً على المقاومة. مذ ذاك كرّت سبحة ردود فعل واشنطن وباريس ولندن والأمين العام للأمم المتحدة، في موازاة تحرّك أميركي مثير للانتباه، أقرن حملة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان بالمكالمة الهاتفية التي أجرتها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون برئيس الحكومة سعد الحريري وتأكيدها له دعم حكومته والمحكمة، ثم رفع المساهمة الأميركية في موازنة المحكمة 10 ملايين دولار، فاجتماع مجلس الأمن لمناقشة الاعتداء على فريق المحققين الدوليين في الأوزاعي والإصرار كذلك على المحكمة، وصولاً إلى الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير لبيروت بعد سلسلة مواقف أطلقها الإليزيه والكي دورسيه كرّرت الثقة بحكومة الحريري واستمرار دعمها.

هكذا استعادت التطورات الأخيرة صورة الانقسام الداخلي الذي رافق النزاع على التحقيق الدولي والمطالبة بمحكمة دولية وصولاً إلى إنشائها. كذلك استعادت سبحة مواقف التأييد الدولي للحريري وحكومته، تلك التي خبرتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عندما كانت تواجه حزب الله وحلفاءه قبل خمس سنوات. كان ينقص التجاذب الدولي الحالي كي يكتمل استرجاع المشهد، انقسام داخلي يصل إلى حدّ تعطيل حكومة الوحدة الوطنية. ومن غير أن يستقيلا من الحكومة هذه المرة، يخوض حزب الله وحركة أمل المواجهة المستعادة على خطين: منع الاستئثار بقرارات حكومية لا يوافقان عليها، والتهديد بالشارع. أول المظاهر الحؤول دون إقرار موازنة 2011 في مجلس الوزراء وموازنة 2010 في مجلس النواب بسبب تخصيصهما حصة لبنان في تمويل المحكمة الدولية، والتلويح بإسقاط القرار الظني في الشارع بقلب توازن القوى رأساً على عقب.
لكن تصاعد نبرة المواجهة بين الطرفين، من دون آمال حقيقية على تسوية سياسية قريبة، يشير إلى الملاحظات الآتية:
1 ـــــ التزام سوريا الصمت حيال الأزمة الناشبة بين قوى 8 و14 آذار حول المحكمة الدولية، وهو الموقف نفسه الذي اتخذته بين أعوام 2005 و2008، في عزّ مقاطعة المجتمع الدولي لها. رأت دائماً أنها غير معنية بالمحكمة رغم تعاونها مع التحقيق الدولي الذي بلغ ذروته عام 2005 بموافقة الرئيس بشّار الأسد على استقبال رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتز والإجابة عن أسئلته. وهي سابقة لم يشهد النظام السوري مثيلاً لها على مرّ أربعة عقود من وجود الرئيس حافظ الأسد ثم نجله بشّار على رأس سوريا، سواء باستعداد رئيسها للإدلاء بشهادة أمام تحقيق دولي في جريمة اغتيال سياسي، أو مثول شخصيات سورية بارزة أمام لجنة التحقيق للغرض نفسه.
وخلافاً لما شابَ السنوات الماضية، لم يُوجه إلى دمشق، في المأزق الحالي، اتهام علني بمحاولة تقويض الاستقرار في لبنان انطلاقاً من المطالبة بإسقاط المحكمة الدولية. أخرج التحقيق الدولي سوريا من دائرة الاتهام، فأخرجت نفسها من دائرة الشبهة في التدخّل في النزاع القائم الآن بين الحريري وحزب الله على المحكمة. قالت إن المحكمة شأن لبنان مع الأمم المتحدة، والخلاف الداخلي عليها شأن اللبنانيين فيما بينهم.
واقع الأمر أن رئيس الحكومة سمع مراراً من الأسد رفضه اتهام حزب الله باغتيال الحريري الأب، ودعوته اللبنانيين إلى اتخاذ موقف وطني عام برفض القرار الظني ـــــ وهي إشارة إلى ضرورة انضمام الحريري بالذات إلى هذا الموقف ـــــ يحمي المقاومة. كان قد قرن له ترسيخ العلاقات المميّزة بين البلدين بالوقوف إلى جانب حزب الله، في نطاق تحديد موقع لبنان في معادلة الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي.
2 ـــــ ولأن مجلس الأمن والأمم المتحدة وروسيا والدول الأوروبية المعنية لم توجّه ـــــ في معرض تمسّكها بالمحكمة ـــــ اتهاماً لسوريا بالسعي إلى تقويضها، تصرّفت باستمرار على أن الضغوط التي تواجهها المحكمة مصدرها داخلي هو حزب الله، إلى أن تيقّنت ممّا أعلنه نصر الله عن خوضه معركة إسقاطها.
وحدها واشنطن أدرجت تصاعد خلافها مع دمشق، واتهامها إياها بتعريض الاستقرار اللبناني للخطر بما في ذلك محاولة تقويض المحكمة، في نطاق تعثّر علاقاتها الثنائية معها. ورغم زياراته المتكرّرة دمشق منذ آذار 2007، لم يتمكّن فيلتمان من الاجتماع بالأسد الذي استقبل وفوداً أميركية عدة من مجلسي النواب والشيوخ، إلى الموفد الخاص لعملية السلام جورج ميتشل. أبقى الرئيس السوري الأبواب موصدة في وجه الخارجية الأميركية، إلا أنه لم يحظَ بدعم الكونغرس الذي أرجأ إلى أمد غير منظور إلحاق السفير الجديد روبرت فورد بمركز عمله في العاصمة السورية.

بذلك يستمد تردّي العلاقة الثنائية مع دمشق تأثيره من مضاعفة الإصرار الأميركي على المحكمة الدولية وإصدار القرار الظني في موعده المرجّح بلا إبطاء، من غير أن تقول واشنطن إنها ـــــ كالرئيس السابق جورج بوش تشتبه في دور لسوريا باغتيال الحريري الأب، أو الإيعاز إلى معاونين وحلفاء لها بذلك. لكنها بالتأكيد تحمّل دمشق مسؤولية اهتزاز الاستقرار في لبنان، وخصوصاً بعدما طوّرت واشنطن موقفها الأخير بربط الموقف من سوريا بموقف هذه من المحكمة. وهو ما أفصح عنه فيلتمان بقوله إن على الرئيس السوري حماية الاستقرار الداخلي في لبنان بعد صدور القرار الظني.
من غير ردّ فعل مباشر، استاءت دمشق من عبارة أطلقها فيلتمان في القاهرة، في طريقه إلى الرياض، جعلت مقياس علاقة سوريا بواشنطن مرتبطاً بمدى محافظة الأسد على الأمن والاستقرار في لبنان.
لم تتلقَّ دمشق بارتياح الموقف الأميركي الجديد، انطلاقاً من معطيين:
أولهما، اعتقادها بأن لا أهمية للقرار الظني لدى الأميركيين خارج اتهامه سوريا أو حزب الله باغتيال الرئيس السابق للحكومة.
ثانيهما، أنها تُدعى إلى ضمان الاستقرار في لبنان وحمايته، ومنع حزب الله من ردّ فعل على قرار ظني يُحتمل أن يتهم أفراداً منه باغتيال الحريري الأب.
ولا يعني ذلك إلا تبليع سوريا وحزب الله القرار الظني.
3 ـــــ تتصرّف قوى 8 آذار على أنها تخوض معركة إخراج لبنان من المحكمة الدولية، لا إسقاط هذه الذي يخضع لمعطيات ومعايير تقتصر على مجلس الأمن، صاحب الإرادة الحصرية في اتخاذ قرار معاكس. وهو مصدر الضغوط التي يمارسها حزب الله، وكذلك سوريا في جانب من الحوار الذي دار أكثر من مرة على نحو غير مباشر بين الأسد والحريري، لحمل الأخير على اتخاذ موقف يرفض مسبقاً قراراً ظنياً يتهم حزب الله باغتيال والده.
ولا يتوخى إخراج لبنان من المحكمة الدولية، عبر الرفض المبكر للقرار الظني، إلا تكرار تجربة تعطيل القرار 1559 بعدما تنصّل منه معظم الأفرقاء اللبنانيين، وتخلى عنه البيان الوزاري، ولا يأتي على ذكره الحريري ولا تيّار المستقبل، رغم الإيحاء الملتبس بالتمسّك بالقرارات الدولية، إذ يطوي ضمنه القرار 1559 إلى سائر القرارات الدولية التي لم تنفذ كالقرارين 425 و1701. بل التحق القرار 1680 الذي ينصّ على علاقات ديبلوماسية لبنانية ـــــ سورية وترسيم الحدود بين البلدين بالقرار 1559، حاملاً معه الحجّة القائلة بتطبيق ما يُتاح تطبيقه وتجاهل ما يتعذّر. طُبقت العلاقات الديبلوماسية عام 2009 كبند انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، وتعذّر تطبيق بند تجريد حزب الله من سلاحه في القرار 1559 كحال تردّد لبنان في العمل على تطبيق بند ترسيم الحدود اللبنانية ـــــ السورية في القرار 1680، وقد تعهّد الحريري للأسد صرف النظر عن الترسيم إلى مقاربة مختلفة، مماثلة لوجهة نظر دمشق: ما يحتاج إليه البلدان توسيع نطاق الحدود لا ترسيمها.
على نحو كهذا، لن يسع حزب الله وحلفاءه، ولا سوريا، إلغاء القرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة الدولية، بيد أنه يخوض، بالقوة أو بتفاهم سياسي يريده أن يؤول إلى النتيجة نفسها، معركة إخراج لبنان من المحكمة الدولية باتخاذ موقف وطني عام من رفض القرار الظني.
بل بات اتخاذ رئيس الحكومة هذا الموقف معيار استعادة علاقته بدمشق، وتجاوز القطيعة القائمة بينه وبين الأسد منذ 3 تشرين الأول.
2010-11-06