ارشيف من :أخبار لبنانية
الحوار العقيم والرهان على المحكمة
واصف عواضة ـ "السفير"
ليس الغريب ان يتعطل الحوار بين اللبنانيين. الغريب ان يستمر الحوار وفق المعايير المطروحة وجدول الاعمال المُرحّل من جلسة الى أخرى, بات اللبنانيون يعرفون نتائجها قبل أن تبدأ. وثمة من يقدر جرأة العماد ميشال عون بين زملائه, في المبادرة الى مقاطعة الحوار الذي تحول في الشكل والمضمون الى مضيعة للوقت.
في الشكل لم تعد حفلة المصافحة و«التبويس» مجدية في لفت أنظار الرأي العام وتخفيف هواجسه وطمأنته الى ان ساسته الذين يتناكفون ويتناكدون يوميا على الشاشات, قادرون من خلال «جمعتهم الميمونة», على إطفاء لهيب العصبيات المنفلتة في الشوارع والساحات والمجالس العامة والخاصة. وبالتالي لم تعد جلسات الحوار سوى مشهد أرفع رتبة من جلسات مجلس الوزراء التي يحكمها جدل عقيم في أصغر القضايا وأكبرها.
أما في المضمون فحدث ولا حرج, حيث يدور الجدال منذ الجلسة الاولى للهيئة في السادس عشر من ايلول العام 2008, على موضوع واحد هو الاستراتيجية الدفاعية. وليس سراً أن النقاش في هذا الموضوع لم يسجل خطوة واحدة الى الأمام على الرغم من سيل الكلام والمداخلات والاوراق التي قدمت من المتحاورين. وبالتأكيد ان هذه المراوحة ليست ناجمة عن قصور في الافكار والطروحات, بل عن خلاف سياسي عميق ناجم عن اختلاف مبدئي وجوهري حول المقاومة ووجودها وضروراتها. فثمة فريق أساسي على الطاولة لا يؤمن بالمقاومة في الاصل والاساس, مدعوماً بتوجهات اقليمية ودولية ترى في إدارة المقاومة منظمة إرهابية يجب اقتلاعها من الجغرافيا والتاريخ والثقافة العامة.
ولا تخفي أوساط في المعارضة خشيتها من أن يكون الفريق الآخر دخل من جديد في دائرة الرهان على مستجدات تقلب الطاولة على رأس المقاومة, كما حصل في جولة الحوار الاولى التي سبقت حرب تموز العام 2006. وهو على هذا الاساس يمارس لعبة الوقت الضائع بانتظار هذه المستجدات لإطاحة الموضوع اليتيم على طاولة الحوار.
وتكتسب هذه الخشية مشروعيتها من الحديث الدائر على القرار الظني للمدعي العام في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانعقاد المحكمة الدولية للنظر في هذه القضية. ولعله من الطبيعي والبديهي والمنطقي في آن معا, ان يكون السؤال المطروح في دوائر ومجالس فريق الرابع عشر من آذار: كيف يمكن البحث في استراتيجية دفاعية مطلوب منها ان تشرّع مقاومة متهمة بالاغتيال والقتل والارهاب؟ ولعله من الطبيعي والبديهي ايضا ان مثل هذا الاتهام سيُدخل الى طاولة الحوار معطيات جديدة تطيح كل الافكار السابقة, هذا اذا بقي لطاولة الحوار من وجود وفرسان يجلسون حولها, لأن انعكاسات القرار الظني على البلد برمته تبقى في علم الغيب الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا.
في الخلاصة هناك فريقان وحَكَم على طاولة الحوار: فريق لا يقبل بأقل من تشريع المقاومة, وفريق لا يريد المقاومة من الاساس وينتظر ما تحمله الايام والاسابيع المقبلة, فيما يحاول الحَكَم التوفيق وتدوير الزوايا حتى لا ينفجر البلد. ومن هنا بات من الاجدى لطاولة الحوار اذا أريد لها ان تستمر, ان تبحث في المسائل التي تعجز الحكومة عن معالجتها, بدءا بأسعار اللحوم والخضار وانتهاء بالموازنة العامة. أما المقاومة فلها رب يحميها, والسلام على المرسلين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018