ارشيف من :أخبار لبنانية
بين «المسدس في رأس الحريري».. و«السكين في ظهر المقاومة» : القرار الاتهامي «يؤجج» الهواجس المتبادلة
صحيفة "السفير" - عماد مرمل
عكست طبيعة الردود على خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في يوم الشهيد شكلا نافرا من أشكال "حوار الطرشان" الذي يدور في البلد.
صحيح ان القوى السياسية المتصارعة تجلس الى مقاعد متجاورة في مجلسي النواب والوزراء وحول طاولة الحوار، ولكن الصحيح أيضا أن كل هذه الأطر باتت أقرب الى أن تكون «خطوط تماس»، أكثر منها أقنية للتواصل.
من الواضح أن أحدا لا «يستمع» الى الآخر وإن كان يسمعه. كل طرف يتعاطى مع القوى الأخرى انطلاقا من أفكار مسبقة وقوالب جامدة، مستخدما المقص السياسي والاستنسابي في مقاربة خطاب الخصم، فيهمل ما يشاء ويرد على ما يشاء.
والأرجح أن القرار الاتهامي المتوقع صدوره عن المدعي العام الدولي دانيال بيلمار لن يكون الأول من نوعه، ذلك أن الساحة اللبنانية تزدحم بالقرارات الاتهامية المتبادلة التي تحاسب النوايا وتطلق العنان لمحاكمات غيابية. الكل يتهم الكل، ولا حرج لدى أحد في إصدار أحكام مبرمة غير قابلة للاستئناف.. إلا تحت ضغط إقليمي أو دولي يفرض عادة التسويات.
ولعل الخطاب الأخير للسيد نصر الله كان أحد ضحايا «القراءات الموجهة» التي تختزل المضمون وتختصره، بما يتلاءم وحسابات اللحظة. هكذا، اختار العديد من قوى 14 آذار تجاهل العديد من جوانب الخطاب والتركيز على الكلام المنسوب الى وزير الخارجية الاميركي الأسبق هنري كيسنجر، بحيث باتت كل المسألة تنحصر في ما إذا كان الكلام الذي استشهد به نصر الله يشكل وثيقة تحمل توقيع كيسنجر ام انه مجرد اجتهاد لأحد الصحافيين.
افترض البعض في 14 آذار ان هذه النقطة الملتبسة تمثل «الخاصرة الرخوة» في كلام نصر الله وانه يمكن البناء عليها للتشكيك في مصداقية كل ما أورده الامين العام لحزب الله بشأن حرب تموز وغيرها، وصولا الى استدراج النقاش نحو اتجاه آخر. كاد الغبار المفتعل حول رسالة كيسنجر يغطي على جوهر ما طرحه نصر الله والمتصل بجوهر التحدي الراهن الذي يواجه لبنان، والفرصة المتاحة لمواجهته من خلال المبادرة السعودية - السورية، حتى إن الأميركيين كادوا أن يتدخلوا للقول إن ما نسب الى كيسنجر ليس صحيحا كوثيقة لكن المضمون دقيق لأن أميركا هكذا تفكر ومن يفترض العكس عليه أن يبرهن ذلك.
اختار الرئيس سعد الحريري من جهته أن يجيب «السيد» على طريقته، مؤكدا أن «أحدا لا يمكنه أن يهددني لكي أقوم بما يريد، فأنا لا أعمل بهذا المنطق ولا أنصاع للتهديد، لكن بالحوار الهادئ والبناء أنا مستعد أن أتحاور، أما أن يضع أحدهم المسدس على رأسي ويقول لي إن هذه هي الطريقة التي يجب أن تعمل على أساسها فهذا غير مقبول».
لكن، وقبل أن يجف حبر موقف الحريري، أضاف رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد «ملحقا» بالغ الدلالة إلى خطاب نصر الله: «خياراتنا ستكون واضحة وحاسمة إذا ما اخطأ الآخرون التقدير، وهي ستطال ما نريد أن نطاله في يسر وبسرعة لنحفظ المقاومة ونجنب البلد فتنة سنية شيعية. نحن فتحنا الطريق لمساعي تفضي إلى الاستقرار والتفاهم، ولكن حذار من الغدر بمسيرتنا أو من الطعن في ظهرنا، لأننا قادرون على أن نرد الطعنة بما هو أوجع منها وأكثر إيلاما».
انه الصدام بين الهواجس المتبادلة: الحريري يشعر بأن «حزب الله» يضع المسدس في رأسه، والحزب يعتقد بأن هناك من يحاول طعنه بسكين في ظهره. هي أزمة ثقة عميقة تعكس مدى الافتراق الحاصل بين طرفي المواجهة والاستقرار في لبنان.
يعتبر بعض المقربين من رئيس الحكومة أن «حزب الله» لا يؤمن المناخ الملائم من اجل نقاش منتج، وأنه يستخدم خطابا تهويليا يدفع الحريري قسرا إلى زاوية التشدد لأن أي تنازل في مثل هذه الحال سيبدو تخاذلا، وهذا ما لا يستطيع الحريري القبول به أو تسويقه، لا سيما انه متهم من قبل الصقور حوله بتقديم تنازلات سياسية غير مبررة للمعارضة تحت قوة استخدام السلاح في 7 أيار، ما زالت مفاعيلها سارية حتى الآن، وهو ليس مستعدا لتكرار التجربة، وهذه المرة عبر تهديده.. باسـتخدام السلاح.
ويعتقد هؤلاء أن الحزب يُصعب المهمة على رئيس الحكومة بدلا من أن يسهلها، لافتين الانتباه إلى وجوب الأخذ بالاعتبار حساسية موقع الحريري الذي يُطلب منه الكثير وأحيانا المستحيل، من دون أن يجد الآخرون أن هناك ضرورة لكي يلاقوه في منتصف الطريق.
تختلف صورة الحريري حين يتم تظهيرها من قبل أوساط المعارضة. بالنسبة إلى أحد قيادييها البارزين، «هو يتمسكن.. حتى يتمكن»، لان المعادلة مقلوبة، والحقيقة ان هناك من يحاول ان يضع سكين القرار الاتهامي في ظهر المقاومة، لا العكس، وإذا كان الحريري لا يحاور والمسدس في رأسه، فإن المقاومة لن تسمح بأن تؤخذ على حين غرة وأن تقبل بوضع حبل المقصلة في رقبتها وهي تضحك وتشكر من يقوم بذلك».
ويستشهد القيادي المذكور، في معرض تأكيد صحة قراءته، بما أدلى به البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي دعا الى إصدار القرار الاتهامي لإحقاق العدالة ولو ترتبت عليه تداعيات، مستغربا كيف ان البطريرك صفير لم يهتم كثيرا للعدالة حين دعم إصدار العفو عن قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع على الرغم من صدور أحكام مبرمة بحقه، خاصة في قضية رئيس الوزراء الشهيد رشيد كرامي بينما يبدي كل هذه الحماسة لقرار ظني تحوم حوله الشبهات.
وينصح القيادي البارز في المعارضة المعنيين بأن يقرأوا جيدا كلام نصر الله الذي حدد الاحتمالات ومردود كل منها، وأن يتمعنوا في قول رعد بأن لدى الحزب خيارات تجمع بين اليسر والسرعة في الحسم إذا أخفقت مبادرة الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد، «مع التشديد على ان السعودية تبقى صاحبة دور محوري في المعالجة، لأن الملك عبد الله يستطيع في لحظة الحقيقة ان يأتي بالحريري الى التسوية، متى اختمرت، وعندها ستقتصر فعالية كل من يرفضها على التشويش الذي لن يبلغ حد التعطيل».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018