ارشيف من :أخبار لبنانية
هكذا يفكّر الحريري وفريقه قبل القرار الاتهامي.. وبعده
خضر طالب _ صحيفة "السفير"
لا يخلو النقاش داخل «تيار المستقبل» ومع رئيس الحكومة سعد الحريري، من تلك الأسئلة التي تطرح يومياً على قيادات «المستقبل» عن المدى الذي يستطيع فيه زعيم التيار مقاومة الضغوط والوقائع التي تدفع لبنان نحو مواجهة قاسية، قبيل صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. أو بعده.
يكتفي الحريري برسم ابتسامة، لكن الإلحاح يدفعه إلى جواب يطمئن فريقه «في نهاية هذا النفق هناك نور، لكني لا أستطيع البوح بما عندي من معطيات الآن.. فاصبروا ولا تستعجلوا».
الكتمان يقفل النقاش، ذلك أنه من غير المهم بالنسبة لهؤلاء ما هي معطيات الرئيس الحريري التي تدفعه لمثل هذا التفاؤل، فيخرجون إلى جمهوره لشحنه بجرعات كبيرة من الأمل بأن الفرج بات قريباً، وأن الأمور جيدة ولا داعي للقلق.
يذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك، فالحديث عن الفتنة لا أساس له وهي لن تحصل، والأمور ستمرّ طبيعياً من دون ارتدادات.
ثمة ما يوحي بأن هناك ما يشبه «التعميم» بالقناعات التي أصبحت على لسان كل «المستقبليين»، فهم يرددون مقولات يمكن أن تسمعها من أصغر منتمٍ إلى أعلى مراتب القيادة في التيار أو على ألسنة النواب: «حزب الله» هو الذي يمكنه أن يفتعل فتنة، لكنه لن يفتعلها.. لن يكون هناك 7 أيار ولا ما يشبهه، وكل السيناريوهات التي تنشر هي من باب التهويل.. من يرد القيام بعمل ما لا يسرّب كل يوم إلى الإعلام وعلى ألسنة السياسيين من التابعين له خططاً عسكرية وأمنية أو مشروعاً انقلابياً.. كل ما يجري هو حملة تخويف من أجل ترهيب الشعب اللبناني وبالتالي الضغط على الرئيس الحريري ليفرضوا عليه تقديم تنازلات تتعلق بالمحكمة الدولية.
القرار الظني سيصدر قريباً.. هذا أمر بات حتمياً في رأي هؤلاء، وهم لا يتوقعون ردة فعل عنيفة من «حزب الله» بعد صدوره: «سيقول الحزب إنه لا يعترف بالمحكمة وإن هذا القرار سياسي، وسيضرب به عرض الحائط وسيواجه المجتمع الدولي.. هو أصلاً يواجه هذا المجتمع ولا ينفّذ القرارات الدولية، وعندما يصدر القرار الظني سيكمل الحزب هذا السلوك».
أما «المستقبل» فإنه سينتظر ليرى مضمون هذا القرار ليحكم عليه، وبالإمكان بعد ذلك لملمة الذيول وهو الأمر الذي أبلغه الرئيس الحريري للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، بقوله له انه مستعد للتصريح أن لا «حزب الله» ولا الشيعة وراء الجريمة! لكن المشكلة في رأي «المستقبليين»، أن حزب الله لا يريد التعاون وهو يريد من الرئيس الحريري الانتحار السياسي بالتنازل عن المحكمة الدولية وإسقاطها.
لا تخلو «فلسفة» المستقبل لآلية التعاطي مع تداعيات مأزق القرار الاتهامي من اعتراف ضمني بحجم هذا المأزق، لكنه يحاول التعاطي معه بشيء من المناورة السياسية التي تراهن على أن التداعيات لن تكون في أسوأ الأحوال أكبر من 7 أيار.
وإذا كان «المستقبليون» يعتقدون أن هناك قدرة على استيعاب مرحلة ما بعد القرار الظني بهدوء وبتعاون الحريري ـ نصر الله، فإن هناك سبع إشكاليات تقف عائقاً أمام هذه «الاستراتيجية»:
الأولى، تتمثّل بفقدان عنصر الثقة بين الطرفين على كل المستويات، ما يجعل من أي «تعهّد» قد يقدّمه الحريري بالعمل على حصر أضرار «الاتهام» غير ذي وزن لدى حزب الله الذي لا يملك أي ضمانة للالتزام به، ولن يكون التفاهم السوري ـ السعودي سقفاً لهذه الضمانة التي قد يطلبها الحزب، خصوصاً أن هذا السقف الذي يمتد إلى العراق بحساباته، عجز عن إيجاد مخرج كان التزم به خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد إلى بيروت، كما أن هذا السقف لم يستطع خلال الأسابيع الماضية ردم ولو مساحة صغيرة من الهوة الكبيرة التي تفصل بين الطرفين، فكيف سيشكّل ضمانة لتعهدات قد تخضع لاحقاً لمعطيات إقليمية ودولية تطيحها؟
الإشكالية الثانية، تتعلّق بمعايير الحكم على مضمون القرار الاتهامي، وما إذا كان يمتلك معطيات حقيقية أم مركّبة في إطار قناعة «حزب الله» المسبقة بأنه سيكون في سياق الهجوم الدولي عليه لإنهاء المقاومة بهذه الطريقة بعد أن عجزوا عن إنهائها عسكرياً. فمن هي الجهة التي يمكنها أن تحكم على مضمون القرار وما هي معايير هذا الحكم؟ وماذا لو قال الرئيس الحريري وفريقه إنه اقتنع بأن هذا القرار محكم بالأدلة والقرائن التي تدين ـ في الحد الأدنى ـ عناصر من حزب الله؟ ثم ماذا لو قال الحزب إن هذه الأدلة مفبركة كما تمت سابقاً فبركة سيناريو الاتهام إلى سوريا والتي قال عنها الرئيس الحريري بعد خمس سنوات إنها مضلّلة؟
الإشكالية الثالثة، تتمثّل في قناعة «حزب الله» بأن الرأي العام اللبناني والعربي والدولي لن يقتنع بكل المحاولات التي ستجري لاحقاً لاستيعاب تداعيات القرار الاتهامي الذي سيتحوّل عند هذا الرأي العام إلى قرار إدانة.
الإشكالية الرابعة، ترتبط بالهواجس التي تنتاب «حزب الله» بأن يكون هذا القرار بمثابة الطلقة الأولى التي تصوّب على «حزب الله» قبل أن تقوم إسرائيل بشنّ عدوان على لبنان، بحيث يكون ظهر المقاومة مكشوفاً في الشارع اللبناني على غرار اجتياح 1982 الذي ساهمت حالة «الانفصال» بين المقاومة الفلسطينية آنذاك والشعب اللبناني، خصوصاً في الجنوب، بتهيئة المناخات المناسبة للقيام بذلك الاجتياح.
الإشكالية الخامسة، تتمثّل في أصل فكرة القرار الاتهامي لأن «حزب الله» سبق أن أقفل باب النقاش في موضوع التعاطي مع المحكمة الدولية عندما أعلن السيد حسن نصر الله «الحرم» على التعامل مع المحكمة والمحققين الدوليين التابعين للمدعي العام دانيال بيلمار، وسيكون الحزب أمام مفترق حاسم بعد صدور القرار الاتهامي، فإما أن ينحني له، وهو أمر مستبعد إلى حد الاستحالة، وإما أن يذهب إلى تنفيذ «موجبات» هذا «الحرم» على كل من يتعاطى مع هذا القرار.
الإشكالية السادسة، تتمثّل بمدى القدرة الداخلية على منع «حادثة داخلية»، مهما كانت صغيرة أو فردية، من التطوّر نحو «العرقنة» بعد أن تتسلل عبرها الأجهزة الخارجية لإشعال الفتنة الداخلية مستغلّة الأرض الخصبة لهذه الفوضى التي تلوح معالمها في كل المنطقة.
أما الإشكالية السابعة، فتتعلّق بمصير حكومة الوفاق الوطني، وكيف سيقبل الحريري بترؤس حكومة يكون «حزب الله» شريكاً فيها وهو المتّهم في عقل الرئيس الحريري قبل القرار الظني باغتيال والده؟
لا يملك «المستقبليون» أجوبة مقنعة تلغي هذه الإشكاليات أو تعالجها، ربما لأنهم لا يملكون المعطيات الكافية التي في حوزة الرئيس الحريري، وهي معطيات تحتمل التأويل حول أبعادها ومضمونها، فهل هي معطيات سعودية ـ سورية عن تسوية حتمية؟ أم أنها معطيات دولية تراهن على وعود بأن أوان التخلّص من «عقدة» «حزب الله» وسلاحه بات قريباً؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018