ارشيف من :أخبار لبنانية
إما كبارة وإما بكري؟
صحيفة "الأخبار" - ابراهيم الأمين
هدنة الأعياد التي يجري الحديث عنها الآن، والتي بشّر بها طرفا الصراع، أي السيد حسن نصر الله وبعده الرئيس سعد الحريري، هي هدنة لها ما يبرّرها، لأن الجميع في حالة انتظار، ولعبة الأوراق المستورة تسود طاولة اللاعبين الكبار في لبنان وفي المنطقة، ويصعب توقع نتائج استثنائية في وقت قريب جداً.
في حسابات الأطراف الأساسية، يمكن ملاحظة الآتي:
ـــــ من جانب حزب الله، ثمة اقتناع يتكوّن أكثر من السابق بأن صدور القرار الاتهامي أمر شبه محتوم، وأن إمكان تأجيله أو إلغائه يحتاج إلى دور استثنائي من جانب السعودية، وهو أمر غير محسوم بعد. لكن الأهم بالنسبة إلى الحزب، هو أن عملية المواجهة مع المحكمة ومع المتعاونين معها داخلياً، انطلقت فعلاً، وأن ما جرى حتى الآن يمكن اعتباره عنصراً إيجابياً، وخصوصاً على صعيد معركة الرأي العام.
كذلك، فإن في حزب الله اقتناع بأن الأمور لا تسير باتجاه مواجهة شاملة كما يفترض كثيرون، وأن الحزب الذي يملك القدرات الكبيرة، سياسياً وأمنياً وعسكرياً، وحضوراً كبيراً داخلياً وإقيلمياً، ليس مضطراً إلى إدارة الأمور بالطريقة التي يتصوّرها البعض له. لكنّه حريص أكثر من أي وقت على عدم الانجرار إلى أي نوع من المواجهات المسلحة. ومع ذلك، فإن الحزب يلفت إلى أن أي محاولة من جانب الخارج أو من جانب أطراف داخلية للتآمر عليه وعلى المقاومة قد تسقط هذا الحرص وتقود نحو أوضاع جديدة.
وفي رأي العقل البارد في حزب الله، فإن أي تسوية يمكن أن تحصل قبل صدور القرار الاتهامي ستكون لها مفاعيلها الحاسمة داخلياً، بينما ستكون الأمور مختلفة كلياً في حال صدور القرار.
ـــــ من جانب الرئيس سعد الحريري، فإنه الآن يقف عند حافة الهاوية. ثمة استنفار في محيطه وبين كوادره، وثمة خطط متنوعة، بينها ما يخصّ مرحلة صدور القرار الاتهامي وما بعد ذلك وتصورات وتقديرات بشأن طريقة تعامل حزب الله مع الأمر. لكن الواضح أن الحريري يرفض الآن أي نوع من المساومة على المحكمة أو على القرار الاتهامي، وهو يميل إلى القول إن أي تسوية لن يكون لها مكان قبل صدور القرار الاتهامي.
ويعتقد الحريري أن القرار سيصدر قبل نهاية السنة، وهو يدعو المقرّبين منه إلى التعامل مع الأمر بجدية، وأنه لن يقبل بأي نوع من التفاوض قبل صدور القرار، وهو مستعد لتسويات تمنع الانفجار ولكن ليس بأي ثمن، وهو يشير إلى أن المناخات الإقليمية والدولية لا تساعد كثيراً على حل سريع، لكنه يترك للسعودية أمر التفاوض مع سوريا ومع دول أخرى، وهو متفهّم لأي حل، شرط ألّا يفرض عليه فرضاً.
يتصرف المقرّبون من الحريري على أساس أن المواجهة آتية، وأن المسألة الآن مختصرة في عملية كسب للوقت، وأن المهم هو عدم الرضوخ تحت ما يسمّيه هؤلاء «تهويلات الطرف الآخر»، وهم يوردون في معرض تقديرهم لما ستكون عليه الأوضاع لاحقاً، أن حزب الله لن يكون حراً، ولن يكون قادراً على القيام بعمل كبير من النوع الذي حصل في 7 أيار من عام 2008، وأنه إزاء احتمال حصول ذلك، فإن الحريري وأنصاره سيخوضون معركة «سلمية لتحرير المدن من أي احتلال يقوم به حزب الله، وأن الجمهور مستعد لمواجهة من هذا النوع».
في غضون مرحلة الانتظار هذه، تبدو الأطراف المعنية في وضعية الانتظار المقلق، لكن الجميع يتهيّب الحديث عن انفجار كبير، وهو ما يؤثر عملياً على تصرفات الجمهور وسلوك القيادات السياسية من الدرجتين الثانية والثالثة، وخصوصاً أن الانتظار يمنع كلا الطرفين من الانجرار إلى معركة في غير التوقيت المناسب، ما يدفع إلى الاعتقاد بأننا نعيش مرحلة تجميع الأوراق التفاوضية للمرحلة المقبلة أو لمرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي. وقد تفرض هذه العملية سلسلة من الخطوات، من بينها تعطيل أو تجميد عمل مجلس الوزراء لمنع فريق الحريري من خسارة ورقة شهود الزور، فيما لا يبدو الطرف الآخر مستعداً لترك الأمور تسير كأن شيئاً لا يحصل.
أما على صعيد المؤسسات الرسمية، وخصوصاً الأمنية منها، فإن أجواء القلق لا تقل خطورة وتوتّراً، ولا سيما أن السيناريوات المتداولة تشير إلى احتمالات كثيرة، من بينها تعرّض المؤسسات الأمنية الرسمية بدورها لضربات غير عسكرية لكنها تؤدي إلى شللها.
ولأن الواقع الذي يعيشه فريق الحريري دقيق للغاية، فإن الخطوات من جانبه تأخذ شكلاً مختلفاً. وفي هذا السياق، يمكن تفسير خطوة اعتقال أو توقيف الداعية السلفي عمر بكري في طرابلس أمس على أيدي عناصر من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وفي مدينة طرابلس على وجه التحديد، إذ فُسّرت الخطوة بأنها إشارة عملية من الجهاز المذكور إلى جهوزية عملانية لديه، وأنه يحكم السيطرة على مفاصل رئيسية في عاصمة الشمال. كذلك هي إشارة اعتراض على أي مسعى لتحويل موقف الداعية بكري الرافض للمحكمة الدولية أو التعاون معها إلى موقف قابل للتعميم، سواء أكان في صفوف الإسلاميين أم وسط أجواء شعبية أخرى.
لكن يبدو أن ثمة رسالة أكثر حساسية وُجّهت إلى القواعد الاجتماعية والطائفية التي يمثّلها بكري، وهي أن على القيادات الوسطية أن تأخذ في الاعتبار أنها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانضواء في المعركة على طريقة النائب محمد كبارة، وإما التعرّض للتهميش والتهشيم على طريقة عمر بكري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018