ارشيف من :أخبار لبنانية

ما الذي يستحق هذا المصير!؟

ما الذي يستحق هذا المصير!؟

سليمان تقي الدين _ صحيفة "السفير"

لا إرث المارونية السياسية ولا سواها من الطائفيات يمكن له أن يستنقذ الدولة الآيلة إلى الانهيار. فعلاً هذا بلد لا يُحكم من طائفة أو حزب. يحمّله الجميع أكثر ممّا يحتمل ويطيق. كلّما لاحت فرصة لجماعة تعيد تكرار المحاولة للإمساك بالقرار اللبناني. وكلّما ضعفت جماعة ذهبت في خيار القطيعة أو المقاطعة.

في ظاهر الحال يبدو مشروع الدولة المركزية خارج السياق. لكن ما تعرضه الطوائف هو المشروع المستحيل. لأنه مشروع حرب دائمة. راود المارونية السياسية وهم خلال العقود الأربعة الماضية أنها تستطيع التخلي أو التخفّف من ثقل أو عبء المناطق الملحقة بجبل لبنان القديم. ويراود بعض أقطابها اليوم وهم إنتاج توازنات جديدة بفعل انقسام الإسلام السياسي على نفسه. ويراود الإسلام السياسي وهم من نوع آخر هو أن يقيم توازنات إما بالسلاح وإما بقوة الدعم الخارجي والدولي. للأسف إن كل ما يُنشر من سيناريوهات عن تداعيات الأزمة هو حقيقي في تصوّر القوى السياسية. السيطرة والتوازن والردع والحياد والحسم والحصار، هذه كلها عناوين تلخص أشكال التعامل المحتملة في غياب الحلول السياسية.
 
تستطيع القوى المحلية أن تبدأ المشكل لكنها لا تستطيع أن تنهيه لوحدها. لا نحتاج إلى الكثير لندرك أن الصياغة النهائية للبنان يجري تصميمها في الخارج. الفوضى هي الوسيلة المثلى لإفقاد اللبنانيين دورهم في بناء دولتهم ونظامهم، بينما الحوار والتنازلات المتبادلة لما هو مشترك ينقذهم من الآلام والمآسي ومن سيطرة الخارج.

منذ خمس سنوات لا يظهر الفرقاء جميعهم سلوكيات تدل على التزامهم باللبننة الإيجابية. ليس من أحضان واشنطن يمكن دعوة الطرف الآخر إلى تغليب سقف التوازنات الداخلية. كما أنه ليس من بوابة طهران يمكن طمأنة الآخرين إلى وظيفة قوتهم ودورهم. طبعاً المقارنة مشوّهة أو عرجاء بين مردود السلاح من طهران ومردود القرار الغربي 1559 وتداعياته.

غامر المغامرون من اللبنانيين مع أصدقائهم في الغرب باستقرار لبنان بذريعة إخراجه من سلطة الوصاية. ذهبوا إلى التدويل بديلاً من التعريب. لا نعرف من تاريخ هؤلاء فصلاً من فصول الاستقلالية التي جسّدها زعماء سابقون أحدهم بالمنفى والآخر في الاستشهاد.

لا نجد اليوم زعيماً لبنانياً يضحّي بالحد الأدنى من مصالحه السياسية لاقتراح حل أو تسوية. الجميع في خنادق متقابلة على خطوط الصراع الإقليمي والدولي. لا نسأل عن مواقف طوباوية لا تحسب حساباً لما يدور حولها، بل نسأل عن حد من المعقولية والعقلانية توازن بين ضغوط الخارج وإمكانات استيعاب البلد. ومن البديهي القول إن لبنان لا يمكن ان يكون ساحة الحسم لأي من الخيارات، بل هو مجرد موقع تتعامل معه القوى الكبرى. ونود لو يعرف جميع اللبنانيين كيف لا يذهبون في المبالغات والغلو من أنهم سيقررون مستقبل النظام الإقليمي خاصة بمعاركهم الداخلية. لم يسقط حلف بغداد بأحداث العام 1958، ولا كامب ديفيد بأحداث العام 1975، ولا مشروع «الشرق الأوسط الجديد» تعثّر العام 2006 فقط بميزان القوى اللبناني.
 
انهارت وحدة العراق وجرى احتلاله وما يزال العبث بكيانه قائماً ولم يُحسم مصير المنطقة بعد. ليتنا نتواضع ونسعى إلى معالجة أمننا واستقرارنا وأمور تعايشنا وعيشنا من دون رهانات على تحجيم هذه أو تلك من القوى بمحذورين خبرناهما، الغرب وإسرائيل. كل رصيد استخدمه فريق لبناني من هذين المصدرين انقلب وبالاً عليه. لم تصمد سلطة في لبنان اتكأت على الغرب أو استجارت بإسرائيل.

هناك وهم يسوّق للجماعات بإمكان الاستقلال بهمومها وطموحاتها بمعزل عن الآخرين من طريق جغرافية سياسية ترسم حدودها «الأمم المتحدة». لا نستطيع أن نجزم باستحالة توليد مقاطعات نفوذ طائفية بوجه أي مشروع سيطرة، لكننا نجزم أن ما يبقى من لبنان هو محميات صغيرة لنماذج بشرية أطاحت بكل تراثها التاريخي وتقدمها الإنساني.

والسؤال الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون على أنفسهم على جميع المستويات: ما الذي يستحق هذا المصير!؟

   

2010-11-09