ارشيف من :أخبار لبنانية

العبثية السياسية

العبثية السياسية


سليمان تقي الدين - "السفير"

إنقسمت السلطة السياسية مجدداً على نفسها شطرين، الحكومة وهيئة الحوار الوطني والبقية تأتي. هذا تفصيل صغير في مشهد إقليمي أوسع. تدويل مشكلات المنطقة ينشر الفوضى في كل مكان. دول وشعوب وجماعات ستكون في محرقة المشروع الإمبراطوري الأميركي. في الركام العراقي لا تسأل عن الجماعة المسيحية. حين يستهين الغرب بمشاعر ومصالح مليار مسلم ويزدري بدورهم وثقافتهم، هل يفكر بمصير ومستقبل الإثنيات والجماعات المنزوية على نفسها هنا أو هناك في ثنايا هذا العالم!؟.

هناك من يقرأ التاريخ في الاتجاه المقلوب. يظن أن دولة يهود العالم ستكتمل بيهودية الدولة ويُقسم عرب فلسطين يمين الولاء على دستورها التوراتي. هذه لحظة تاريخية بلغت ذروتها وأذنت بالأفول. لم يولد المشروع الصهيوني في المنطقة بل جرى تصديره من الغرب إليها. يعيش المشروع الصهيوني هنا مثلما عاشت الإمارات الصليبية أو الإفرنجية من قبل، لكنه لا يستطيع مصادرة هويتها وثقافتها. يراهن الغرب اليوم على انشطار الإسلام، إلى إسلام سني وآخر شيعي ليكون عضداً لأحدهما على الآخر. لكن الإسلام السياسي المتوتر المقهور لأي مذهب انتمى هو شوكة في حلق الغرب لا يقدر على ابتلاعها. صراع الهويات والثقافات والحضارات الذي وضعه الغرب بديلاً من صراع الشمال والجنوب، ومن الصراع بين العالم الصناعي والعالم النامي، هو في نهاية المطاف انشقاق خطير في المجتمع الإنساني ولن يتصالح ولن يستكين من دون ضوابط وقواعد عادلة. أيقظ الغرب الإسلام المتشدد لتبرير مواجهته. الإرهاب الدولي المنظم يختبئ خلف التكنولوجيا.
 
«الإرهاب الإسلامي» بطبيعته بدائي ومتخلف وفضّاح. هذه معادلة الدم والفولاذ، الحجر والدبابة، الحزام الناسف والتفجير الالكتروني. الغرب الاستعماري يضرب فرص التطور المدني في العالم الإسلامي. الإسلام في غرب آسيا اختار طريق النمو الصناعي. الإسلام التركي اختار لعقود طويلة العلمنة. الإسلام في الشمال الافريقي طموحه الشراكة مع أوروبا. الإسلام الخليجي استسلم لمقتضيات العولمة حتى وصل به الأمر لطرح سؤال الهوية الوطنية مع دول الأسواق المفتوحة. الإسلام في مكان آخر تماهى مع الأفكار القومية. يأتي الغرب ويضغط لتحويل المسار السياسي في المنطقة. لا يريد شركاء بل يريد أتباعاً. لا يريد دولاً قوية متماسكة بل يريد كيانات مهزوزة خائفة منشغلة بشرعيتها، هزيلة أمام طموحات شعوبها، مرتهنة للقوي في العالم كي يحميها بعضها من بعض. إسرائيل كانت في الأصل هذه الوظيفة. عندما تراجعت قدرات إسرائيل جاء الأميركي مباشرة ليقوم بالمهمة. إذا كان العرب في حواضرهم الكبرى، في القاهرة وبغداد والرياض وغيرها قد فقدوا الإحساس بالتاريخ، قد أضاعوا الوجهة «والقبلة» فعبثاً تسأل عن مستقبل العروبة في «البسطة» أو صيدا وطرابلس أو في جبل عامل وطبعاً في جبل لبنان. هذا البلد الذي وفدت إليه الجاليات العربية لحماية الثغور في مواجهة البيزنطيين والفرنجة والموجات الاستعمارية الأخرى يتبع هواه هوى العواصم الكبرى. لا مكان في لبنان لمشروع سني أو شيعي إلا لأن لبنان بلا حاضــنة عربيــة مكشوف على نزاعات سلطوية قبلية. دمشق نفسها محاصرة عربياً في مناكفة مع الرياض والقاهرة وفي انشغال بأمن واستقرار بغداد، وفلسطين المسلوبة أصلاً.
 
يكاد «اللبناني» يسخر من نفــسه وهو يســال عن المستقبل القريب والبعيد. عفواً. عن «الغد» القريب والبعيد. فالمستقبل معروف وواضح. كيف يعيد هذا البلد إنتاج وحدته، تعايش طوائفه، لهوه بالازدهار عن الهم القومي. انشغاله بالحياة المدنية على انشغاله بالأمن!؟ وهو بين مطرقة إسرائيل والغرب وسندان الأهواء العربية. يتمتم الزعماء اللبــنانيون بما يُوحى إليهم في العواصم الكبرى.. الكبرى ليس بطموحــاتها ولا بثــقافتها ولا بتقــدمها، بل بخــزائنها وسخائها على الأتباع الموكلين بإدارة مصالحها هنا وهناك.

هذه العروبة «الما بعد» عبد الناصر وبن بلّه والبعث العقائدي وحركة القوميين العرب وجماعة «العاصفة» في فلسطين والصف الثاني الموازي، التي أسلمت قيادها لأميركا مرَّة بحجة الخطر الشيوعي ومرَّة باسم المجتمع الدولي ومرَّة باسم المشروع الإيراني، لا يمكن أن تستولد في لبنان إلا نماذج مشوهة من عمليات قيصرية.
 
ليس في لبنان اليوم قامة زعامة أو قيادة بل شخصيات أو أشخاص بالمعنى الاعتباري لا جذور قوية لهم في المدى الوطني. يتحركون على خشبة سيرك كبير اسمه اللعبة السياسية لا المشروع اللبناني الذي رعته قيادات أصيلة أو مثقفة أو حكيمة. تحولت النخبة السياسية عندنا إلى «بيروقراطية» وظائفية في منظــومة النخبة العربية والإسلامية المحيطة بنا. المجالس الطائفية نزلت إلى الساحة السياسية بكل رصيدها وبكل قداستها لتغطي هؤلاء اللاعبين الصغار وما حولهم من فراغ. أما المجالس الطائفية فقد خسرت الكثير من هيبتها ووقارها ونفوذها بعد ان صارت شريكاً في السياسة اليومية تصغي إلى السفراء ولا توجه رسائل وتقــترح حلولاً. مشــهد لبــناني سوريالي غير مفهوم بلغة الدول والشعوب. عبث سياسي حين يصير «غد» لبنان معلقاً بأمــنه واســتقراره ووحــدته على ما يدّعون طلب الحقيقة حول اختفاء «راجح» من الضيعة ليلة صدور الفرمان 1559.

2010-11-06