ارشيف من :أخبار لبنانية
«اعترافات» وزير: نعم نفتقد «الرئيس» سعد الحريري!
لعل «الشلل النصفي» الذي أصاب مجلس الوزراء تحت وطأة ملف الشهود الزور لن يغير كثيرا في واقع الحكومة التي تعاني منذ بداياتها من نقص حاد في الانسجام والإنتاجية، ما أصابها بالتصحر في كل المجالات.
والمفارقة، ان معظم الوزراء لا يملكون أي حماسة للدفاع عن حكومتهم، بل هم يعترفون بانها أثبتت عجزها عن مواجهة كل أنواع الأزمات التي اعترضتها مع خروجها الى النور قبل عام من اليوم، وحتى من أراد منهم ان يغامر برصيده لحمايتها، استنادا الى أسباب تتعلق بالضرورة السياسية وغياب البديل، فهو لا ينكر ضعف أدائها وتقصيرها على كل المستويات، وخصوصا ما يتعلق منها بهموم الناس.
في عيد ميلادها الاول، لم تجد الحكومة من يطفئ لها شمعة ومن يتمنى لها العمر الطويل، بعدما تحولت الى عبء على البلد واللبنانيين، بفعل عدم نجاحها في إقفال أي من الملفات التي فتحتها، وربما لن يكون الفراغ الذي يخشى منه الكثيرون، في حال رحيلها، أشد وطأة من الفراغ الحاصل حاليا بوجودها.
ومن غرائب هذه الحكومة انها هرمت سريعا وأصيبت بأمراض الشيخوخة باكرا، حتى غدت في عامها الاول، لا بل منذ شهرها الأول، حكومة تصريف أعمال، تتولى في أحسن الحالات إدارة الأزمات والتعايش معها، تســتوي في ذلك مشكلة البندورة مع قضية المحكمة الدولية، وما بينهما من سلسلة طويلة تحوي ملفات الأمن والقرار 1701 والكهرباء والنفط والمياه والطرقات والغلاء والسير والتعيينات والسوق الحرة و«سوكلين»! لم ينجح مجلس الوزراء في أي من مواد المنهاج المقرر في البيان الوزاري. معظم علاماته تحت المعدل، وأما الاستثناءات فتوضع في خانة قيامه ببعض الواجبات البديهية التي لا ترتقي الى حد الانجازات.
وما جعل السقوط السياسي والشعبي للحكومة حتميا هو انها رفعت السقف كثيرا في بيانها الوزاري الذي جُمعت فيه كل الطموحات والأحلام تحت شعار محاكاة أولويات الناس. لم تتواضع الحكومة في إطلالتها على اللبنانيين. مزجت بين السمك واللبن في وعاء واحد، وابتكرت نصا اختلطت فيه التناقضات السياسية والنوايا المضمرة المغلفة بقشرة من الشعارات الاجتماعية والتنموية البراقة التي تفتقر الى الآليات التطبيقية.
وبما ان «الخلطة» كانت غير واقعية، فقد تفسخت مع الوقت جدران البيان الوزاري الذي بات اشبه ببناء آيل الى السقوط، في موازاة ترنح الحكومة التي بدت عضلاتها الرخوة أعجز من ان ترفع الأوزان الثقيلة للتحديات المتلاحقة، داخليا وخارجيا.
ويقر أحد الوزراء بأن تجربة الحكومة كانت مخيبة للآمال حتى الآن، متوقفا عند أبرز مكامن الخلل فيها، كما رصدها من داخل مجلس الوزراء:
ـ ان المنسوب السياسي في الجلسات مرتفع جدا الى درجة تجعل أولويات الناس المفترضة في أسفل جدول الأعمال!
ـ ان التصنيفات المسبقة تعطل النقاش الموضوعي والعلمي المتصل بقضايا اقتصادية وإنمائية، فيحكم كل فريق وزاري على أفكار الآخر وطروحاته انطلاقا من المعيار السياسي، قبل التدقيق في مضمون ما هو مطروح. وبهذا المعنى، كثيرا ما تصبح مشاريع هذا الوزير او ذاك ضحية الرغبة في تصفية الحسابات وتسجيل النقاط بمعزل عن مضمونها الحقيقي ومدى أهميته.
ـ ان أزمة ثقة عميقة تتحكم بالعلاقة بين أطراف الحكومة التي اضطرتها «ظروف قسرية» الى الجلوس حول طاولة واحدة، من دون ان يكون هذا التلاقي نتاج قناعة موضوعية وإرادة ذاتية. قوى 14 آذار تعتقد أن المعارضة سلبت منها تحت الضغط حقها في تشكيل حكومة أكثرية وأقلية، والمعارضة تشعر من جهتها بان شركاءها في السلطة يتربصون بها للانقضاض عليها عبر الاستقواء بالخارج وقراراته الدولية والاتهامية.
لقد قامت حكومة الوحدة الوطنية أصلا فوق مقابر سياسية جماعية تعود الى أربع سنوات من الصراع الحاد، وبدلا من ان تشكل «الشراكة الالزامية» فرصة للتحرر من الماضي، إذا بها تعيد إنتاجه عبر تجديد خلايا المواجهة التي استمرت بأشكال جديدة، وإنما بالمضمون ذاته، على طاولة مجلس الوزراء .
«ان رئيس الحكومة سعد الحريري أخفق حتى الآن في إدارة الحكومة كما يجب». ويقول الوزير، صاحب المراجعة، ان الحريري لم يتصرف بعد كرئيس لحكومة وحدة وطنية تضم كل القوى، مع ما يستوجبه ذلك من ترفع عن الاصطفافات الضيقة، وسلوك متوازن أو أقله متزن.
سياسيا، لا يجد الحريري حرجا في التصرف باعتباره طرفا لا رئيسا لمجلس الوزراء. يتجلى ذلك في سلوكه داخل اجتماعات المجلس وخارجه، الأمر الذي أفقده القدرة على أداء دور فعال في انتاج التسويات وتدوير زوايا الخلافات، ما دفع رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى ملء هذا الفراغ، من خلال اللقاءات التي يعقدها في قصر بعبدا مع الوزراء او قياداتهم السياسية كلما استدعت الحاجة إيجاد صمام أمان لمجلس الوزراء. لقد تخلى الحريري الابن عن دور اتقنه جيدا والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان يجيد فن التواصل مع الآخرين، وخصوصا خصومه، كما يؤكد الوزير المشار اليه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018