ارشيف من :أخبار لبنانية
حين سألت إيران عن الطائف...
جان عزيز، الأخبار
قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، في حزيران 2009، نجح فريق الحريري في تفجير عبوتين كبيرتين، زرعتا على حافة الطريق المؤدية بفريق المعارضة إلى الفوز في ذلك الاستحقاق. العبوة الأولى كانت متصلة بالثانية، بشريط من أسلاك النظام. والاثنتان فُجِّرتا عن بعد، بواسطة ماكينة التحكّم بالغرائز في مجتمع آخر أولوياته الكتابة والقراءة.
ولمَن لا يزال يذكر حملت العبوة الحريرية الأولى عنوان تعديل الطائف. أما تفخيخها وتركيبها، فقد بُدئا بتحوير ـــــ لا بل تشويه ـــــ كلام لدبلوماسي فرنسي. إذ كان يومها جان ـــــ كلود كوسران قد زار طهران في سياق جولته التمهيدية لمقاربة باريس للأزمة اللبنانية. هناك سأله مسؤول إيراني: ما هو موقفكم في الإدارة الفرنسية من اتفاق الطائف؟ أجاب كوسران: تعرفون أنه حين أقرّ هذا الاتفاق، لم نكن متحمّسين له. أما اليوم، وقد أثبت قدرته على الحياة، فنحن معه. ومع ذلك، نرى أن مصيره ومضمونه عائدان إلى اللبنانيين... أومأ المسؤول الإيراني برأسه قبل أن يعلق: ونحن معكم في ذلك، ونعتقد أن الطائف يجب أن يطبّق على الجماعات اللبنانية كافة لضمان توازنه.
بعد أيام، مرّ كوسران ببيروت، حيث التقى قطباً كان يومها موالياً، وكان معه نائب معروف... سأل القطب اللبناني زائره الفرنسي عن أجواء طهران، فروى له وقائع عدّة، منها السؤال عن الطائف والجوابات عليه.
بعد ساعات كان الفريق الحريري برمّته يضخّ في الإعلام والسياسة والأبواق: إيران وحزب الله يخططان للانقلاب على الطائف، وميشال عون متورّط في الأمر...
بعدها بأسابيع، رفعت حملة عون الانتخابية لوحات طرقية، حمل بعضها شعار «الجمهورية الثالثة... ثابتة». فتلقّفها جهاز التفخيخ الحريري ليجعلها العبوة الثانية المتلازمة مع الأولى: يريدون تعديل الطائف، لإقامة نظام على أساس المثالثة بين المسيحيين والسنّة والشيعة، وإنهاء قاعدة المناصفة.
لم تنفع يومها كل التوضيحات السياسية، ولم تُجدِ التصحيحات اللغوية للتمييز بين «الثالثة» و«المثالثة»، ولم يشفع حتى اكتشاف أن «الجمهورية الثالثة» كانت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، العنوان الرئيسي لمشروع سامي الجميّل الوطني، عبر «حلف لبناننا»، قبل أن تصير في غفلة شعاراً سجعيّاً لملصق انتخابي... ولم يغيِّر في الأمر ـــــ ولو مع مفعول رجعي ـــــ أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان قد تبنّى مفهوم «الجمهورية الثالثة» في خطاب دولي رسمي ومكتوب له قبل أسبوعين... كل ذلك سقط يومها في مطحنة البروباغاندا، وتكيّف مع نير «اللوغوماكي»، كما تصفه الأكاديمية الفرنسية بأنه قاموس الكلمات الفارغة، لكن الفاعلة.
كل ذلك كان مفهوماً ربما، في سياق الحمّى الانتخابية، وفي إطار الخطاب الإعلاني والتسويقي الاستهلاكي. وكل ذلك ظل في نطاق الاستثمار الاقتراعي، ولو بضربات «تحت الزنّار». لكن الوضع برمّته مختلف اليوم. فالبلاد تعيش أزمة قد تكون مصيرية، وطرفا النزاع يتّجهان إلى صدام جبهي لم يعرف لبنان مثيلاً له. فجاةً، في سياق هذه الأزمة تحديداً، يخرج برنار كوشنير في حديث متلفز إلى محطة سعودية بامتياز، ليؤكد أن هناك «رغبة لدى خمس دول عربية في عقد اتفاق جديد بين اللبنانيين»، مضيفاً أنه «إذا كان لا بد من تغيير الاتفاقات، فلا بأس في ذلك، علماً بأن اتفاق الطائف قدّم الكثير»... بعد يومين، تخرج صحيفة عربية خليجية بكلام ـــــ متابعة: «مصر ستشارك في إبرام طائف ـــــ 2»، ليليها كلام للبطريرك الماروني في الصباح التالي: «لا علم لي بمشاورات لتعديل الطائف، لكن لا أعارض صيغة تعديلية إذا كانت نحو الأحسن».
بعد المحطات «الانقلابية» الثلاث، لا يزال الصمت سيّد الموقف لدى الجميع، علماً بأن مقارنة بسيطة بين ما كان سابقاً، وما يحصل الآن، تدعو إلى الاتهام في حدٍّ أدنى، والقلق في حد أقصى. قبل عام كان الكلام لسفير فرنسي، اليوم هو لوزير. يومها كان محوّراً مشوّهاً، اليوم هو مسجّل وموثّق بالصوت والصورة. حينها كان موضع إجماع على رفض تأويلاته، اليوم ثمّة إجماع على الصمت أمام مدلولاته. قبلها كان الكلام استثمارياً صالحاً للاستهلاك ليومٍ واحد، بل لنهار، أو حتى لساعات اقتراع، فيما الكلام اليوم على عتبة بحث داخلي وخارجي عن حلول أبعد من أزمة محكمة، وصولاً إلى أزمة حكم، ونظام.
ورغم ذلك، لا مواقف واضحة ممّا يحصل. إنه المؤشر على عمق مأزق لم يعد ثمّة مَن يتصوّر الحلول له، حتى في الصيغ الانقلابية.
قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، في حزيران 2009، نجح فريق الحريري في تفجير عبوتين كبيرتين، زرعتا على حافة الطريق المؤدية بفريق المعارضة إلى الفوز في ذلك الاستحقاق. العبوة الأولى كانت متصلة بالثانية، بشريط من أسلاك النظام. والاثنتان فُجِّرتا عن بعد، بواسطة ماكينة التحكّم بالغرائز في مجتمع آخر أولوياته الكتابة والقراءة.
ولمَن لا يزال يذكر حملت العبوة الحريرية الأولى عنوان تعديل الطائف. أما تفخيخها وتركيبها، فقد بُدئا بتحوير ـــــ لا بل تشويه ـــــ كلام لدبلوماسي فرنسي. إذ كان يومها جان ـــــ كلود كوسران قد زار طهران في سياق جولته التمهيدية لمقاربة باريس للأزمة اللبنانية. هناك سأله مسؤول إيراني: ما هو موقفكم في الإدارة الفرنسية من اتفاق الطائف؟ أجاب كوسران: تعرفون أنه حين أقرّ هذا الاتفاق، لم نكن متحمّسين له. أما اليوم، وقد أثبت قدرته على الحياة، فنحن معه. ومع ذلك، نرى أن مصيره ومضمونه عائدان إلى اللبنانيين... أومأ المسؤول الإيراني برأسه قبل أن يعلق: ونحن معكم في ذلك، ونعتقد أن الطائف يجب أن يطبّق على الجماعات اللبنانية كافة لضمان توازنه.
بعد أيام، مرّ كوسران ببيروت، حيث التقى قطباً كان يومها موالياً، وكان معه نائب معروف... سأل القطب اللبناني زائره الفرنسي عن أجواء طهران، فروى له وقائع عدّة، منها السؤال عن الطائف والجوابات عليه.
بعد ساعات كان الفريق الحريري برمّته يضخّ في الإعلام والسياسة والأبواق: إيران وحزب الله يخططان للانقلاب على الطائف، وميشال عون متورّط في الأمر...
بعدها بأسابيع، رفعت حملة عون الانتخابية لوحات طرقية، حمل بعضها شعار «الجمهورية الثالثة... ثابتة». فتلقّفها جهاز التفخيخ الحريري ليجعلها العبوة الثانية المتلازمة مع الأولى: يريدون تعديل الطائف، لإقامة نظام على أساس المثالثة بين المسيحيين والسنّة والشيعة، وإنهاء قاعدة المناصفة.
لم تنفع يومها كل التوضيحات السياسية، ولم تُجدِ التصحيحات اللغوية للتمييز بين «الثالثة» و«المثالثة»، ولم يشفع حتى اكتشاف أن «الجمهورية الثالثة» كانت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، العنوان الرئيسي لمشروع سامي الجميّل الوطني، عبر «حلف لبناننا»، قبل أن تصير في غفلة شعاراً سجعيّاً لملصق انتخابي... ولم يغيِّر في الأمر ـــــ ولو مع مفعول رجعي ـــــ أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان قد تبنّى مفهوم «الجمهورية الثالثة» في خطاب دولي رسمي ومكتوب له قبل أسبوعين... كل ذلك سقط يومها في مطحنة البروباغاندا، وتكيّف مع نير «اللوغوماكي»، كما تصفه الأكاديمية الفرنسية بأنه قاموس الكلمات الفارغة، لكن الفاعلة.
كل ذلك كان مفهوماً ربما، في سياق الحمّى الانتخابية، وفي إطار الخطاب الإعلاني والتسويقي الاستهلاكي. وكل ذلك ظل في نطاق الاستثمار الاقتراعي، ولو بضربات «تحت الزنّار». لكن الوضع برمّته مختلف اليوم. فالبلاد تعيش أزمة قد تكون مصيرية، وطرفا النزاع يتّجهان إلى صدام جبهي لم يعرف لبنان مثيلاً له. فجاةً، في سياق هذه الأزمة تحديداً، يخرج برنار كوشنير في حديث متلفز إلى محطة سعودية بامتياز، ليؤكد أن هناك «رغبة لدى خمس دول عربية في عقد اتفاق جديد بين اللبنانيين»، مضيفاً أنه «إذا كان لا بد من تغيير الاتفاقات، فلا بأس في ذلك، علماً بأن اتفاق الطائف قدّم الكثير»... بعد يومين، تخرج صحيفة عربية خليجية بكلام ـــــ متابعة: «مصر ستشارك في إبرام طائف ـــــ 2»، ليليها كلام للبطريرك الماروني في الصباح التالي: «لا علم لي بمشاورات لتعديل الطائف، لكن لا أعارض صيغة تعديلية إذا كانت نحو الأحسن».
بعد المحطات «الانقلابية» الثلاث، لا يزال الصمت سيّد الموقف لدى الجميع، علماً بأن مقارنة بسيطة بين ما كان سابقاً، وما يحصل الآن، تدعو إلى الاتهام في حدٍّ أدنى، والقلق في حد أقصى. قبل عام كان الكلام لسفير فرنسي، اليوم هو لوزير. يومها كان محوّراً مشوّهاً، اليوم هو مسجّل وموثّق بالصوت والصورة. حينها كان موضع إجماع على رفض تأويلاته، اليوم ثمّة إجماع على الصمت أمام مدلولاته. قبلها كان الكلام استثمارياً صالحاً للاستهلاك ليومٍ واحد، بل لنهار، أو حتى لساعات اقتراع، فيما الكلام اليوم على عتبة بحث داخلي وخارجي عن حلول أبعد من أزمة محكمة، وصولاً إلى أزمة حكم، ونظام.
ورغم ذلك، لا مواقف واضحة ممّا يحصل. إنه المؤشر على عمق مأزق لم يعد ثمّة مَن يتصوّر الحلول له، حتى في الصيغ الانقلابية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018