ارشيف من :أخبار لبنانية

سرّ القرار 1559 و... "سرُّ أبيه"

سرّ القرار 1559 و... "سرُّ أبيه"

جان عزيز _ صحيفة "الاخبار"

أخطر ما في الوقائع الرسمية المتسرّبة من باريس، ضمن وثائق كتاب «في سر الرؤساء»، مسألتان اثنتان: الأولى وقد باتت معروفة، هي الغرض الرئيسي مما سمّي آنذاك «السياسة اللبنانية لواشنطن وباريس». وهو غرض ثبت بالدليل الرسمي الموثّق والمكتوب، أنه لا يتعلق ببيروت بل بمحيطها، بمعنى أن لبنان لم يكن طيلة تلك الفترة، بين عامي 2004 و2010، هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة للضغط أو المناورة أو المساومة أو المقاربة، حيال أهداف أخرى في المنطقة. وهو ما تكشفه بوضوح المحاضر الرسمية لمحادثات بوش ـــــ شيراك: مطلوب كسر «الهلال الشيعي» المتكوّن بين إيران ولبنان. وكسره ممكن في الحلقة السورية. أما الكسر السوري، فشرطه الضغط على دمشق في بيروت... هكذا تأكّد بالعين ما كان طيلة خمسة أعوام خطاباً تحليلياً أو تقديرياً لكثيرين.

غير أن المسألة الخطيرة الثانية، التي يكشفها الكتاب ـــــ الوثيقة، والتي لا تزال حتى اللحظة في لبنان سراً محرّماً محظوراً هتكه، رغم أنه منشور في كتاب، هي أن رفيق الحريري اطلع مسبقاً على مسوّدة القرار 1559، وأعطى موافقته عليه... وهو ما يفسّر أن تكون تلك الحقيقة المنكشفة اليوم، موضع حُرم من طرفي الصراع القائم في البلاد. فهي من جهة، لا تخدم الفريق الحريري في قراءته لأحداث المرحلة برمّتها، وقد لا تخدم الفريق المناوئ له، في بعض مقاربته التأريخية للحقبة نفسها.

غير أن الجمع بين المسألتين، هو الأهم في هذه المرحلة، بمعنى إذا كانت اللعبة الدولية إقليمية الهدف، فلماذا تورّط فيها الحريري؟ وهل كانت تنقصه المعطيات أو التحليلات أو ملَكة الحذر، ليبتعد عنها؟

الإجابة المنطقية الأولى، هي العكس تماماً. فرفيق الحريري بمعطياته واتصالاته وشبكته الدولية العنكبوتية، كان يدرك ـــــ أو يعتقد ـــــ أنه هو أيضاً أكبر من اللعبة اللبنانية، أو على الأقل، أنه جزء من المشهد الإقليمي المطروح على تصورات بوش ـــــ شيراك. وبالتالي، كان الحريري متيقّناً من أن حجمه يسمح له بخوض التجربة، أو كان يراهن على الأقل، بأنها يمكن أن تكون بالنسبة إليه، مغامرة ـــــ أو على طريقة البورصة ـــــ مضاربة سياسية، مضمونة النتيجتين، أي «ربح ـــــ ربح»، كما تقول لغة عملاء السوق: إذا نجحت المحاولة الأميركية ـــــ الفرنسية، وهو في ظلها، حكم دمشق وبيروت. وإذا سقطت، وهو ليس في واجهتها، تدخّلت الرياض في اللحظة الحاسمة لإنقاذ موقعه ورأسه... باختصار، كان بإمكان رفيق الحريري أن يعتقد أن معادلة «عند تغيير الدول احفظ رأسك»، لا تصح عليه، لأن رأسه أكبر من الدول المطلوب تغييرها... إلا أن خطأً ما أصاب كل تلك التنظيرات في 14 شباط 2005. وهو خطأ لن يكشفه بالطبع بلمار... أولاً لأن مؤسسته قد تكون جزءاً من كل اللعبة الدولية أساساً، وثانياً، كي تظل اللعبة في جوهرها، صالحة للاستعمال مجدداً، وللتكرار، ولو مع بعض تكرير.

والتكرار نفسه يبدو حاصلاً اليوم مع الحريري الابن، في ظل مشهد دولي يستعيد زمن عام 2004 في الكثير من تفاصيله الدقيقة. وبعيداً عن سرد جدول المماثلة، يلاحظ المراقبون أن الحريري الشاب يبدو كأنه يتصرف بخلفية أنه أكبر من اللعبة، ويبدو أن التجربة السابقة لم تترك لديه ـــــ أو لدى أهل القرار لديه ـــــ إلّا عبرة التحوط الأمني المشدد. أما الباقي، فلم يتغيَّر: إذا نجح فيلتمان في كسر الأسد، أكون رابحاً، وإذا فشل في محاولته، يتدخل عبد الله، فلا أكون خاسراً...

وقد تكون المعادلة صحيحة براغماتياً، وقد تصح بالمعنى الواقعي الشخصي، بمعزل عن الأثمان والأضرار اللاحقة بالآخرين، وبالبلد، لكنّ سؤالاً واحداً يظل مطروحاً: في ظل هذا المشهد، وإذا كانت حسابات الحريري مفهومة حياله، فما هي حسابات المجتمعين في بكركي أمس، فإذا خسر فيلتمان، خسروا، تماماً كما حصل معهم في الأعوام الماضية، أو كما أظهر حليفهم السابق وليد جنبلاط، أنه حصل معهم. وإذا ربح فيلتمان ماذا يحصدون؟ عراقاً آخر، على طريقة سيدة نجاة حي الكرادة؟ أم مصر أخرى؟ أم إسرائيل ثانية؟

إذا ربح فيلتمان، حصد الحريري السلطة والتوطين لتوطيد سلطته، فماذا يربح هؤلاء؟ وإذا خسر فيلتمان، تنتهي المغامرة بزيارة إنقاذ من عبد الله إلى دمشق. لكن من ينقذ مواقع هؤلاء؟

مع الصعود الراهن لتركيا من المفيد ربما، استذكار مفهوم «الانكشارية»، في زمن السلطنة.... أي سلطة كانت.



2010-11-06