ارشيف من :أخبار لبنانية

" فهمتونا غلط".. وفهمناكم صـح!

" فهمتونا غلط".. وفهمناكم صـح!

نصري الصايغ، السفير

هل نعيش حالة سوء فهم متبادل؟ هل سوء الفهم مؤقت؟

أصرّ السيد حسن نصر الله في ذكرى يوم الشهيد، على «فهمتونا غلط». وكررها مراراً، مرة للشرح، ومرة للتنبيه، ومرة للتحذير، ومرة لدرء الآتي من «أيام الماضي الآتية». (عذراً للشاعر انسي الحاج. الظرف وحده جعلنا نستبدل عنوان كتابه «ماضي الأيام الآتية»).

رابط الخطاب كان: «فهمتونا غلط».

أغلب الظن، أن المسألة ليست سوء فهم، إذ، لا يعقل أن يكون هذا البناء السياسي اللبناني، في الثقافة والسياسة والتربية والنظام و... المقاومة، هو نتاج سوء فهم. إن سوء الفهم إذا تكرر، وأصرّ أصحابه على المزيد منه، يدخل في باب الخيارات وليس في باب الأخطاء الناتجة عن سوء استعمال العقل، أو سوء استعمال الاستدلال، أو سوء استقراء التجارب المرة، الكثيرة والمفجعة.

لم يلتئم لبنان مرة في تاريخه، على الخيارات الاستراتيجية. أفضل لحظات وفاقه الوطني، عندما يكون الاقليم في حالة غيبوبة، أو عندما تكون القوى العظمى، في حالة انشغال في قضايا دولية نائية.

هو هكذا. منذ التأسيس، أو، حتى من قبل. كيان يعرج على عكازين، بشكل غير مستقيم، وغالبا ما يتعثر ويقع.

هو هكذا. نصفه هنا ونصفه ضد الهُنا. وهو مع الهناك.

وعليه، فالمسألة ليست «فهمتونا غلط»... لأنهم يجيدون القراءة جيداً، لكن في كتاب آخر. وقد تناوب على تأليفه، جهابذة الانعزال، ومفكرو الحياد، ومنظرو «قوة لبنان في ضعفه»، ومفلسفو الاعتدال، ومروجو بضائع «المجتمع الدولي».

هذا كتاب من كتب التأسيس للبنان. وقد جاء من يحاول تأسيساً جديداً. ولقد كان لهذا التأسيس منطق آخر ونص آخر، يتبنى مذهباً نقيضا لمذهب الانعزال و... وصولاً إلى مذهب الانحناء أمام نصائح «المجتمع الدولي»، والتنازل أمام أوامر مؤسساته.

حجر الزاوية كان تغييراً في الاتجاه: لا ينبغي أن يبقى لبنان، نتاج لاءين: لا للشرق ولا للغرب. لا ينبغي أن يكون عنوانه الدائم «هيك وهيك»، كمكان اقامة دائم، كما اختارها له رئيس الحكومة الأسبق الحاج حسين العويني.

لبنان، الذي أراده الفرنسيون شارداً، طائراً في غير سربه، جسر عبور، ملجأ للأقليات، رأس سوق للغرب باتجاه الشرق ومستودع أموال للعرب الخائفين على جيوبهم وحقائبهم... هذا اللبنان، جرّب هذه الصيغة وفشل. جرّب الهروب من العروبة، فحضر عبد الناصر إليه، بقوميين عرب لبنانيين غير مستوردين من الخارج، لأن أصل العروبة لبناني/شامي. جرب الهروب من فلسطين، ونأى بنفسه عن المشاركة، فحضرت فلسطين بكامل عدتها، كقضية وكمقاومة، وأقامت فيه روحاً... جرب الهروب من دمشق، فأقامت فيه وفوقه وعليه... جرب أميركا، فأحضرت المارينز مرتين وغرقت في رمال الأوزاعي... جرب فرنسا، فنال منها ما لم تنله مستعمرة لها في افريقيا. جرّب اسرائيل، فحضرت بآلتها المدمرة، واغتصبت وأشادت رئاسة لأيام، وفجرت مقاومة بلا هوادة.

لا يقع ذلك في سوء الفهم، بل في سوء الخيارات. ليست المسألة «فهمتونا غلط». انهم أصحاب فهم آخر. والمقاومة صاحبة فهم جديد. وهي تحاول تأسيس الكيان، على قاعدة القوة وليس على ناصية الضعف. والقوة مكلفة، وثمنها باهظ، فيما الضعف يعفي النفس من الجهد، ويستسيغ الاتكال على... واللائحة تطول.

الرابع عشر من آذار، فريق له جذوره في «الفهم اللبناني» الخاص بمرحلة «لبنان أولا». وهو شعار كتائبي بحت، وقواتي مؤصل. ومنه انتقل إلى «مصر أولا» مع السادات، وإلى «العراق أولاً» مع الاحتلال ومن معه ومن خلفه ومن ساومه... هذا ليس جديداً بالمرة.

أما وقد انجزت المقاومة بالتجربة، ما لم تنجزه دول وجيوش وجحافل وآبار نفط، وشعارات، وأمم متحدة، وجامعة عربية، فإنها وضعت الجميع، هنا وهناك العربي، وهنالك الأجنبي، في موضع الدفاع المستميت عن فلسفة الضعف كنتاج لفلسفة الانعزال، (وهو ليس انعزالا لبنانيا أبداً، فالانعزالية العربية تمتد من المحيط الخائب إلى الخليج العائب).

في المواجهة بين آفة الضعف المتمكنة من كثيرين، في الثقافة والسياسة والاجتماع والمصالح، ونعمة المقاومة، المتمكنة من تقرير مصائر الماضي القريب والمستقبل الأقرب، لا مفر من السؤال: كيف يدار الصراع، بين 14 آذار و8 آذار، بين «لبنان أولا» و«المقاومة دائماً».

انتصار المقاومة في فصول المواجهة الأربعة، يشير إلى أن الانتصار الخامس على الأبواب. فماذا عن الفصل السادس والسابع وما يليهما؟

أليس من حقنا أن «نفهم صح»؟ أليس من حقنا أن نعرف الجواب: «متى يكون لبنان كله أولاً، بجيشه وشعبه ومقاومته، مقاومة مصانة، محروسة بنظام سياسي من طبيعتها، وثقافة من صلبها، وتربية من جدواها، وإيمان بعدالتها.

إلى السيد نقول: «فهمناكم صح»... أما «فهمتونا غلط» فتحتاج إلى تصحيح... الآخرون في لبنان يفهمون... لكنهم يقرأون حواشي السياسة، ولا ينتظمون في متن القضايا.

2010-11-13