ارشيف من :أخبار لبنانية

يشهدون زوراً.. ويولَّون العصمة!

يشهدون زوراً.. ويولَّون العصمة!

صحيفة "السفير" - أحمد زين

لطالما كان شاهد الزور في تاريخ عمل المحاكم إحدى الأدوات المؤدية الى كشف الحقيقة، فيتحول بذلك إلى شاهد إثبات. أما في لبنان، وفي قضية اغتيال رئيس حكومة، فهناك من يعرقل مثل هذا التحول بدليل ما يحصل في مجلس الوزراء منذ شهر آب الماضي حتى الآن.

والمضحك المبكي أن القضية التي وضعت على جدول أعمال مجلس الوزراء منذ منتصف الصيف الماضي، ورغم أنها من متفرعات قضية محالة على المجلس العدلي ورغم ان «ولي الدم» ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري شهد على رؤوس الأشهاد بالتزوير الذي مارسه «الشهود المعصومون» ولم تتحرك جهة ما لوضع يدها على القضية بالاستناد إلى هذا «الإخبار» الرسمي، فإن الأمر الغريب والعجيب أن مجلس الوزراء الذي تناط به السلطة الإجرائية ويضع السياسة العامة للدولة لا يريد أن يقدم على خطوة ناقصة قد تتأتى عن إحالة الشهود إلى المجلس العدلي أو القضاء المختص والتثبت من أن هناك ملفاً لشهود زور لإحالته إلى القضاء!

ومبرر العجب والغرابة في هذا المنحى ليس الدقة والحرص الشديد على تجنب الخطأ من قبل مجلس الوزراء، بل في كون قضية بهذا المستوى والحجم الذي زعزع استقرار لبنان لا بل المنطقة برمتها، تتوقف إجراءات كشفها باللجوء إلى مقولة «تنازع القوانين» الداخلية رغم انه لو كانت القوانين والأعراف تحتمل إحالتها إلى هذه الجهة أو تلك أو ان النصوص غامضة لكان على مجلس الوزراء أن يقول كلمته فوراً حتى وان لجأ إلى «القرعة» للاستعجال في محاكمة «شهود الزور» الذين هم «شهود إثبات» إذا ما مثلوا أمام قضاء عادل ونزيه، فالمصلحة الوطنية العليا كانت دائماً تحلل المحرمات وحتى الأديان السماوية تعترف بذلك واستطراداً لو لم يكن هناك من نص يحكم مثل هذه الحالة ولا يلامسها من قريب أو بعيد أوليس من مسؤوليات مجلس الوزراء أن يعد مشروع قانون معجل لإنجاز مثل هذه المسؤولية؟

هنا لا بد من طرح سؤالين على سبيل المعرفة: هل قضية الشهود الزور التي هي من متفرعات القضية الأساس المحالة إلى المجلس العدلي تتطلب إحالة جديدة أم أنه بإمكان المجلس ان يضع يده عليها تلقائيا من دون إحالة جديدة؟ وهل يعتبر إعلان رئيس الحكومة عن وجود شهود زور في قضية ما وأنه كان من تداعيات تلك الشهادات تخريب علاقات لبنان مع دول عربية، كافيا لوضع القضاء المختص يده على القضية أم ان وضع اليد يتطلب إشارة مكتوبة أو شفوية من يد أخرى؟.

وبصرف النظر عن أهمية قضية الشهود الزور وخطورتها، فإن ما يجري يطرح قضية أخرى في الأساس تتمثل في تشكيل الحكومة التي ليس فيها أكثرية تملك القدرة على اتخاذ القرارات بمفردها، بدليل أنه ليس بمقدور أي من الفريقين اتخاذ قرار بالأكثرية بالاحالة الى القضاء العادي أو المجلس العدلي.

فقضية الشهود، رغم تميزها في كونها ترتبط بجريمة العصر، إلا انها مماثلة لقضايا أخرى تباينت آراء الوزراء في شأنها فتعطل إقرار ما هو مطلوب في شأنها أو تأجيله فترات طويلة. فكيف يمكن قراءة هذه الاشكالية المتأتية عن تشكيل الحكومة على ضوء الوقائع والنظام والنصوص؟ واستطراداً، هل عرقلة اتخاذ القرارات واحدة من علل النظام البرلماني الديموقراطي التي لم يجد لها حلاً أم انها حالة استثنائية نشهدها اليوم؟

عندما تشكلت الحكومة الحالية تمسكت المعارضة السابقة بما سمي «الثلث المعطل» أي الثلث + واحداً من المقاعد الوزارية، وتمسكت الموالاة بنصف المقاعد + واحداً قبل أن يتم ابرام صيغة الوزير الملك + الثلث للمعارضة، و15+ الوزير الملك للموالاة، ليصبح رئيس الجمهورية هو المرجح.

ويبدو من الوهلة الأولى ان حق الموالين الذين كانوا يمثلون الأكثرية في مجلس النواب قد انتقص. فالنظام البرلماني الديموقراطي، وهو المعتمد في لبنان، من قواعده الأساسية ان الحكومة تتشكل من أكثرية تحكم وأقلية تعارض. وتسلح نواب هذا الفريق ومجتهدوه بهذه القاعدة من دون أن يأخذوا بأن قواعد النظام متلازمة مترابطة لا يمكن فصلها بعضها عن بعض. فعندما اعتمد النظام القاعدة في تشكيل الحكومة من أكثرية تحكم انطلق من قاعدة أخرى تقول باعتماد قاعدة الترشح الحزبي في الانتخابات النيابية. وبهذا المعنى فإن تشكيل الحكومة من أكثرية هو نتيجة مبدأ الترشح وليس مبدأ منفصلا مستقلا عما عداه.

ومهما كان الأمر فإن الحل جاء بما عرف باتفاق الدوحة الذي مهما قيل فيه فإنه لم يخرق قاعدة من قواعد النظام البرلماني الديموقراطي عندما لم يعترف بأكثرية تحكم عبر تشكيل الحكومة من طرف واحد. ويبدو اتفاق الدوحة من الوهلة الأولى انه مجرد اتفاق سياسي مرحلي كان الهدف منه حل أزمة تأليف الوزارة. ولكن إذا كان مثل هذا الاعتقاد صحيحاً، وهو كذلك بالتأكيد، إلا انه في الوقت نفسه جاء مستنداً إلى مفاهيم دستورية ولا ندري إذا ما كان مثل هذا الإسناد قد جاء عن قصد أم عن غير قصد، إلا انه مهما كان، فإنه يبرز واحداً من الحلول التي أخذ بها الدستور اللبناني لحل عقدة من العقد التي يواجهها النظام البرلماني الديموقراطي.

فقواعد النظام الأساسية افترضت ان حزباً ما سيكون ممثلا بأكثرية في مجلس النواب. فإذا ما حصل ذلك يظهر النظام سلساً مرناً قابلاً للحياة، ولكن ماذا إذا تشكل المجلس من كتل سياسية فسيفسائية، كل واحدة منها بلون، وإذا كان الترشح في الانتخابات النيابية عشوائيا لا يحكمه الترشح على أساس الأحزاب؟

إزاء الأزمات التي كانت تواجه عملية تأليف الوزارات في لبنان تاريخيا، ابتدع اتفاق الطائف حلاً وضع مفتاحه بيد رئيس الجمهورية وحده وليس بيد من يكلف تشكيل الحكومة.

هذا الحل لا يزيد ولا ينقص عن كلمة واحدة وردت في المادة 53 ـ دستور وتحديدا في نص فقرتها الرابعة التي جاء فيها ان رئيس الجمهورية يصدر «بالاتفاق» مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة. فاتفاق من يكلف تشكيل الحكومة مع رئيس الجمهورية موجب ولو لم يكن كذلك لحذفت كلمة «بالاتفاق» من دون أن تتغير قراءة الفقرة. وعندما لا يتفق رئيس الجمهورية مع من يكلف التشكيل إلا على توزيع الحقائب الوزارية من دون إيلاء أي كتلة إمكانية اتخاذ القرارات وحدها لا بد من أن يكون له حصة في اختيار الوزراء، وبهذا يكون رئيس الجمهورية قد حقق أكثر من إجراء، ومن تلك الإجراءات: حل عقدة الانفصام بين أصول النظام البرلماني الديموقراطي وعدم اعتماد النظام الحزبي في الانتخابات النيابية. وتأمين وسيلة أساسية لممارسة دور الحكم في مجلس الوزراء.

بهذا يمكن القول ان الدستور اللبناني المبني على اتفاق الطائف قد ابتدع طريقة لحل ما يمكن أن تتعرض له ممارسة النسخة التي يعتمدها من النظام البرلماني الديموقراطي... وفي هذا دليل جديد على قدرة كلمة واحدة و«عبقرية»، لمن اجتمعوا في الطائف، على إيجاد تخريجة، فهل نجد من يمارس تلك «العبقرية» فيجد مخرجا لقضية الشهود الزور في مجلس الوزراء؟


2010-11-16