ارشيف من :أخبار لبنانية

حين تدرك دمشق عقل الحريري اللاواعي

حين تدرك دمشق عقل الحريري اللاواعي
جان عزيز - "الأخبار"

نقل عن نائب بيروتي غير حزبي، كان قد التقى سعد الدين الحريري قبل أيام، أنه سأله عن آفاق المرحلة المقبلة، وعمّا يعتزم القيام به إذا ما تدهورت الأمور أكثر، وبلغت حد المأزق. فأجابه رئيس الحكومة اللبنانية: في أسوأ الاحتمالات، أستقلّ طائرتي وأغادر البلاد، وأظلّ رئيساً للحكومة في الخارج، ولو طوال المدة الباقية من ولاية المجلس النيابي الحالي، وليفعلوا ما يريدون، فأنا لن أستقيل، وهم لن يقدروا على إسقاطي.

لا تستغرب أوساط المعارضة هذا الكلام، ولا تستبعده، لا بل ثمّة أوساط مطّلعة على أجواء دمشق نفسها ترجّح أن يكون هذا الكلام تعبيراً دقيقاً عن عمق ما يجول في فكر الحريري الشاب.

ذلك أن مسؤولاً بارزاً في المعارضة، غالباً ما كرّر السؤال، حتى وتيرة التساؤل: إذا كان الحريري الابن قد أطلق اعتذاره من سوريا منذ 6 أيلول الماضي، فلماذا لا يزال يرفض حسم قضية شهود الزور، وجلاء ملابساتها؟ طبعاً هناك احتمال أن يكون الحريري مقتنعاً بمقولة البعض من حوله بأن الذهاب إلى المجلس العدلي، ولو في ملف فرعي، قد يكون المدخل لتطيير المحكمة الدولية، وإعادة الملف الأصلي إلى القضاء اللبناني... وطبعاً، هناك احتمال آخر يقول إن علّة الرفض تكمن في أن علّة وجود الفريق الحريري في «الحياة السياسية» تكمن في القدرة على استخدامه دولياً في سياق تلك المحكمة تحديداً، كأداة سياسية للضرب أو الشطب.
طبعاً، هناك احتمال ثالث يقول إن الحريري برفضه كشف شهود الزور، إنما يحمي طبقة عليا من فريقه، وهو لن يجرؤ على الانزلاق في نفق كهذا قبل حصوله على كل الضمانات المطلوبة.

لكن السؤال المعارض يطرح علامة استفهام أخرى في هذا السياق: لكن مَن الضحية في ملف شهود الزور؟ ومَن هو المستهدف الأول فيه؟ ليس حزب الله طبعاً، ولا الضباط الأربعة حتى. هذا الملف قائم في نحو جوهري على اتهام مزوَّر لسوريا. ولمزيد من التدقيق والصراحة، هذا الملف قائم على توجيه تهمة ملفّقة ومفبركة إلى رأس النظام في سوريا، وإلى حلقته الأكثر ضيقاً وثقة والتصاقاً، وإلى «بيت» النظام مباشرة. ومَن يتشكّك في هذه الحقيقة القاسية، فما عليه إلا الرجوع إلى التقرير الأول لميليس وإلى الأسماء وفيينا و«مونتي روزا» وكل الحكايات والتسريبات... فكيف يوفّق الحريري بين تبرئته الكلامية والإعلامية لسوريا، وإصراره على قيام أفضل العلاقات الشخصية مع دمشق من جهة، وتحايله لإبقاء الاتهام المزوّر لدمشق نفسها ولقيادتها العليا، من جهة أخرى؟

عن هذا السؤال يجيب العارفون بخفايا العاصمة السورية ولقاءاتها، بأن لا أحد هناك يملك أوهاماً ولا انطباعات خاطئة عن حقيقة النيات والسرائر، لا بل إن الحوارات الخاصة التي شهدتها دمشق في أكثر من محطة، كشفت الكثير من عمق التفكير والموقف اللاواعي ربما، بعيداً عن كليشيهات المجاملات والتصريحات المكتوبة والمعدّة سلفاً، والمدقّق فيها من مجموعات الخبراء والمستشارين. وفي هذا السياق، يعطي العارفون مثلاً واحداً. يروون أن الحريري قال في دمشق: أنا مَن أنقذ لبنان والمنطقة من الزلزال الأكبر في 7 أيار، هل تعلمون لو أنني وقفت يومها وأطلقت صرخة: «يا غيرة الدين»، ما كان سيحصل؟ لتزلزلت الأرض في بيروت ودمشق وسواهما...

فهم أهل دمشق لتوّهم أيّ عقل كامن تحت هذا الكلام. ويفهمون تماماً كيف يتعنّت الحريري في لفلفة شهود الزور، حتى ولو كانت مؤامرتهم تستهدف رأس النظام في سوريا...

2010-11-25