ارشيف من :أخبار لبنانية
يذهب أوباما ويبقى المارينز
سيد أحمد الخضر ـ صحيفة "العرب" القطرية
عندما خاطب الرئيس الأميركي باراك أوباما العالم الإسلامي من القاهرة علقت من هذا المنبر على الكلمة الطويلة التي ألقاها سيادته هناك.. كنت متأكدا أن باراك أوباما الذي خلق في أميركا صدفة وترأسها صدفة ليس مخلّصا للبشرية ولن يكون منصفا للعالم الإسلامي، ولا يمكن أن ينجز أكثر مما أنجزه: شاب أسود يدخل الكونغرس الأميركي ثم يكون سيد البيت الأبيض!
لذلك كان انتخاب الرجل يخدم شريحة السود في أميركا ويخدم أكثر من ذلك الأمة الأميركية التي تخلصت من العنصرية ولم يعد فيها فضل لأبيض على أسود إلا بأصوات الناخبين بينما ما يزال في كثير من دول العالم مستحيلا أن يتساوى الناس في الأوراق الثبوتية والخدمات الصحية والتعليمية، ولن نتكلم هنا عن الحقوق السياسية لأنه لا أحد أصلا يمتع بها في تلك الدول.. لم يكن أوباما في تقديري المتواضع في قدر تلك الآمال العريضة التي علقها عليه الناس في الشرق الأوسط وإفريقيا وحتى في أوروبا، فالرئاسة سجال بين الجمهوريين والديمقراطيين وليس أوباما إلا رقما في لائحة سكان البيت الأبيض، بل من الطبيعي أن يكون أبو حسين كما يسميه العرب أقل رؤساء أميركا قدرة على الفعل، رغم أنه من أكثرهم قولا، نظرا لقصر تجربته السياسية من جهة وشُبَه الولاء التي تحيط به من جهة أخرى فقد ظل سيادة الرئيس مهووساً بأن يثبت أنه ليس مسلما وأنه مخلص لأميركا... كانت عقدة النقص تلك تقيد الرئيس وتجعله دائما يبقى في دائرة رد الفعل على حساب الفعل.
وحتى لو سلمنا بأن أوباما يملك المؤهلات اللازمة لقيادة الولاية المتحدة الأميركية فإنه ما كان يجب علينا أن ننتظر منه الكثير، أقصد إنهاء احتلال العالم الإسلامي ووضع حد للهيمنة الأميركية على دول الشرق الأوسط والضغط على إسرائيل لقبول حل "الدولتين".. كانت هذه حسابات خاطئة لأن أميركا أكبر إمبراطورية في العالم وليس الرئيس هنا تلك الشخصية التي تملك كل شيء وتقوم بكل شيء، هذا كان قياساً على أوضاعنا الداخلية حيث الرئيس الآمر الناهي والواحد الأحد، يعلن الحرب متى شاء ويجنح إلى السلم متى شاء ويرسم في وقت متأخر من الليل معالم السياسة للخارجية للبلد لأنه حكيم ومحنك وقائد تاريخي.. كان هذا قياسا مع الفارق فالرئيس الأميركي تحكم قراراته ضوابط معينة وينفذ سياساته وفق مصالح أمة كبيرة تتحكم في مصير العالم ومنابع النفط ويهمها أن لا تضع أيُّ حرب أوزارها لضمان رواج منتجات الشركات الحربية، وبقدر قدرتها على خلق الأعداء تستطيع في أي وقت استدراج حلفاء جدد وأصدقاء جدد لميادين حروبها فالجميع يهمهم أن يكونوا مع أميركا رغبة ورهبة.. إذاً ليس بوسع أوباما أن يعمل ضد مصالح أميركا التي تقتضي أن تظل جيوشها في العراق وأفغانستان، وتقتضي أيضا إدامة التفوق الإسرائيلي على العرب..
هذا ما ينبغي على العالم الإسلامي فهمه وعدم إضاعة مزيد من الوقت في قراءة انتخابات الكونغرس وحشد التأييد لأوباما في الانتخابات الرئاسية المقبلة من جهة والتماس العذر له من جهة أخرى بداعي أن الجمهوريين يعوقون جهوده نحو عملية "السلام"..
لقد قال الرئيس الأميركي قبل أيام إن الانسحاب من أفغانستان في 2014 يبقى مجرد موعد طموح ولا يمكن الجزم بتحقيقه! وتعلمون ما حصل في العراق، ولعل القضية الفلسطينية تمر بأسوأ وضعية منذ تولي الولايات المتحدة رعاية ملف سلام الشرق الأوسط.. وحتى لو عاد أوباما لولاية ثانية فإن مصالح أميركا هي التي ستحدد سياساته وليس قيم الخير وحب الإنصاف..
يجب أن نعلم أن القوات الأميركية في الشرق الأوسط في مهام استراتيجية تخدم تفوّق أميركا على العالم وإحكام السيطرة على مصادر الرزق، لذلك سيذهب أوباما ويبقى المارينز ومن عاونهم من أمثال كرزاي وكثيرين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018