ارشيف من :أخبار لبنانية
خافوا...
نصري الصايغ_ صحيفة "السفير"
اللبنانيون يتمنون حلاً، وينتظرون حسماً.
أبواب الحل مفتوحة على العجز. وحده الانتظار يراود جدول أعمال إقليمياً ومحلياً مكتظاً بالتقاطع والاشتباك والتعقيد: لا جواب بعد من س س. ما كان قيد الإعداد، تأجل أو تأبد. اعتراف سعد الحريري بشهود الزور، لم يستتبع فعل ندامة ومحاسبة. اعتراف متهم بأنه من الشفتين فقط. رئيس الجمهورية عاطل عن الحلول، إذ «لا ناقة ولا جمل»، وانعدام الوزن قرار متخذ للبقاء في الوسط، أي في منطقة اللا حل.
أبواب الحسم مفتوحة. المعارضة تتدرج في الضغط، وبلا نتيجة حتى الآن. يؤجل الحريري مجلس الوزراء، فتفتي المعارضة بمقاطعة جلسة الحوار. لا التأجيل استجلب حلاً، ولا المقاطعة استولدت حسماً. انها سياسة المراوغة. أو التدريب على الاكروبات. وكل فريق ينتظر أن يسقط خصمه من فوق الحبال، ليعقد حول عنقه ربطة الحل المنفرد.
أبواب الحسم مشرّعة. جيفري فيلتمان، مدعوماً من هيلاري كلينتون، يصوّبان مسار المحكمة الدولية. ويطلقان النار على المقاومة ودمشق والمعارضة. يهددان بعشرة ملايين دولار، ويفضلان الانتقام عبر مجلس الأمن، من فوق منصة الفصل السابع.. فريق 14 آذار يستقوي بذاته وبالإسناد الأميركي الذي شل الـ س س، وعكّر خطط دمشق. عجل الجنرال في تقصير عمر الانتظار. قال عون: الأمر لي، فاستجاب من معه ومن حوله... ولكن المعركة ليست هنا. لا داخل مجلس الوزراء، ولا في مؤتمر الحوار.
... وروت الصحافة سيناريوهات الحسم. تبرّعت شخصيات الصف الرابع والخامس، من معارضة الصوت المرتفع، برسم صور من أرشيف مستقبلي، لا يشبه السابع من أيار. وبانتظار هذا الحسم، الشبيه بألعاب الكرتون حتى الآن، يبقى لبنان برمّته، هيكلاً من كرتون، عاصفة شهود الزور لن تهدأ. سيف المحكمة الخاصة بلبنان رهن القبضة الممسكة به.
لا جديد حتى الآن. لبنان غير معتاد على حل مشكلاته الصغرى، فكيف بمشكلات من حجم دولي، تتداخل فيها العصا الأميركية، والرغبة الأوروبية، والانتهازية العربية، والتربص الاسرائيلي؟
لا جديد أبداً. لبنان غير مؤهل لحل مشكلة السير والنظافة وما دون ذلك. لا جديد البتة. لبنان مؤهل فقط لرعاية الفساد ومحاربته بالفاسدين والمفسدين. جلسات اللجان النيابية فتحت كوّة صغيرة، ورأينا العجائب... ومع ذلك، فهناك بحث عن حل يعيش فيه الذئب ويفنى الغنم.
أما بعد...
من حق اللبناني أن يخاف: حزب الله خائف من توظيف أممي، اسرائيلي، اعتدائي (همزة بديلا من اللام) عربي، يغرقه في «فتنة». متخوّف أيضا من عناد غير محسوب لدى فريق 14 آذار، يضطره إلى شهر قبضته، بحسابات محسومة ميدانيا غير مضمونة سياسياً، في اليوم التالي. من حق فريق 14 آذار ان يخشى القضاء على المحكمة، (قلعته التي احتمى بها وهدد من خلالها) من دون إيجاد بدائل... ومن حق عامة الناس، وهم خيرة الوجع اللبناني، أن يخشوا على ما تبقى لديهم من بصيص، بالكاد يرى، في عتمة هذا الصخب الدولي المجنون.
غداً، ينتهي الانتظار، وتقترب مواعيد الحسم. وعليه، فكل فريق، كما هو مفترض، عليه أن يحصي خسائره ويعد أرباحه.. غير معروف حتى الآن، إذا كان فريق 14 آذار، قد وضع لائحة بالخسائر المحتملة. من مصلحته أن يجيب عن أسئلة مثل: ماذا لو قرر وليد جنبلاط الانتقال بكامل عدته إلى صف المقاومة؟ ماذا لو غادر وسطيته الطوباوية؟ (لا طوباوية في لبنان، عندما تأتي الساعة). ماذا لو خسرت الأكثرية النيابية؟ ماذا لو استقالت الحكومة؟ ألن تقفل أبواب المؤسسات؟ إذا استقال الحريري أو أجبر عليها أو شكلت له مهرباً، هل يعود اليها؟ هل يبقى في لبنان، أم يختار الإقامة في إمارته المالية، حيث الحساب بالأرقام، أيسر من الحساب بالأصوات والمواقع والسياسة؟
وعلى المقاومة أن تحسب، وتجيب عن الأسئلة الما بعد ميدانية، على افتراض أن الحسم سيكون في المواقع لا في الشوارع، خوفاً من الانزلاق إلى «العرقنة». أي سلطة ستنشأ بعد ذلك؟ ألن يكون الفراغ هو الرئيس والحكومة والمجلس؟ هل تبقى القوى المسلحة سليمة ومعافاة؟ أي عملية تطهير ستجري، ومن سينفذها وبأي قرار شرعي أو لا شرعي؟ ما احتمالات المفاجأة من قوى أمنية محسوبة على خانة 14 آذار؟ ثم، ماذا لو حصرنا قراراً دوليا، تحت البند السابع لمصلحة المحكمة ومن معها؟ كيف يصير التعامل مع القوى الدولية المنتشرة في الجنوب؟ ماذا سيكون رد فعل اسرائيل؟ أي جوقة عربية ستعزف أحقاد المذهبية المزمنة، بين سنة وشيعة؟ أي تشنيع سيطال السلاح؟
كل جواب عن هذه الأسئلة يفترض بالفريقين إعادة الحسابات. فقد تطيح الخسائر، مكتسبات صغيرة كثيرة. والأخطر، أن تضع سلاح المقاومة في باب الخسائر.
فليخف الجميع إذاً.. هذا الخوف بناء وإيجابي جداً، والجميع بحاجة إليه، ليبنى عليه ما يقتضي من سبل لإيجاد حل.
شرط الخوف البناء، لدى فريق 14 آذار، أن يخاف أولا من نصائح أميركا العظمى. وشرط الخوف لدى فريق المقاومة، أن يخاف على نظافة السلاح المقاوم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018