ارشيف من :أخبار لبنانية

خيط رفيع بين الدور التوافقي والانحياز الحتمي

خيط رفيع بين الدور التوافقي والانحياز الحتمي

نقولا ناصيف، الأخبار

 لم يكن البيان الصادر عن القمّة اللبنانية ـ السورية شافياً وكافياً في مرحلة تبتلع المآزق المتفاقمة العناوين العريضة، غير المعبّرة سوى عن استمرارها. عاد رئيس الجمهورية من قمّة دمشق بخلاصة يتيمة عبّر عنها أمام معاونيه: زيارة معايدة


رغم التقشف الذي طبع القمّة اللبنانية ـــــ السورية، الخامسة منذ انتخاب الرئيس ميشال سليمان قبل سنتين ونصف السنة، ومحاولتها تأكيد الحوار المباشر المستمر بين رئيس الجمهورية والرئيس السوري بشّار الأسد، فإن النتائج المتوخاة منها ظلّت متواضعة، وغير قادرة على الدخول طرفاً في حلّ لم يعد بين أيدي اللبنانيين، ولا بين يدي الرئيسين اللبناني والسوري وحدهما.

هكذا انتهى البيان الرسمي عن قمّة غابت عنها مظاهر الاستقبال الرسمي بكل عناصره ودلالاته، وامتنع سليمان عن اصطحاب أي من معاونيه إلى دمشق للمشاركة في اجتماع موسع في الغالب يسبق الخلوة الثنانية، وأحجم عن التحدّث عن حصيلة القمة بعيد عودته.

غير أن محادثات رئيس الجمهورية مع نظيره السوري، ما خلا أهمية إبقاء التواصل المباشر قائماً، وكان قد أعلم قلة من معاونيه قبل ساعات قليلة عن قراره التوجّه إلى القمّة الخامسة، تصطدم بوقائع تبطّئ مقدرتها على الانضمام إلى التسوية المؤجلة بين السعودية وسوريا. وأبرزها:

1 ـــــ أن سليمان يذهب إلى الأسد من غير أن يكون مفوّضاً إليه من أي من قوى 8 و14 آذار طرح أفكار أو مسوّدة تفاهم يلتقيان عليها، في النزاع القائم بينهما على ملف شهود الزور. بل يذهب حاملاً الأفكار نفسها التي برّرت، ولا تزال، موقعه التوافقي، وهو ألّا ينحاز إلى أي من الطرفين المتنازعين اللذين يتصرّف كل منهما باستقلال كامل عن رئيس الدولة. بذلك، لا يبدو الرئيس التوافقي الذي يحتاج الأفرقاء اللبنانيون إلى دوره، أنه أقواهم.


في حال كهذه، حيث التسوية تأخذ في الحسبان مزيجاً من التنازلات المتبادلة بين قوى 8 و14 آذار، لا يجد رئيس الجمهورية مكاناً راسخاً له لإدارة حلّ تصنعه الرياض ودمشق، وتكفلان حمايته من أي اهتزاز أو انهيار. كذلك، لم يكن في القمّة الثلاثية السعودية ـــــ السورية ـــــ اللبنانية في قصر بعبدا في 30 تموز الشريك الفعلي، بل مضيفاً للملك عبد الله والأسد اللذين ـــــ إلى الآن ـــــ يمسكان بناصية الاستقرار الأمني وثبات حكومة الرئيس سعد الحريري. في الأيام الأخيرة من الاشتباك القائم، لم يسع رئيس الجمهورية سوى الحؤول دون طرح ملف شهود الزور على التصويت في جلسة مجلس الوزراء، تفادياً لانقسام السلطة الإجرائية.

2 ـــــ لأن دوره توافقي، لا يسع الرئيس الاضطلاع به إلا في ظلّ تفاهم طرفي النزاع داخل السلطة. بيد أنه يفقد هذا الدور عندما ينقسمان ويتعذّر التوافق بينهما. الأمر الذي خبره سليمان في الحكومة الثانية للرئيس فؤاد السنيورة بين عامي 2008 و2009، فتفادت المعارضة استخدام الثلث +1، ولم يرَ سليمان مبرّراً للاحتكام إلى التصويت. لم يفلح في إنجاح الجلسة الأخيرة لطاولة الحوار الوطني، ولا في تجنيب طرفي الحكومة الانقسام. ولم يكن تجاهل التصويت على ملف شهود الزور، إلا جزءاً من تفاهم ضمني لم تكن دمشق بعيدة عنه.

3 ـــــ ما كان سمعه الحريري من الرئيس السوري أكثر من مرة، تناولته قمّة دمشق الثلاثاء تلميحاً. وهو أن الأسد لا ينظر إلى الدور التوافقي للرئيس اللبناني على أنه قاعدة راسخة تعمّم في كل شأن، بما في ذلك تلك الوثيقة الصلة بالمصالح الاستراتجية. بل ترى دمشق، تبعاً لمطلعين عن قرب على موقفها، أن الدور التوافقي لرئيس الجمهورية بين قوى 8 و14 آذار يقتصر على قضايا الحكم والإدارة ومعالجة الملفات الداخلية، على نحو يمكّن الرئيس من الاضطلاع بدور الحكم، بصفته رئيساً توافقياً، في مقاربة اقتسام الحصص والتعيينات والنهوض بالإدارة وخطط الإعمار والإصلاح والقوانين، وكل ما من شأنه توجيه الدولة. بيد أن الدور التوافقي يتناقض والحال هذه، من وجهة نظر سوريا، مع كل ما يمسّ الخيارات الاستراتيجية كالصراع العربي ـــــ الإسرائيلي والسياسة الخارجية للبنان والعلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية وحماية سلاح حزب الله. من ضمن هذا التصنيف، تدخل المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري والقرار الظني وملف شهود الزور، وقد باتت هذه الملفات جزءاً لا يتجزأ من استهداف المقاومة وسلاحها.

كان الحريري قد سمع مراراً وجهة النظر هذه، وتبلغ من الأسد في اجتماعاتهما الخمسة المتتالية منذ 11 شهراً، أن القياس الرئيسي للعلاقات المميّزة بين البلدين يشمل موقع لبنان من الصراع مع إسرائيل. تبعاً لذلك، يقيم سلاح حزب الله في صلب هذا الصراع.

الواضح، تبعاً للمطلعين على وجهة نظرها، لا يسع دمشق التسليم بموقع وسطي أو توافقي في أزمة طرفاها حزب الله وإسرائيل، أو في ملف كالمحكمة الدولية والقرار الظني، تقول سوريا إنهما يستهدفان حزب الله وسلاحه. بل تنظر بكثير من المغالاة ـــــ لتدعيم وجهة نظرها هذه ـــــ إلى أن الدور التوافقي لا يصحّ بين قوى 8 و14 آذار حتى، في تلك الملفات أو في السياسة الخارجية للبنان، حيث ينتهج كل من الطرفين سياسة ويرسي شبكة علاقات إقليمية ودولية متناقضة مع الآخر، وإن بدا أنه يمكن إيجاد مقارنة مختلفة لوجهة النظر هذه في الملفات الداخلية.

بالتأكيد لم تخبر سوريا مع الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود تجربة الدور التوافقي لرئيس الجمهورية، فكانا وثيقي التعاون معها في كل الملفات بلا استثناء، وكانا منحازين بكليتهما إلى الدور السوري في لبنان وتحالفاته السياسية بلا استثناء أيضاً. إلا أنها خبرت عن قرب الدور التوافقي لسليمان عندما كان قائداً للجيش ونجح، في الصراع الداخلي بين قوى 8 و14 آذار بين عامي 2005 و2008، في أن ينأى بالجيش عنهما في الانقسام السياسي الداخلي، وكان كل منهما يحمل مشروعاً استراتيجياً مناقضاً للآخر بتشعّباته الداخلية والخارجية، ولا يزال. لكن قائد الجيش خاض المواجهة مع إسرائيل في حرب تموز 2006 من أجل الدفاع عن المقاومة.


حمل سليمان التجربة نفسها لدى انتقاله من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية، من غير أن تصحّ بالضرورة صدقيتها في ملفات، تقول سوريا إنها تستهدفها نظاماً وتستهدف سلاح المقاومة، شأن المحكمة الدولية، بدءاً بالقرار الظني المتوقع صدوره.

حملت ملاحظات دمشق على الدور التوافقي لسليمان، مسؤولاً سورياً رفيعاً على القول إنه لا يرى مبرّراً لعدم وضوح موقف الرئيس اللبناني، إذ يتمسّك بالتوافق في مشكلة ليست عادية ولا عابرة، أو بسيطة، بل تطاول مصير لبنان برمته، وخصوصاً استقراره عندما يتعلق الأمر باتهام القرار الظني حزب الله باغتيال الرئيس السابق للحكومة.

كان المسؤول السوري الرفيع يجري مقارنة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، ولفت إلى أن سوريا تفهّمت التحوّل التدريجي لجنبلاط من قوى 14 آذار إلى الفريق الآخر، والحرج الذي واجهه في بعض أوساطه وشارعه، إلا أن الزعيم الدرزي لم يضع نفسه في منزلة وسطية أو توافقية في الخيارات الاستراتيجية، وقد جرّبها في مواقع متناقضة. في حين أن رئيس الجمهورية لم يخبر انتقالاً كهذا من موقع إلى آخر، ولا أخلّ بدوره في الخيارات الاستراتيجية عندما كان قائداً للجيش، ولا كان حينذاك توافقياً، وخصوصاً بين إسرائيل والمقاومة.

4 ـــــ لم يطفُ الودّ الشخصي بين الرئيسين السوري واللبناني إلى السطح تماماً، ولا توحي علاقتهما، على وفرة المكالمات الهاتفية الدورية التي يتبادلانها، بخصوصية كالتي يعبّر عنها الأسد عندما يتحدّث عن العاهل السعودي. ليست كذلك كعلاقة الرئيس حافظ الأسد بالرئيس الياس الهراوي، وعلاقة الرئيس بشّار الأسد بالرئيس إميل لحود.

كان الأسد يقول أمام زواره إنه أنجز علاقة شخصية وصادقة وصافية مع عبد الله، واتفق معه، منذ مصالحتهما في الكويت في كانون الثاني 2009، على أنه مهما تبلغ خلافاتهما في الرأي، لن يسمحا بعودة علاقتهما إلى النقطة الصفر والقطيعة، على غرار ما خبراه بين أعوام 2005 و2008، وأنهما كرّسا بمصالحتهما هذه اتفاقاً على الحؤول دون اندلاع فتن في دول لكل منهما نفوذه فيها. ورغم مرور وقت، منذ قمّة دمشق بين الرجلين في 29 تموز، وتفاهمهما خلالها على اضطلاع الملك بدور محوري لإخراج لبنان من القرار الظني والمحكمة الدولية أخفق فيه حتى الآن، لا يقول الأسد أمام زواره إن ثقته بعبد الله وبنيّته العمل الجاد على ما اتفقا عليه تزعزعت. بل يصرّ على التعويل على الملك لتجنيب لبنان انهياراً حتمياً.

كان الرئيس السوري يقول أيضاً إن ما يربطه بالمملكة هو الملك فقط. ولا أحد سواه.

هذا التزاوج بين الشخصي والسياسي تفتقده، في الظاهر على الأقل، علاقة سليمان بالأسد، رغم أن الرئيس اللبناني يسمع من نظيره ـــــ كلما قصد العاصمة السورية ـــــ كلاماً إيجابياً وطيّباً فيه.


2010-11-20