ارشيف من :أخبار لبنانية
ممَّ يخاف اللبنانيون؟
ادمون صعب، السفير
«لا تضطرب أعصابكم ساعة الخطر، إنما الخطر هو في اضطراب الأعصاب»، انطون سعاده
تأخر الرئيس بري في الإعلان اننا نعيش في مزرعة، وان الحكم سائب، وان الديموقراطية هي أولى ضحايا «المزارعة»! وهو المدرك، من موقعه في رئاسة السلطة الاشتراعية، ما حصل اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما أعقب ذلك من احداث وسفك دماء. ولعل أخطر ما تواجهه «المزرعة» هذه الأيام، بعدما أصبح الوطن من دون سياج، هو تربّص قطعان الذئاب ومختلف أنواع الحيوانات المفترسة بها.
والخوف الذي يبديه اللبنانيون، ومعهم أصدقاؤهم في العالم العربي والعالم، مما تخبئه لهم الأيام المقبلة في ظل التسريبات المتكررة عن مضمون القرار الظني وإمكان استهدافه عناصر في «حزب الله»، هذا الخوف ناشئ عن فتح الفريق الحاكم لبنان، بأرضه وشعبه ومؤسساته، أمام القوى الخارجية، وفي مقدمها الولايات المتحدة وإسرائيل، لمحاربة سوريا، في الدرجة الأولى، والضغط عليها علّها تبدل «سلوكها» في بلاد الأرز، كما في العراق وفلسطين.
وهذا الأمر لم يعد يحتاج إلى دليل بعد اعترافات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عن «تآمره» والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك على سوريا ولبنان، وكشف الكتاب الفرنسي «سر الرؤساء»، الصادر حديثاً في باريس كيف تم تركيب التهمة على سوريا في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والدور الذي لعبته أميركا وفرنسا في مجلس الأمن لاستصدار قرار بإنشاء لجنة التحقيق الدولية، ومن ثم المحكمة الخاصة بلبنان التي شاءها الرئيسان الفرنسي والأميركي بمثابة إعدام لحكم سوريا، وهدم لنظامها انطلاقاً من لبنان.
وهكذا سلّم الحكم اللبناني برئاسة فؤاد السنيورة والفريق الحريري الذي لا يزال مصادراً المزرعة ومتصرفاً بها وأهلها، لبنان إلى المجتمع الدولي، وإسرائيل من خلفها. علماً ان العدو يستعد منذ أشهر لاستغلال تداعيات القرار الظني لشن حرب جديدة على «حزب الله» ولبنان وجيشه وشعبه الذين هزموه في حرب تموز، وقد اعترف الرئيس بوش في مذكراته بعنوان «لحظات القرار»، التي نشرت «السفير» أمس صفحات منها، انه سعى إلى تمديد أمد الحرب حتى تستطيع إسرائيل القضاء على «حزب الله»، لكن مجاهدي المقاومة قد خذلوه، كما خيّبه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ايهود أولمرت بعدم مهاجمة سوريا، الأمر الذي كان يتمناه بوش من كل قلبه.
ولا موجب لتخوّف اللبنانيين وقلقهم، وربما ارتعابهم، من السيناريوات التي تُطرح لما سيكونه رد فعل «حزب الله» والمعارضة على أي تقرير اتهامي ظالم للمقاومة، لأن ما سيحصل ستكون له ايجابيات كثيرة بالنسبة إلى الصيغة والنظام والمستقبل.
ان الانتفاضة المنتظرة جراء القرار الظني، مُشتهاة والناس نفد صبرها من زمان. وهي ستكون مناسبة للتضامن بين التغييريين، التائقين إلى التخلص من النظام الطائفي المجيّر إلى الخارج، والذي بات من دون مرجعية منذ خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005. ولم يجده تلمس المرجعيات الخارجية الأبعد من دمشق، وقد راح المجتمعان الإقليمي والدولي يرجوانها التدخل مجدداً في لبنان ولكن على أساس «ايجابي» يخدم مصالحهما فيه، وهذا ما ترفضه دمشق.
وما يتم تداوله في الخارج حالياً، وقد كشفه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير خلال زيارته الأخيرة لبيروت، من ان هناك خمس دول ـ بينها فرنسا بالطبع وإن لم يسمها ـ تعمل من أجل إعداد طائف جديد أو «طائف 2»، ليس «تخيلاً» أو «أقاويل» على ما قال نواب في «تيار المستقبل»، بل هو حقيقة يهجس بها لبنانيون كثيرون، على ان يكون هذا الطائف لبنانياً بالكامل، يصنعه اللبنانيون بأنفسهم.
إن لبنان يواجه أزمة نظام أضرّت بالصيغة ودفعت كثيرين إلى الكفر بالوطن ومغادرته إلى غير رجعة. والمطلوب ممن بقوا فيه، إذا كانوا حقاً يريدونه ويتمسكون به، أن يظهروا تضامنهم في ما بينهم، ويقيموا نظاماً يسير بهم إلى الاندماج وصهر القبائل والمتحدات الطائفية في بوتقة شعب واحد، ثابت في أرضه كالصخر، ومنفتح على العالم، بدلاً من إبقائه مزرعة سائبة، وساحة لتصفية الحسابات سواء مع سوريا أو مع المقاومة.
وفي هذا الإطار، نتمنى على الرئيس سعد الحريري، إذا كان حقاً يريد العدالة، والوفاء لدماء الشهداء، ووالده في الطليعة، الإقدام على الآتي:
ـ إعلان انسحابه مع فريقه من الحلف الأميركي ـ الفرنسي الذي يقف الإسرائيلي خلفه.
ـ تضامنه مع «حزب الله» في السراء والضراء، مظهراً ان اللبنانيين واحد في مواجهة الأخطار، وانهم جميعاً يريدون الحقيقة.
ـ إنهاء مهزلة شهود الزور بالاقتصاص من جميع الذين اساؤوا إلى سوريا. وهذا أقل ما ترضى به دمشق لإعادة فتح أبوابها له. فهل يهبط عليه «الوحي» ويفاجئ العالم بأنه ابن أبيه؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018