ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري بين الصلاحية الدستورية والـمأزق السياسي
نقولا ناصيف ـ "الاخبار"
قبول الحريري بالتصويت تسليم بانقلاب توازن القوى (أرشيف ــ مروان طحطح)حتى ليل أمس، كان الجميع ينتظر عودة النائب وليد جنبلاط من مقابلته اللواء محمد ناصيف في دمشق. لم يكن الرئيس ميشال سليمان قد توصّل إلى حلّ قالت أوساطه إنه متاح ــ ربما ــ في ربع الساعة الأخير، ولا الرئيس سعد الحريري ومعارضوه يودّون التفاهم
سواء التأمت حكومة الوحدة الوطنية اليوم في قصر بعبدا أو أرجأت جلستها المخصصة لمناقشة ملف شهود الزور مجدّداً، فهي باتت في مواجهة امتحان مزدوج: دستوري يتصل بموقع رئيسها سعد الحريري والصلاحيات التي لا يزال قادراً على الإمساك بها داخلها، وسياسي يتصل بمصير الغالبية الوزارية التي كان الحريري يمثّلها عند تأليفه أولى حكوماته، قبل سنة، ويوشك على فقدانها.
مذ اعترف رئيس الحكومة بشهود الزور والدور الذي اضطلعوا به في تخريب العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، شقّ هذا الملف طريق الخلاف على مقاربته مع قوى 8 آذار داخل مجلس الوزراء وفي الشارع. رمى موقف الحريري إلى إقران تعهّد كان قد قطعه للرئيس السوري بشّار الأسد بجهر تبرئة بلاده من دم والده الرئيس رفيق الحريري، وتوخّى تنازلاً سياسياً باهظاً وحتمياً لتأكيد مصالحته مع النظام السوري، لم ترَ فيه دمشق إلا اعتذاراً علنياً مكمّلاً لزيارته الأولى دمشق.
لكن الاعتراف بشهود الزور قدّم لخصوم الحريري، في مجلس الوزراء وخارجه، ثمناً ذهبياً من أجل خوض معركة حمله على التخلي عن القرار الظني، على غرار تخلّيه عن اتهام سوريا باغتيال والده، ولم يكن الحريري الابن يفوّت بين عامي 2005 و2008 مناسبة في الداخل والخارج لا يربط فيها بين دمشق وتقويض الاستقرار في لبنان. بذلك أصبح فتح ملف شهود الزور جزءاً لا يتجزأ من علاقته بسوريا ومصالحته مع الأسد، وجزءاً لا يتجزأ من ضرورة انضمامه إلى حملة المشككين في صدقية قرار ظني ـــــ كشهود الزور ـــــ اضطلع بدور سلبي في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية بسبب استهدافه سلاح حزب الله، المكمّل بدوره للمصالح الاستراتيجية السورية في لبنان والعلاقات المميّزة بين البلدين.
وضع رئيس المجلس نبيه برّي يده على ملف الشهود عندما أصرّ على أن يكون بنداً أول في جدول أعمال مجلس الوزراء، من غير أن يوصد أبواب التفاهم قبل اللجوء إلى التصويت، واستخدم وسيلة الضغط بخروج وزرائه من جلسة مجلس الوزراء، في 6 تشرين الأول، كي يجزم بجدّية التمسّك ببتّ ملف شهود الزور، وإحالته على المجلس العدلي.
في المقابل، اتخذ رئيس الجمهورية ميشال سليمان موقف تأييد إحالة الملف على المجلس العدلي، من دون اللجوء إلى التصويت، كي لا يشهد انقسام السلطة الإجرائية، وإحراجه بحمل وزرائه الخمسة على الانضمام إلى خيار التصويت. إلا أنه يبحث عن حلّ يرضي الحريري. والواقع أن تجربة السنتين ونصف السنة من ولايته مع حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة والحريري، تجعل سليمان يتقيّن من أن رئيساً توافقياً بلا وزراء، أو بكتلة وزارية تسيطر على النصاب ولا ترجّح كفته كحصة إضافية، يمسي أحسن حالاً في أداء مهمة ناطها به انتخابه، فلا ينحاز إلى فريق دون آخر.
بدوره، أوجد رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط فسحة رمادية مشتركة، استمدّها من موقفي سليمان بتفادي التصويت والتسليم بالإحالة على المجلس العدلي، ومن برّي بإتاحة المجال أمام الجهود السياسية قبل الوصول إلى خيار التصويت. لا يسع جنبلاط عند استحقاق التصويت إلا أن يكون في صلبه، لسبب جوهري على الأقل، هو أنه قطع وعداً لمعاون نائب رئيس الجمهورية السوري، اللواء محمد ناصيف، بتصويت وزرائه الثلاثة في مجلس الوزراء مع قوى 8 آذار على إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي عندما يحين أوانه. قطع الوعد نفسه لقيادة حزب الله التي لا يعتريها حدّ أدنى من الشكوك في أن الزعيم الدرزي سيخلّ بتعهّده. أضف مغزى ما قاله الرئيس السوري في حديثه الأخير إلى الزميلة الحياة، وهو أن سوريا استعادت جنبلاط الذي كانت تعرفه.
بإزاء المواقف المعلنة هذه لسليمان وبرّي وجنبلاط، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً لدى رئيس الحكومة لدوافع منها:
1 ـــــ لا يسعه الموافقة على الإقرار بمبدأ التخلّي عن المحكمة الدولية، وإن تأكد، وأعلن عدم مقدرته على تعطيل مسارها. ذلك ما يجعله يتفادى رفض القرار الظني قبل صدوره عن المحكمة الدولية، ويسلّم بحصر موقفه من شهود الزور بتبرئة سوريا من اتهامها باغتيال والده، من دون تعميم تبرئة كهذه على أفرقاء آخرين، بمَن فيهم حزب الله. كان اعترافه بشهود الزور عبر صحيفة الشرق الأوسط في 6 أيلول ثمناً طبيعياً لمصالحته مع النظام السوري بشقيها الشخصي والسياسي.
2 ـــــ سواء عُدّ ما نسب إلى أوساط قريبة من الحريري، من غير أن يفصح عنه هو مباشرة، مناورة عابرة في إطار تبادل عضّ الأصابع مع حزب الله أو خياراً جدّياً، فإن انسحابه من جلسة مجلس الوزراء بعد التئامها بثلثي وزرائها، وقبل طرح ملف شهود الزور على التصويت، أو الطلب من وزراء قوى 14 آذار الانسحاب لتعطيل النصاب، يمثّل سابقة لم يقدم عليها أي من أسلافه القريبين والبعيدين، بمَن فيهم والده الراحل الذي وضع ثلاثة أسس، في معرض ممارسة صلاحياته الدستورية كرئيس لمجلس الوزراء لرفض خيارات كان يراد إرغامه عليها:
ـــــ أوّلها، عدم تحديد موعد لانعقاد جلسة مجلس الوزراء قبل اتفاقه مع رئيس الجمهورية على جدول أعمالها، عملاً بالصلاحية الدستورية المشتركة. لم يقبل الحريري الأب مرة انعقاد مجلس الوزراء في غيابه، ولا منح نائب رئيس الحكومة صلاحية دعوة مجلس الوزراء إلى الالتئام في أثناء سفره، ولم يحمّل ذلك المنصب أكثر من كونه ترضية لطائفة لا تغطيها أي صلاحيات دستورية.
حتى ذلك الوقت، كانت ثمّة سابقة عالقة في الأذهان، هي دعوة الرئيس الياس الهراوي، في 9 تشرين الأول 1990، في غياب رئيس الحكومة سليم الحص في الأمم المتحدة، مجلس الوزراء إلى الانعقاد على أثر مجزرة وقعت بين الجيش والقوات اللبنانية عند نهر الموت وأوقعت قتلى وجرحى، أثارت ردود فعل متباينة. بعض ردود الفعل تلك سلبي نظر إلى موافقة الحص على هذا الانعقاد بمثابة تخلّ عن سلطة جوهرية في الصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس مجلس الوزراء، وهي دعوته منفرداً مجلس الوزراء إلى الالتئام. سرعان ما أوضح الحص لدى عودته الالتباس، ووصف السابقة، التي لم تتكرّر مذ ذاك، بأنها نتيجة اتفاق مسبق مع الهراوي، اقتصرت على جلسة استثنائية لئلا تعمّم الدعوة على جلسات عادية وتنشئ بذلك عرفاً يُمنح لرئيس الجمهورية. فكان أن ثبّت المحضر الرسمي لجلسة مجلس الوزراء هذه المعطيات.
ثانيها، عدم انسحاب الحريري الأب من جلسة لمجلس الوزراء بسبب خلافه على بند مع رئيس الجمهورية أو وزراء آخرين.
ثالثها، لجوؤه إلى الاعتكاف في قريطم أو في فقرا عند مواجهته أزمة حكومية، واحتكامه تالياً إلى دمشق لمعالجتها وإنهاء الاعتكاف. وغالباً ما خبر هذه التجربة في خلافات مع رئيسي الجمهورية والمجلس ومع الوزراء الوثيقي الصلة بدمشق. وهو في أي حال، في أي من حكوماته المتعاقبة بين عامي 1992 و2003، لم تمكّنه سوريا من الحصول على الغالبية النيابية.
3 ـــــ يكتمل انعقاد مجلس الوزراء تبعاً لقاعدتين: حضور رئيسه، واكتمال نصاب ثلثي وزرائه. الأول لأنه رئيسه الدستوري الذي يترأس جلساته، ما خلا حالاً استثنائية هي رغبة رئيس الجمهورية في حضور الجلسة فيترأسها من غير أن يصوّت. والثاني لأنه يستمد تعيينه من انتخابه من الغالبية البرلمانية الذي يفضي إلى تأليفه ـــــ بالتعاون مع رئيس الجمهورية ـــــ حكومة يُمسك بغالبيتها الوزارية (شأن الحكومة الأولى للسنيورة)، أو ائتلافية (شأن الحكومة الثانية للسنيورة والحكومة الحالية للحريري)، لكن من غير أن يفقد رئيس الحكومة هيبته ونفوذه فيها، ولا يصبح أسير معارضيه من داخلها، إذ يمثلون الغالبية الجديدة، ولا أسير الخارج الذي يحظر عليه الاستقالة.
لكنّ انسحاب رئيس مجلس الوزراء أو وزرائه الذين يشكلون، في الظاهر، الغالبية الحكومية من الجلسة بغية تعطيل نصاب الثلثين الحتمي للاقتراع بالأكثرية المطلقة، يشير إلى تصرّفين غير مألوفين: أن رئيس مجلس الوزراء يعطّل مجلس الوزراء الذي يرأسه للحؤول دون التصويت الذي يرفضه، وأن الأكثرية الحكومية تقرّ بفقدانها غالبيتها التي انتقلت إلى معارضيها.
4 ـــــ لا يعني قبول الحريري بالتصويت في مجلس الوزراء إلا تسليماً بانقلاب توازن القوى فيه رأساً على عقب، وانتقال الغالبية من قوى 14 آذار ـــــ وإن هي لم تملك الأكثرية المطلقة ـــــ إلى قوى 8 آذار التي لم تملك تبعاً لذلك الأكثرية المطلقة.
ذلك أن تصويتاً محتملاً سيؤكد أولاً تخلّي جنبلاط عن وجوده حتى الآن في الحصة الوزارية لرئيس الحكومة، فتمسي هذه من 12 وزيراً عوض 15 وزيراً، فيما ترتفع حصة قوى 8 آذار إلى 13 وزيراً.
ويؤكد ثانياً واقع الوديعتين في حصة رئيس الجمهورية، وهما الوزيران الشيعي والسنّي اللذان يستعيدهما مودعوهما عند الخيارات المكلفة والدقيقة. وهكذا تمسك قوى 8 آذار بالثلث +1 في مجلس الوزراء (10+1)، وتقتصر حصة قوى 14 آذار ـــــ التي تملك أساساً الثلث +1 ـــــ على 13 وزيراً (12+1)، ممّا يؤول إلى إخلال حقيقي في مغزى الوديعتين اللتين رافقتا تأليف الحكومة بغية تسهيل إبصارها النور ومنح رئيس الجمهورية دوراً أقوى بين الفريقين، وقضتا بتمكين قوى 8 آذار من الثلث المعطّل ضمناً (11 وزيراً) وقوى 14 آذار من الأكثرية المطلقة ضمناً (16 وزيراً).
ويؤكد ثالثاً، في حصيلة الحساب السياسي لتوازن القوى في مجلس الوزراء، فحوى التحوّل السياسي الذي أحدثه جنبلاط، عندما رفع عدد وزراء قوى 8 آذار إلى 14 وزيراً، وخفض عدد وزراء قوى 14 آذار إلى 13 وزيراً. عندئذ يصبح مصير أصوات الوزراء الثلاثة الباقين لرئيس الجمهورية ذا مغزى لترجيح كفة أحد الطرفين على الآخر.
إلا أن المشكلة تصبح ذات دلالة أكثر تأثيراً عندما تكون دمشق معنية مباشرة بالخيار الذي تتوقعه من رئيس الجمهورية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018