ارشيف من :أخبار لبنانية
هل سمع الأكثريون جون كيري؟
جان عزيز _ صحيفة "الاخبار"
يعيش فريق الأكثرية السابقة حالة مستهجنة، من نوع الاحتفالية المسبقة بنصر محتوم ومؤكد. وهي حالة نفسية قبل أن تكون إعلامية، تتمظهر في التفكير والتعبير، قبل الممارسة والموقف. إزاء تلك الحالة، لا يمكن استبعاد أن تكون جزءاً من الحرب النفسية، الضرورية لكل حرب، بمعنى أن تكون تكتيكاً إعلامياً يوحي بالثقة بالنفس، وبالتأكيد المسبق من الفوز في المواجهة المقبلة، وباليقين بأن موازين القوى المجمعة هي لمصلحة هذا الفريق، وذلك في إطار العمل على ضرب معنويات الفريق الآخر.
غير أن المراقب لتصرفات هذا الفريق يمكن أن يستشفّ ما يتخطى احتمال الحرب النفسية، إلى نوع من الاقتناع الذاتي الفعلي، وهما ما يفتح باب التساؤل: على ماذا يراهن أهل الأكثرية السابقة في تصرفهم كأنهم «هم الغالبون»؟
في تحليلات هؤلاء، همسات لإجابة أولى، مفادها أنه ما همَّنا ما دام موقفنا يستند إلى محكمة دولية، وما دام خصومنا هم المستهدفين بتلك المحكمة. وفي هذا الجواب يطمئن أهل الأكثرية السابقة إلى تجارب المحاكم الدولية السابقة: في يوغوسلافيا، كانت ثمة «أمة صربية» كاملة ترفض المحكمة، وكانت خلفها «قوى عظمى» دولية أو إقليمية، هي موسكو. مع ذلك، انتهت المحكمة إلى اعتقال الرؤوس الكبرى، وإلى تحقيق الغرض الذي قامت من أجله، أو أقيمت لأجله، فانتهت يوغوسلافيا كدولة قبل أن تتحقق «العدالة الدولية» عبر المحكمة. والأمر نفسه في رواندا، وفي ليبيريا، وفي سييراليون، وسط تعقيدات أفريقية، وأوروبية أيضاً، لا تقل عن التجربة اليوغوسلافية.
حتى السودان، الذي يقدمه بعض المتشككين نموذجاً لفشل العدالة الدولية، يراه الأكثريون السابقون مثالاً لقدرة الشرعية الدولية على ترويض الأنظمة المارقة، بواسطة قوس ومطرقة وثوب أسود، بدل البزات المرقطة، وما يرافقها من أقواس أخرى وطرْقٍ مغاير.
غير أن «الاستقواء» بالعدالة الدولية ليس الإجابة الوحيدة المطمئنة لدى الأكثريين السابقين. فهناك خلفها، وتحتها، في خفايا الأسرار «الوسطية» الأشد تطرفاً، سيناريوات أخرى، أكثر تفاؤلاً، وصولاً إلى اتسامها بالصفة الأبوكاليبسية. ذلك أن بعض أوساط الفريق الحريري يلهج على ما يبدو بإرهاصات هوليوودية، عمّا يصفونه بوقائع اليوم التالي لصدور القرار الظني: حادث انهيار وفرار داخل الفريق المستهدف، حالات انشقاق وانتفاضات لدى بعض حلفائه، والتحاق واستلحاق بالفريق المنتصر، وصولاً إلى حالة تكيّف سورية مع ما سيحصل، على طريقة اعتباره مخرجاً من مأزق، ومدخلاً إلى تسوية.
عند هذه النقطة ترتسم معالم الإجابة المطمئنة الثالثة، لدى الأكثريين، وخلاصتها أن فريقهم يعيش في هذه اللحظات بالذات حالة مماثلة لتلك التي عايشها الفريق السيادي أواخر عام 2004 ومطلع عام 2005،أي بداية تكوّن الإجماع الغربي وشبه العربي والدولي على خروج الجيش السوري من لبنان. ولا يعوز هؤلاء كمٌّ من عناصر المقارنة: سنة 2004 كانت السنة التالية للغزو الأميركي للعراق، وهو ما فرض في واشنطن أولوية الاستقرار في بغداد.
أما سنة 2010، فهي السنة السابقة لسنة الانسحاب الأميركي من العراق، وهو ما يقتضي الأولوية نفسها والاستقرار نفسه. وفي الحقبتين، هناك عقبة سورية يجب تذليلها. في عام 2004 كانت الوسيلة الضغط على سوريا في لبنان، أما سنة 2010 فالوسيلة هي الضغط عليها عبر لبنان. وسنة 2004 مثّل القرار 1559 رأس الحربة المخطط، ليمثّل القرار الظني سنة 2010 رأس الحربة نفسها.
هكذا يبدو الهرم الأكثري مطمئناً إلى أهله: المحكمة الدولية سيف لا يُغمد ولا يكسر. الهدف عرضة للانهيار داخلياً، وعمقه الاستراتيجي الإقليمي مرشح للاحتواء والاستيعاب. غير أن عبارة واحدة قالها جون كيري في بيروت أمس تبدو نافرة عن أضلع المثلث اليقيني المذكور.
قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي إن «تعيين سفير أميركي في سوريا يتوقف على أدائها»، قبل أن يتابع موضحاً أن واشنطن «تنتظر من دمشق خطوات في لبنان». ماذا تعني هذه العبارة في القاموس الدبلوماسي الأميركي؟ إنها تعني أولاً وجود قرار أميركي بـ«الانخراط» مع سوريا، وتعني ثانياً أن هذا «الانخراط» (Engagement) مشروط، لا بل موعود بإيجابيات مشتركة ومتبادلة، وتعني ثالثاً أن من بين مسارح تلك الإيجابيات والمصالح المسرح اللبناني،
ما يجعل السؤال مطروحاً على أهل الأكثرية السابقة: إذا كان الضغط الأميركي على سوريا عام 2004 قد حمل عنوان إخراجها من لبنان، فالانخراط الأميركي حيالها سنة 2010، أيّ عنوان قد يحمل لضمان «الخطوات» المطلوبة منها في بيروت، والضامنة لمصالح الطرفين؟ سؤال يظهر الهرم المطمئن نوعاً من الوهم المزمن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018