ارشيف من :أخبار لبنانية

الاغتيال السياسي ممنوع في واشنطن

الاغتيال السياسي ممنوع في واشنطن
جان عزيز، الأخبار

بالتأكيد، لم يقل السيد حسن نصر اللّه كلّ ما لديه. لكنّه لمّح إلى كلّ النيّات والمخطّطات. وهو ما يمكن اختصاره بالآتي:

الأولوية الأميركية خارج لبنان، بين أمن إسرائيل وحماية مصالح واشنطن. وفي هذا السياق، كل شيء مباح: بين عامي 2004 و2005، نُسج السيناريو الأميركي وفق خطة استمالة حزب الله، لإبعاده عن دمشق، تمهيداً لضربها، على قاعدة أن سقوط النظام في سوريا، يسمح بابتلاع الباقي. وفي هذا السياق، كُلّفت باريس مهمّة عرض صفقة سنّية شيعية على حساب المسيحيين في النظام... فشل المخطّط لأسباب كثيرة: صمدت دمشق. تعثّرت واشنطن أكثر في بغداد. تبدّلت الأوضاع اللبنانية. تدخّلت تركيا لحسابات متشعّبة. وحتّى إسرائيل، قيل إنّها قالت لجماعة ريتشارد بيرل، ما معناه: مثيرة للاهتمام نظرية ساتلوف عن «الفوضى الخلاقة»، لكن، اسمحوا لنا: ممنوع أن تجرّبوها على حدودنا... لذا اذهبوا والعبوا بها بعيداً بعض الشيء...

بعد 6 أعوام، يطلّ المشروع نفسه معكوساً: هذه المرّة، المطلوب استمالة سوريا، في محاولة لإبعادها عن الحزب على قاعدة أنّ إنهاء حزب اللّه، لا بدّ أن يضرب الجسر السوري الإيراني... بعدها كل الباقي تفاصيل.

لكن بين المخطّطين، يبقى السؤال: ما علاقة كل ذلك باغتيال رفيق الحريري ومن سقط بعده؟

في الكتب ـــــ الوثائق الصادرة أخيراً، لا إشارة مباشرة إلى الأمر، لكنْ ثمة إشارتان لافتتان: الأولى تلك المسارعة إلى اتهام سوريا بالاغتيال، ومن قبل مسؤولين دوليّين كبار. والثانية، تلك العبارة الاعتراضية في حديث شيراك إلى بوش أثناء عشاء بروكسل في 21 شباط 2005، بأنّ مسؤولين آخرين من المعارضة اللبنانية لسوريا يومها، سيُقتلون بالتأكيد.

باستثناء ذلك، لا شيء حسيّاً، يربط بين مخططات سياسية مشروعة، ومؤامرات إجرامية ممنوعة...

غير أن وصول التطوّرات إلى حرب تموز، يفتح أفقاً بحثياً آخر، قد يضيء على تلك المسألة. يومها، خلال الحرب، انطلق في واشنطن نقاش واسع في مسألة حساسة: البحث في إعادة الحق القانوني الرسمي والشرعي للإدارة الأميركيّة وأجهزتها، بالقيام بعمليات اغتيالات سياسية في أنحاء العالم، لمواجهة «الإرهاب».
في الواقع القانوني، أعاد هذا النقاش إلقاء الضوء على الرئيس جيرالد فورد الذي أصدر سنة 1975، القرار التنفيذي الرقم 11905، والقاضي بتحريم الاشتراك في أي اغتيال سياسي، على أي موظف في حكومة الولايات المتحدة. والأمر نفسه عاد وأكده الرئيس رونالد ريغان في 4 كانون الأول 1981، بإصداره القرار التنفيذي رقم 12333، مضيفاً إلى التحريم، لا الموظّفين وحسب، بل أي شخص يتصرّف نيابةً عن الولايات المتحدة أو باسمها.

لكنّ النقاش نفسه لم تفُته الإشارة إلى أنّ «مدوّنة القانون العملاني» للجيش الأميركي، الصادرة سنة 1996، تمنع استهداف أي زعيم سياسي خصم، إلا إذا كان موته «ضرورياً ولا غنى عنه لضمان الاستسلام الكامل للعدو». وانطلاقاً من هذه الملاحظة ـــــ الثغرة، رأى البعض أنّ مسألة السماح الأميركي الرسمي بتنفيذ اغتيالات سياسية، ليست مرفوضة في المطلق. وبالتالي، فإنّ المسألة لا تعدو كونها موضع بحث مطلوب، في الظروف والضوابط. غير أنّ ما يعني لبنان من هذا البحث الأميركي، كون إحدى أبرز الأوراق التي خاضت فيها واشنطن يومها، والتي وضعها الباحث الأميركي المعروف بانتمائه الى فريق المحافظين الجدد، مايكل روبن، أوردت ذكر القضايا اللبنانية مراراً، في سياق تقديم «البراهين» و«الأدلّة المقنعة»، بضرورة العودة إلى السماح بالاغتيالات، على قاعدة توفير عدد ضحايا المواجهات، بين الدولة العظمى، ورعاة الإرهاب، كما سمّاهم روبن. حتّى إنه لم تفته الملاحظة أنّ «الزعيم الإيراني علي خامنئي والرئيس السوري بشار الأسد سيكونان أقل رغبة في تسهيل إمداد حزب الله والإرهابيين الآخرين لو علموا أنّ ثمن ذلك قد يكون حياة كل منهما الخاصة»، ملاحظاً ان التجربة الأميركية باغتيال أبو مصعب الزرقاوي، كما تجربة الاغتيالات الإسرائيلية لقادة «حماس»، تمثّلان نموذجاً ناجحاً للاقتداء في هذا المجال. وذلك قبل أن يختم بأنّ «من واجب المسؤولين الأميركيين اليوم العودة إلى الاغتيالات، للدفاع عن الأمّة ضد الإرهاب لتجنّب ضرر الحرب وصدماتها المتوسعة»...

طبعاً، رُفضت يومها ورقة روبن كلياً... فواشنطن لا تلجأ إلى الاغتيالات السياسية، لكن بعد وقت قصير نسبياً، كان للبنان محكمة دولية خاصة، وصارت لتلك المحكمة أهداف أخرى. وللمفارقة، كلّها من فئة الأهداف نفسها التي قيل إنّ واشنطن كانت تسعى إلى شطبها من الحياتين السياسية والجسدية، منذ فترة طويلة...

2010-11-13