ارشيف من :أخبار لبنانية
أردوغان العربي
هذا التركي، رجب طيب أردوغان، عربيٌّ أيضاً، وعلى طريقته.
هذا التركي، العربي كذلك، أكد انتماءه السياسي هذا، في تصريح سابق له لصحيفة فرنسية: «العرب والترك أصابع في يد واحدة. من دون العرب، العالم لا معنى له».
لا يسعنا إلا أن نشكر أردوغان، لأنه أعطانا أكثر مما نستحق، فنحن العرب، كأنظمة فقط، أصابع مبعثرة ومتعثرة لا تجمعها عروبة، وتفرقها فلسطين، ومفتونة بالعزف على أوتار الفتنة المذهبية، وقد أدت حتى الآن، فصولاً دامية في لبنان، وفي العراق، وهي مرشحة، لأداء عزف مأساوي على امتداد القارة العربية، المنثلمة بين من هم على سنةٍ ومن هم على تشيُّع.
هذا التركي، والعربي كذلك، يملأ بعض الفراغ الذي اصطفاه العرب كوسيلة للغياب. فهو، كتركي حديث، أو، كتركي عريق، أو كتركي أصيل، أعاد صلة القرابة السياسية والاقتصادية بالعرب، وأخذ على عاتقه ان يكون عراقياً مع كل العراقيين، وفلسطينياً، أكثر من بعض الفلسطينيين، ولبنانياً، أكثر من كثير من اللبنانيين، وسورياً مع سوريا، بمنطق الخطوات الكبيرة، وليس بمنطق الخطوة خطوة، لاعادة العلاقة إلى طبيعتها، وليصير العرب والترك أصابع في يد واحدة، فيعرف العالم معنى حضورهما السياسي والحضاري والاقتصادي... وما زال الطريق طويلاً، تيسّره حداثة في الرؤية، وحسابات تهدف إلى تسجيل مكاسب إقليمية، للعرب فيها حصة كبرى.
وإذ يزور أردوغان لبنان اليوم، فليس لنا أن نقول له من نحن، وكيف نحن، وإلى أين نحن. لقد شرحت له «السفير» في عدد أمس، على لسان الزميل ساطع نور الدين، الخوف الذي يركض أمام اللبناني، مظهراً مفاتن الفتنة المتوقعة، قبل وبعد إصدار القرار الظني.
يعرف أردوغان أن يصبّ طيب الكلام على لبنان المأمول. لكنه يتحاشى التدقيق والتوصيف والتهويل. يحض اللبنانيين على الوحدة، يؤملهم بالانتظار، ولا يفصح عن خطط، تحفظ لبنان وتحافظ على استقراره. لعل السبب في الغموض والأمنيات، أن لبنان وطن بصيغة مستحيلة.
فلبنان، أصعب بلد عربي. فيه تلتقي القضية الفلسطينية، بالقضية القومية، بالقضايا الوطنية، وتشتبك بطريقة تثير الهلع، بمسائل دينية وطائفية ومذهبية.
لبنان، أغرب بلد عربي. فيه المقاومة وقد أنجزت مستحيلاً عربياً، وفيه ارتدادات أنظمة التخلي العربية، اللاهثة خلف حوافر سلم يدوسهم بنعاله، استيطاناً واستكباراً وهيمنة. ويكاد لبنان يغرق مقاومته العبث.
ولبنان، أدق بلد عربي، ولقد كان كذلك مراراً، فهو اليوم على مفترق صاعق، فإما يدخل نفق المحكمة الدولية، فيهلك سلمه الأهلي، وإما يحيّد القرار الظني، بطريقة تحتاج إلى تدخلات إلهية عظمى، فينجو مؤقتاً، بانتظار ما ستسفر عنه محاولات رسم خريطة جديدة للسياسات في المنطقة.
لبنان، أخطر بلد عربي، يستطيع أن يحارب اسرائيل، ويتحدى جبروتها العسكري، ويقدر على ان يرفع صوته «بلا» مدوية، في وجه أميركا وعدوانها، وينجح في جعل مجلس الأمن الدولي وشرعيته «الفاضلة» خرقة بالية، لا تصلح إلا لتوظيف تيري رود لارسن.
لبنان، ملتقى الأخطار، لأن فريقاً من شعبه، اتخذ قراراً، شبيهاً بقرار تركيا، عندما طلّقت سياسة الانصياع للولايات المتحدة الأميركية، وعندما اختطّت لنفسها سياسة حكيمة وشجاعة، قبيل حرب العراق، وإبان التعاطي التعجيزي معها من قبل دول الاتحاد الأوروبي، التي تمارس التمييز الديني.
لبنان وطن الحروب الصغيرة والحروب الكبيرة، وهو يستعدّ لمواجهة كبرى، تحضر لها اسرائيل، إذ ليس في قدرتها على احتمال وجود مقاومة، من نمط جديد، وبقوة مؤيدة بإيمان قدسي، وبتنظيم كتوم لا طاقة لأحد أن يتوقع انسحابه من المواجهة وإلقاء سلاحه، مهما بلغ الثمن.
لبنان، بحاجة إلى أن يتولى فيه أردوغان، عبء فهمه على حقيقته، كفضيلة ومعصية معاً، كهمّ وأمل معاً، كفتنة وانتصار معاً، كشعب وشعوب معاً. أردوغان بحاجة إلى قاموس سياسي جديد، يحتضن مرادفات حديثة العهد، انتجها لبنان، في خلال مسيرته الدامية والعظيمة في آن.
لبنان، الذي يبدو أنه في خطر، ليس وحيداً.
اسرائيل، تشعر أيضاً انها في خطر. ولذلك، فإن خطورة لبنان، متأتية من كونه، يمثل خطراً على اسرائيل. لا بد لاردوغان أن يصوغ موقفا يتناسب وهذه الخصوصية، لان لبنان، ضرورة استراتيجية للعرب، ولتركيا كذلك.
فلبنان ممر الحروب والحلول... الجميلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018