ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا تريد أميركا والصهيونية تهجير المسيحيين من الشرق؟
أمين محمد حطيط ـ البناء
في العام 1976، وتحت خديعة «إنقاذ المسيحيين»، جاءت اميركا ببواخرها لاجلاء مليون مسيحي من لبنان، لانهم قد «يتعرضون للإبادة!!»، ولكن سليمان فرنجية رئيس الجمهورية آنذاك، صفع مقدِّم العرض قائلاً: «نحن عرب، في هذه الارض متجذرون، ولن نغادر»، فرد عليه بقتل ابنه. وفي العام 2003، احتل الاميركيون العراق، وكان فيه ما يناهز المليوني مسيحي، فشجعت اميركا الارهاب مباشرة بيدها او عبر حلفائها في المنطقة من دعاة النزعة التكفيرية ورفض الآخر، وكان المسيحيون الضحية، فبدأ تسرّبهم وهجرتهم، الى ان رسا العدد على 300 الف في مطلع خريف 2010. وللمفارقة، كان متتبعو الشأن يعرضون ظلامتهم على اهم البطريركيات المسيحية في الشرق وأفعلها، وهي المتمركزة في لبنان، ويطلبون التدخل والسعي إلى وقف إفراغ العراق من مسيحييه. فكان الرد من سيد تلك الدار: «من قال ذلك؟» و»هل لديكم إحصاءات؟» و»هل الإحصاءات موثوقة؟»... كلام كان يفهم منه المستصرخون ان البطريركية لن تتدخل سواء أعلمت أم لم تعلم، وعندما لامست الازمة السياسية في العراق حلاً قد يقطع الطريق على هجرة من تبقى ويفتحها لعودة من هاجر من المسيحيين، انقضت الجهات الحليفة لاميركا على كنائس المسيحيين قتلاً وتدميراً.. اما في القدس، فقد فرغت «إسرائيل» او تكاد تفرغ من تهجير مسيحييها ومصادرة الاوقاف لتكمل ما بدأته من شراء مشبوه لممتلكات مسيحية خاصة او موقوفة.. وعودة الى لبنان، حيث نجد ان اميركا تحضّر لفتنة فيه من باب محكمة الحريري والقرار الاتهامي الملفق الذي اعدته ليكون فتيل إشعال هذه الفتنة، ثم يأتي كوشنير ليروج عمق الصراع الشيعي ـ السني وخطورته، معتبراً إياه صراعاً «لايمكن منعه»، مبررا الفتنة التي تعد لها فرنسا مع اميركا و»إسرائيل» ومتنصلا من المسؤولية فيها مسبقاً؛ وهو يعلم ان النار في لبنان اذا أُضرمت، لن تميز بين اخضر ويابس وقد يكون المسيحي ايضاً الهدف والضحية الاكبر، لأن انفلات الامن سيشجع الجماعات التكفيرية ذاتها على أن تفعل في لبنان ما تفعله في العراق، ما يعني ان خطة الغرب تحت القيادة الاميركية ـ الصهيونية هي نفسها منذ نيف واربعة عقود وتتركز على تهجير المسيحيين من الشرق.
وهنا تطرح اسئلة: لماذا؟ وهل يمكن افشال الخطة؟ ومن يفشلها؟
أ. اما عن الأسباب، فإننا نرى:
1) ان من مصلحة الصهيونية ان تنشر ثقافة التهجير والاقتلاع والتغيير الديموغرافي في الشرق، حتى تبرر ما فعلت وتقضي على احلام اهل فلسطين في العودة الى ارضهم، ولتفرض امرا واقعا في لحظة ما: كل فرد يبقى حيث انتهى به المطاف وهنا ترتاح «إسرائيل» الى نهائيتها، وتتمكن من فرض يهوديتها، ويُفرض توطين الشعب الفلسطيني حيث هو، وبأسهل السبل، بعد إسقاط حق العودة بالمبدأ، وتهجير المسيحيين، ليحلّ الفلسطينيون مكانهم.
2) من مصلحة «إسرائيل» ان تقطع التواصل الشرقي ـ الغربي، والا يكون الاتصال، ان حصل، الا عبرها، وبواسطتها. وهنا تؤكد على وظيفة حصرية لها، فتخلي الشرق من المسيحيين الذين هم القناة الطبيعية للتواصل بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي، رغم ان الاخير اتجه الى العلمنة، ولكن جذور المسيحية لم تنقطع او تنطفئ في صدره.
3) من مصلحة «إسرائيل» ان تقدم الشرق في اطار «صراعات الحضارات» على اساس انه يرفض الآخر، وطبعا هذا خلاف الحقيقة، لأن تاريخ الشرق يعاكس ذلك، والا كيف كان المسيحيون ليبقوا منذ اربعة عشر قرناً؟ تريد «إسرائيل» ان تفرض على الغرب الاعتماد عليها وحدها في تأمين مصالحه في الشرق بالاستناد الى القوة التي تملكها، والتي تلزم الغرب بتوفيرها، لا بالاستناد الى الحوار والتفاهم الذي يمكن للمسيحيين المشرقيين اداء دور مميز فيه.
4) وأخيراً، تريد «إسرائيل» واميركا ان تقتلعا من الشرق الشاهد المسيحي الناطق بالحق والمثبت لجرائمهما ضد الانسان وضد كل حق.
ان خطر افراغ الشرق من مسيحييه داهم اذاً، فهل من سبيل الى دفعه؟ في الاجابة، نرى ان المواجهة واجب حتمي ولا خيار في القبول او الرفض، لاعتبارات شتى، اخلاقية وقانونية وسياسية ووطنية وقومية وحتى انسانية... أما كيف تكون المواجهة؟ فهنا يجب البحث عن السبل.
يجب ان نعرف المخطِّط والمنفذ وقدراته ثم نبحث في خطته وتعطيلها، واميركا هنا لم تعقّد علينا الامر، فهي تعمل بوقاحة ومن غير خجل، وترى في الفتن او «الحروب في داخل الدول» على حد قول صموئيل لويس، و»الفوضى الخلاقة» على حد قولهم الأخير، الأداة للتنفيذ، ومن اجل ذلك نرى ان منع تشكُّل اسباب الفتن والفوضى في المجتمعات الشرقية، ومنع انفجار الفتن ان تشكلت اسبابها، ومنع انتشار الفتن ان انفجرت، هي السبيل إلى حفظ المسيحيين ومنع المشروع من تحقيق اهدافه.
ب. اما المسؤول عن ذلك، فطرفان:
1) الاول يمثِّلُه المسيحيون انفسهم بشكل عام، والمشرقيون الذين جندوا انفسهم لمواجهة المشروع، وترجمة هذا السلوك لدى المسيحيين تكون في عدم الانخراط في محاور او جبهات تعد لانطلاق الفتنة. وفي هذا نسأل: ما مصلحة بعض المسيحيين في لبنان من السير في ركاب المشروع الاميركي والتمسك باداة الفتنة الاميركية، أي محمكة الحريري وقراراها الاتهامي المصنّع خلافاً للحقيقة؟ وما مصلحة مرجعية دينية اساسية في اعطاء غطائها لهذا السلوك؟ فاذا كان قولهم انه الحرص على دم رفيق الحريري ـ نائب ورئيس وزراء سابق ـ فنسألهم الم يقتل احدكم رئيس وزراء وحوكم ثم أُخرِج من السجن بعفو؟ اذاً ليس للمسيحيين اي مصلحة في تشكيل اسباب الفتنة في لبنان، بل بالعكس، إن مصلحتهم في منعها مطلقاً، وهنا ننوَّه ببعد النظر الاستراتيجي للعماد ميشال عون، الذي منذ ان وقف على ارض الواقع اللبناني بعد عودته من الخارج مختزنا في نفسه كل ما حصّل وجمّع من جزئيات المشروع الاميركي، سارع واجرى التفاهم مع الطرف الاسلامي الاقوى والاوسع انتشارا في لبنان، ليقيم منظومة الحماية الاهلية والوطنية المانعة للفتنة.
2) اما الطرف الثاني فهو المقاومة ذاتها، التي يسجل لها حاضرا وماضيا فهمها للخطة الاميركية ومشروعها الصهيوني، ونذكر انه في تموز العام 1975 ذهب السيد موسى الصدر ـ مؤسس افواج المقاومة اللبنانية ضد «إسرائيل» ـ الى البقاع، وقال في كنيسة راس بعلبك: «من يطلق النار على مسيحي، انما يطلق النار على عمامتي (عمامته) وعمامتي عمامة رسول الله». وفي العام 2000، رغم كل ما كان من اسباب تدفع إلى الانتقام، فقد عاد جمهور المقاومة الى الجنوب، ولم يرمِ مسيحيا حتى بنظرة غضب، وحُفظ المسيحيون في دورهم، الا من استدرجته «إسرائيل» واجبرته على العمالة. واليوم تلتزم المقاومة بقيادتها وجمهورها الاسلامي عامة والشيعي خاصة، وتجاهر بالقول، ان معركتنا مع اميركا والصهيونية هي دفاعية من اجل حقوقنا وحريتنا، ولهذا تجهد المقاومة لمنع الفتة التي قد تشغلها عن قتال «إسرائيل» فلا تجهض الانجازات وتهدر الحقوق، وتفتح الطريق لنجاح المشروع الصهيوني.
مهمة المقاومة اليوم تتركز في اثنين:
- الثبات والدفاع عن النفس، اي الدفاع عن المقاومة وسلاحها، لأن هذا السلاح هو وحده، مع الالتفاف الشعبي، القادرعلى إفشال المشروع.
- منع تهجير المسيحيين وحمايتهم وابقاؤهم في دورهم، أعزاء كراماً، لأن في تهجيرهم هدراً للحق وانتصاراً للعدو.
أستاذ في كليات الحقوق اللبنانية
عميد ركن متقاعد وباحث استراتيجي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018