ارشيف من :أخبار لبنانية

حزب اللّه يضع الشارع لا الحكومة في مواجهة المحكمة

حزب اللّه يضع الشارع لا الحكومة في مواجهة المحكمة

نقولا ناصيف، الأخبار

إلى أن تنقضي ذكرى الاستقلال، لن تصدم الوضع الداخلي مفاجأة ذات فحوى. في ظلّ التصلّب المتبادل بين قوى 8 و14 آذار حيال ملف شهود الزور، كجزء من كل، بدءاً بالقرار الظني وصولاً إلى المحكمة الدولية، لا أبواب مفتوحة على التسوية


قدّمت المواقف الأخيرة للأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، مساء الخميس (11 تشرين الثاني)، ومن ثمّ ردود الفعل عليها، دليلاً إضافياً على أن كلاًّ من قوى 8 و14 آذار يقود الآخر إلى المواجهة، ولا يُتوقع تسوية وشيكة. ورغم نجاح رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في تجنيب الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، الأربعاء، الانفجار، فإن مسعاهما لم يمنح طرفي النزاع حيّزاً حقيقياً لحلّ محتمل. بل خرجا من تلك الجلسة بدوافع جديدة للمضي في التصعيد، الذي انضم إليه نصر الله في الساعات التالية.

عكست هذا المنحى ملاحظات منها:

1ـــــ السقف الأعلى الذي رسمه حزب الله لتعامله المتوقع مع القرار الظني والمحكمة الدولية، وقد بدأ نصر الله يضع ملف شهود الزور على هامش المواجهة الأكثر حدّة: لا يسلّم حزب الله بأي اتهام يُوجّه إلى أي من أفراده باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويهدّد بقطع اليد التي تمتد إلى أحد من هؤلاء لاعتقاله بتهمة كهذه. كان نصر الله قد قال كلاماً مماثلاً في جديته وتوقيته عشية 5 أيار 2008، عندما أعلن أن اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة ستقطع. ثم أكد لاحقاً أن المقاومة يحميها سلاحها. لكن أبرز ما انطوى عليه التهديد الأخير لنصر الله، هو وضع الشارع على أهبة تلقف صدام وشيك بين الحزب وخصومه.

في كل مرة أعلن استهداف سلاحه، لا يجد حزب الله حلاًّ لإنقاذه إلا بالاحتكام إلى الشارع، لقلب موازين القوى رأساً على عقب. مع ذلك، أوحى الكلام الأخير للأمين العام للحزب أنه لا يحدّد، في الظاهر في أحسن الأحوال، الطريقة التي سيخوض بها المواجهة من خارج السلطة ومجلس الوزراء لحماية سلاح الحزب والمقاومة. لم يقل بـ7 أيار جديد، ولا أظهر يأسه من حلّ سياسي. لكن سرده الفصول المتتالية عن توجيه ضربة إلى حزبه أفصح عن الخلاصة الآتية: حرب تموز 2006 قادت إلى 7 أيار 2008.

2 ـــــ تقييد الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء، بحيث يمسي عاجزاً عن جمع المجلس من دون موافقة قوى 8 آذار، ومن غير أن يملك الآن ما كان سهلاً في متناول سلفه الرئيس فؤاد السنيورة في حكومته الأولى، وهو نصاب ثلثي مجلس الوزراء للالتئام ساعة يدعوه رئيسه، ولاتخاذ القرارات التي تلائم الغالبية الوزارية حينذاك. استعادت المعارضة ـــــ أو تكاد ـــــ الثلث +1 للسيطرة على نصاب انعقاد مجلس الوزراء عبر استرجاعها، ضمناً على الأقل، الوديعة الشيعية، وأقرنت تأييدها اجتماعه بتحديدها جدول أعماله، وهو بتّ ملف شهود الزور.

بذلك، في سابقة غير مألوفة مع أي من أسلافه رؤساء الحكومات السابقين، قبل اتفاق الطائف وبعده، يجد الحريري نفسه عاجزاً عن ممارسة صلاحياته الدستورية. كان قد حُرِم، كرئيس الجمهورية، إذ تجمعه به صلاحيات دستورية مشتركة في ذلك، تحديد حجم الحكومة وتمثّل الكتل النيابية فيها وتسمية الوزراء وتوزيع الحقائب عليهم وسيطرته على البيان الوزاري. وتكاد هذه السوابق، الناجمة عن تسوية اتفاق الدوحة مذ اختبرت لأول مرة في الحكومة الثانية للسنيورة عام 2008، تكرّس مع الحريري أعرافاً تفقد رئيس مجلس الوزراء، بعد رئيس الجمهورية، صلاحيات دستورية جوهرية تقع في صلب توازن السلطات من جهة، وتجعل من توازن القوى السياسي في الشارع معياراً لتثبيت سوابق وأعراف تنكرها النصوص الدستورية.

بالتأكيد لا تبدو حكومة الوحدة الوطنية في خطر حقيقي، ولا تقع في سلّم أهداف قوى 8 آذار في خطة المواجهة، بل تعدّ هذه شلّ دورها نتيجة حتمية للخلاف على بتّ ملف شهود الزور في مجلس الوزراء. لا تنظر إليها المعارضة على أنها إحدى ردات الفعل المحتملة للضغط على الحريري، ولا يفضي ضغط كهذا إلى ما تتوخاه لفرض بتّ ملف شهود الزور بإحالته على المجلس العدلي.

3ـــــ من دون دور لسوريا، لن يسع الحريري إخراج حكومته من مأزقيها الدستوري والسياسي. بل يُحيل خلافه معها، وانقطاع الاتصال المباشر وغير المباشر بينه وبين الرئيس بشّار الأسد، المشكلة أكثر تعقيداً، على نحو التدخّل الذي دُعي إليه الأسد، قبل سنة، كي يتمكن الحريري من تذليل العراقيل وإعلان تأليف حكومته، وكانت مصالحة الرجلين شرطاً رئيسياً للإفساح في المجال أمامه لممارسة الحكم، فلم يطل انتظاره بضعة أسابيع حتى قصد دمشق وصالَحَ نظامها. تبرّر القطيعة الناشبة بينه وبين الرئيس السوري قبل أكثر من شهر، منذ 3 تشرين الأول، سبباً إضافياً لتعذّر مواجهته العقبات الجديدة. في واقع الأمر، تبدو الأبواب الموصدة الآن بينه وبين سوريا أكثر إحكاماً في ضوء معلومات كانت قد توافرت للمسؤولين السوريين عن أن رئيس الحكومة طلب من مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى السفير جيفري فيلتمان تحرّكاً لدى الرياض لتخفيف ضغوطها عليه. واستنتجت دمشق أنّ تصاعد وتيرة التشنّج لدى الحريري، وإصراره على المحكمة الدولية والقرار الظني معاً ورفضه بتّ ملف شهود الزور في مجلس الوزراء ـــــ وهو العارف تماماً بموقف الأسد منها ـــــ مستمدة من فاعلية الدور الذي اضطلعت به واشنطن لدى المملكة.

اقترنت تلك المعلومات بأخرى في حوزة دمشق وحزب الله، كانت في مغزى التهديدات التي أطلقها نصر الله الخميس، تشير إلى اتصالات هاتفية أجراها فيلتمان بعدد من الشخصيات البارزة في قوى 14 آذار السبت الماضي، حضّها فيها على عدم التراجع عن الإصرار على القرار الظني كي لا يُشوّش ذلك على إنجازه. وأرفق هذا التشجيع بتأكيده أن القرار الظني سيكون جاهزاً للإعلان عنه في الثلث الأول من كانون الأول المقبل.



2010-11-13