ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق: القرار الاتهامي كتب قبل وقوع جريمة الحريري

دمشق: القرار الاتهامي كتب قبل وقوع جريمة الحريري

نبيل هيثم، السفير
 

تقرّ دمشق بأنّ وقتا طويلا قد استهلكته المساعي السورية السعودية حول لبنان، من دون أن يؤدي ذلك إلى فتح كوّة ولو صغيرة في جدران الأزمة اللبنانية، وهي، برغم ذلك، كما يقول مطلعون، لا تمانع في صرف المزيد من الوقت، لعله يقود إلى اختراق ما، مع إدراكها أنّ الوقت بات ضاغطا، وأن سياق الأحداث بدأ ينحو في الاتجاه الذي قد تبرز معه وقائع جديدة.

واذا كانت سوريا راغبة كما السعودية في الانتقال باللبنانيين الى مساحة تفاهم مشتركة، فإن دمشق، بحسب المطلعين، لم تقترب يوماً من الرهان على اختراقات جدية انطلاقا من خبرتها اللبنانية، ولذلك قررت التعاطي بواقعية ومن دون مبالغات، لا سيما أن الرؤية واضحة من دمشق لحجم المداخلات الخارجية حول لبنان، ومحاولات العرقلة المستمرة لحركة مساعي الحل العربي والضغط الواضح على بعض أطرافها.

ويقول مسؤول سوري ان الولايات المتحدة تبدو أكثر المتضررين من التواصل السوري السعودي، وما بلغته العلاقة الخاصة بين الرئيس بشار الاسد والملك عبد الله، ولذلك تحاول ضربها والحؤول دون تطور العلاقة بين البلدين مهما بلغت نوايا الملك عبد الله وإيجابياته.

والواضح في دمشق أنها لم تؤخذ بالنبرة الاميركية العالية التي تدحرجت مؤخرا في اتجاه لبنان وسوريا، ويقول المسؤول السوري «ان من يسمع الاميركيين يظن أنهم سيطيحون كلّ شيء، لكنّ الحقيقة أنهم يقولون في العلن شيئا، وأما في السرّ فيقولون نقيضه لا بل انهم يتودّدون ويطرحون التعاون المشترك حول كل القضايا من لبنان الى العراق وكل المنطقة، وأكثر من ذلك هناك بعض الدول تأتي إلينا بلسان الاميركيين طارحة تدخلنا المباشر في لبنان، وقد تبلغ هؤلاء الاميركيون صراحة أن الرئيس الاسد سبق وأكد أن سوريا لن تتدخل وأن المقاومة في لبنان لم تنهزم في عدوان تموز 2006، لكي يفكر البعض في إملاء الشروط عليها وان الموقف الاميركي المتصاعد لا يساعد على الاستقرار في لبنان».

ويضيف المسؤول السوري أن دمشق أبلغت الموفدين الذين زاروها أن المحكمة الدولية المسيسة منذ بدايتها حتى الآن، تشكل أحد بدائل الحرب الاسرائيلية على «حزب الله»، للتعويض عن إخفاق تموز 2006، وأنه ليس في الإمكان القول إن هناك إجماعا في لبنان حول المحكمة.. و«حزب الله» لا يطرح المقايضة ما بين العدالة والاستقرار، فـ«حزب الله» كما سوريا تهمّه العدالة، ولكن كيف ستتأتى العدالة من مسار ثبت تسييسه منذ البداية وشهود الزور يشكلون عيّنة من هذا التسييس وتوجيهه في غير وجهة الحقيقة، ثم كيف يمكن الوثوق بمحكمة وقرارها الاتهامي تمهد له إسرائيل بسيناريوهات وبتسريبات طالت مؤخرا أسماء سورية وايرانية. ان دمشق ليست معنية بالمحكمة الدولية لا من قريب ولا من بعيد، وان ماتت تلك المحكمة فلن نترحم عليها، وخصوصا أنها تقوم على قرار اتهامي كتب قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ما يزعج دمشق ليس التهويل الاميركي بقدر الرهان المتجدد لدى بعض اللبنانيين على خيارات وسياسات جرّبوها من قبل وجاءت بالخسارة عليهم، والانضواء مجددا في تجمّعات واصطفافات ذات مردود انقسامي خطير على لبنان، كلقاء قوى «14 آذار» في بكركي وملاقاة فريق الرئيس سعد الحريري لهذا اللقاء عبر مستوياته السياسية والنيابية والدينية، ففي أي اتجاه يذهب الحريري؟

ربما يقرأ بعض اللبنانيين، كما يقول المسؤول السوري، الوقائع في لبنان والمنطقة بعيون «مغمضة»، أو أن بعضا ممن لم يتعظ من التجارب السابقة ليس قادرا على السباحة في أعماق تلك الوقائع إما عن عجز وإما عن كيدية، فلبنان اليوم غيره قبل خمس سنوات، وسوريا اليوم غيرها قبل خمس سنوات، والأميركي في المنطقة اليوم غيره بعد احتلال العراق، لذلك نعتقد انكم في الفترة المقبلة ستسمعون الكثير من الكلام والمواقف الهجومية الاميركية ضد «حزب الله» وكذلك ضد سوريا وايران. وتلك هي حدود التحرّك الاميركي، ومن يعتقد أن الولايات المتحدة سترسل المارينز الى لبنان مرة جديدة للدفاع عن بعض اللبنانيين، فهو واهم.

وينقل السوريون عن شخصية أميركية زارت دمشق مؤخرا «ان القرار الاتهامي سيصدر ولا إمكانية لإلغاء المحكمة الدولية أو التخلي عنها، كما أن بعض الدول العربية المصنفة في خانة الاعتدال باتت أكثر تمسكا من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بالمحكمة الدولية، وفي الفترة الاخيرة قامت احدى الشخصيات العربية المهمة بزيارة الى واشنطن والتقت مساعد وزيرة االخارجية الأميركية السفير جيفري فيلتمان وطالبته بالتعجيل بإصدار القرار الاتهامي ضد حزب الله».

ينتهي المسؤول السوري بتوجيه نصيحة الى بعض اللبنانيين قائلا: «الاميركيون تجار، يبيعون ويشترون ويقايضون، وعلى اللبنانيين المتحمسين للأميركيين أن يعلموا أن هناك حالات يتم فيها تسمين الخرفان إما لبيعها مقابل أثمان، وإما للتضحية بها، ها ان عيد الاضحى يقترب وسيحل معه موسم الاضاحي».

2010-11-11