ارشيف من :أخبار لبنانية

مرض الملك علّق تسوية بين الرياض ودمشق؟

مرض الملك علّق تسوية بين الرياض ودمشق؟
نقولا ناصيف - "الأخبار"

على أبواب صدور القرار الظني عن المحكمة الدولية، أتى المرض المفاجئ للملك السعودي ليُحدث خللاً في السباق إلى تفادي ردود فعل سلبية يسبّبها القرار الظني، إذا صحّ أنه سيدلّ بأصابعه على حزب الله في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
 

فتح انقطاع الاتصال السعودي ـــــ السوري على أثر الإعلان عن مرض الملك عبد الله، ثغرة مهمة ومربكة في الجهود التي يبذلها البلدان لمعالجة الأزمة اللبنانية، الناجمة عن انقسام حاد بين قوى 8 و14 آذار حيال المحكمة الدولية والملفين المتفرعين منها، وهما القرار الظني وشهود الزور. ومذ أعلن عن مرض العاهل السعودي، ثم اتخاذه في 17 تشرين الثاني إجراءً فُسّر على أنه، في جانب منه، ترتيب داخلي على صلة بانتقال السلطة بتعيين نجله الأمير متعب رئيساً للحرس الوطني خلفاً لوالده المريض، ثم سفر الملك إلى الولايات المتحدة للاستشفاء، توسّع نطاق التكهّنات إلى أبعد من انزلاق غضروفي يعاني منه عبد الله، وإحاطة مرضه ـــــ بعدما كُشِف عنه فجأة ـــــ بلائحة طويلة من الاحتمالات. بعضها تناول مصير العرش والصراع على السلطة والنفوذ والخلافة بين أبناء المؤسس الملك عبد العزيز وأمراء الجيل الثاني، وسط تعارض في الاتجاهات والخيارات كان الملك الحالي استوعب تناقضاتها وفرض خطته في الحكم. وبعضها الآخر تناول موقع المملكة واستقرارها في حمأة التجاذب الإقليمي، وخصوصاً مع الدول المجاورة لها كالعراق وإيران واليمن. والبعض الثالث اقترن بالآمال المعلقة على صمود الاستقرار في لبنان، في ظلّ تفاهم سعودي ـــــ سوري على رعايته منذ ما بعد الانتخابات النيابية صيف 2009، وصولاً إلى التعويل على مساع سعودية لدى المجتمع الدولي لإخراج لبنان من المأزق الذي يتخبّط فيه أفرقاؤه حيال المحكمة الدولية.
 
على أن انقطاع الحوار بين الرياض ودمشق، في الوقت الحاضر على الأقل، وريثما يجلو الغموض عن حقيقة مرض الملك ومدة بقائه بعيداً من العرش وسلطة القرار، يدفع بالاشتباك الداخلي إلى مزيد من التصعيد، بالتزامن مع انعدام الضوابط التي أطبقت عليه في السنة المنصرمة. كانت تلك الضوابط قد اكتسبت في 30 تموز بعداً خاصاً عندما التأمت في قصر بعبدا قمّة ثلاثية، جمعت العاهل السعودي والرئيس السوري بشّار الأسد والرئيس ميشال سليمان، وألقت مظلة واسعة من التطمينات بصمود الاستقرار وإدارة آلة الحكم في لبنان، بعد أن وُضع مصير القرار الظني بين يدي عبد الله.

كان الجانب الأبرز في القمّة الثلاثية أن الأسد نظر إلى زيارته لبنان ـــــ وكانت مقرّرة قبلاً في سياق مختلف ــــــ برفقة الملك على أنها التفاتة مميّزة وخاصة موجّهة إليه بالذات. كانت قد سبقتها قبل ساعات، في 29 تموز، قمّة ثنائية في دمشق بينه والعاهل السعودي الذي قدّم لمضيفه كل الضمانات الآيلة إلى حماية دور سوريا في لبنان ومنع التعرّض لحزب الله، وتعاون رئيس الحكومة سعد الحريري مع الرئيس السوري.

كان الملك قد صنع إنجازاً كبيراً عندما حمل الحريري على زيارة دمشق لأول مرة، ومصالحة الأسد ونظامه، والتخلي عن كل الاتهامات التي كان قد ساقها إليه بين عامي 2005 و2008 باغتيال والده الرئيس رفيق الحريري. صنع حزب الله إنجازاً مماثلاً عندما حمل رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، متأثراً بمرحلة ما بعد 7 أيار 2008، على مصالحة الرئيس السوري ونظامه أيضاً.

بيد أن اهتمام العاهل السعودي والرئيس السوري باستعادة لبنان استقراره، وتوازن القوى فيه الناجم عن أحداث 7 أيار 2008 ومن ثم اتفاق الدوحة، رَسَمَ علاقة غير مألوفة بين زعيمين عربيين، يفرّق بينهما تباعد الأجيال وتناقضها ويقرّبه خطر الفوضى في هذا البلد. لم يخبر لبنان قبلها تجربة مماثلة مع الملك فيصل والرئيس جمال عبدالناصر في منتصف الستينات حتى آخرها، ولا مع الملك خالد ثم الملك فهد والرئيس حافظ الأسد منذ منتصف السبعينات عندما سلّمت الرياض بإرادة دمشق في إدارة النظام اللبناني حتى عام 2005، عندما انقسمتا عليه على أثر اغتيال الحريري الأب.

كمنت العلاقة التي جمعت عبد الله والأسد في اعترافهما المتبادل بثنائية النفوذ في لبنان:
1 ـــــ كان الرئيس السوري يقول إن ما يجمعه بالمملكة هو ملكها فقط. وأوحى تمسّكه بهذا الخيار بشكوك في ما قد تؤول إليه علاقة البلدين في مرحلة ما بعد الملك الثمانيني. كان يقول أيضاً إنه لن يتخلى عن هذه العلاقة عندما يفشل تفاهمهما السياسي على بعض الملفات الساخنة في المنطقة، على نحو خلافهما الأخير حول تأليف الحكومة العراقية الجديدة وتعيين نوري المالكي رئيساً لها. مع ذلك استمر حوارهما على لبنان.
 
كان المؤشر الأقرب إشادة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في خطابه الأخير، في 11 تشرين الثاني، بالملك والدور الإيجابي الذي تضطلع به المملكة، وهو يعلن قطع التعاون مع المحكمة الدولية. كانت تلك أيضاً واحدة من مرات نادرة يشيد حزب الله فيها بالمملكة من غير أن يكنّ لها، في الظاهر على الأقل، ودّاً ظاهراً. على أن هذا التقدير استمد مغزاه من تقويم مشترك بين دمشق والحزب حيال الدور المتوقع من العاهل السعودي، في ضوء موقف أبلغه الرئيس السوري إلى الحزب، وهو أن عبد الله صادق في التعهّدات التي قطعها له، وفي المعالجة الجدّية للقرار الظني والمحكمة الدولية. حضّ حزب الله على دعم هذا المنحى، ما دام في الإمكان التوصّل إلى الحلول المرتجاة عبر المملكة.

2 ـــــ قَصَرَ الملك والأسد علاقتهما عليهما وحدهما. نجل عبد الله ومستشاره الأمير عبد العزيز مثّل عند الزعيمين استثناءً ارتضياه، وهو أن يكون صلة الوصل، ولم يُعطَ مثل هذا الدور لمسؤول سوري. كان عبد العزيز الوحيد من أبناء الملك ومعاونيه الذي عُني بالعلاقة بين أبيه والرئيس السوري. لم يضع عبد الله ثقته في آخر، ولم يوفد سوى عبد العزيز إلى الأسد. تبعاً لذلك، وثق الأخير بعبد العزيز إذ فوّض إليه والده المهمات. في المقابل، لم يسع أحد من معاوني الرئيس السوري القول إنه ألمّ بملف العلاقة مع الرياض. على غرار والده الأسد الأب، لا يعرف معاونو الأسد الابن إلا بما يأذن هو بإطلاعهم عليه، أو يكون في نطاق الصلاحيات المنوطة بهم.

3 ـــــ لم يذهب الرئيس السوري إلى قمّة ثنائية مع عبد الله إلا وحيداً. لا يصحب أياً من معاونيه الذين غالباً ما يرافقونه. أوكل إلى مسؤولين سوريين كبيرين فقط تولّي الملف العراقي في العلاقة مع الرياض، في المقابل ناط الملك الملف برئيس الاستخبارات العامة شقيقه الأمير مقرن بن عبد العزيز. آخر لقاء بين عبد الله والأسد اقتصر عليهما، وعبد العزيز، في مطار الرياض في 17 تشرين الأول الماضي. قبله زار الأسد جدّة في 23 أيلول 2009 وحضر افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم، وانتظر إلى ساعة متقدّمة من الليل كي يعقد محادثات مع العاهل السعودي في حضور نجله. بعد أسبوعين ردّ الملك الزيارة للأسد، في 7 تشرين الأول 2009، لأول مرة منذ القطيعة بين الرجلين عام 2005.

في ظلّ هذه الآلية التي طبعت علاقة الرجلين، كانت دمشق، حتى الأيام القليلة التي سبقت الإعلان عن مرض الملك، تنتظر جواباً عن صيغة نهائية لتسوية يرعيانها في لبنان منذ 25 تموز، بدأت باتصالات غير مباشرة بين الأسد وعبد العزيز، ثم نوقشت مجدّداً في قمّتي دمشق والرياض بين عبد الله والأسد، ثم اتبعت بأكثر من زيارة غير معلنة لنجل الملك ومستشاره لدمشق، واجتماعه بالرئيس السوري الذي كان قد سمع، حتى ذلك الوقت، أكثر من طلب يحضّه على الاضطلاع بدور مساعد في لبنان لإخراج أفرقائه من أزمتهم الداخلية.

كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور جون كيري أبرز من فاتح الأسد، لدى زيارته دمشق في 8 تشرين الثاني، في هذا الطلب. ردّ الرئيس السوري بأنه لن يتدخّل في الشأن اللبناني حتى وإن تردّى الوضعان السياسي والأمني، ما لم يطلب منه ذلك علناً الأطراف المعنيون وفق قواعد تضعها سوريا شرطاً لتدخّلها، هي الاستقرار وحماية المقاومة ووفاق داخلي على إدارة شؤون البلاد.


2010-11-25