ارشيف من :أخبار لبنانية
فلسطين واستحالة الحل الأميركي
الفضل شلق، السفير
تثير السخرية ديموقراطية إسرائيل. يصوّت الكنيست على ضرورة استفتاء شعبي قبل رد الأراضي المحتلة في العام 1967، القدس والجولان وغيرهما إلى أصحابها. يريد الإسرائيليون التصويت على أرض ليست لهم، ليقرروا ما إذا كانوا يريدون ردّها إلى أهلها؛ ويعدون ذلك تنازلاً.
ويثير حياد أميركا السخرية أيضاَ إذ يزعم الأميركيون دور الوسيط الحيادي حين يرعون المفاوضات في حين أنّهم لا يعترضون جدياً على الاحتلال الإسرائيلي.. ويدّعون الحياد بين العرب وإسرائيل، بينما هم يزيدون مساعداتهم لإسرائيل بما يفوق 8 مليارات سنوياً: 3 مليارات للأغراض العسكرية ومثلها قروض للأغراض المدنية، وحوالى مليارين من الدولارات معفاة من الضرائب، للمساعدات الفردية الأميركية لإسرائيل. وتعتقد أميركا أنها تزيد حيادها حياداً بالضغط على العرب كي يتنازلوا عن حقوقهم ومؤسساتهم وأملاكهم، بينما تساعد إسرائيل التي لا تتنازل عما هو ليس حقاً لها ولا يجوز أن تبقى فيه حسب القوانين الدولية؛ إذ كانت هناك «قوانين دولية» لا تسري إلا على العرب.
يعاني الأميركيون أزمة اقتصادية تتلخص في ازدياد الاستهلاك في بلادهم وحاجتهم إلى الاستدانة باستيراد المال من الخارج لاستخدامه في الاستهلاك الداخلي. هم كمن يستهلك أكثر مما ينتج فيستدينون لسد الفرق، ولا يستطيعون الاستمرار من دون اعلان الإفلاس إلا باستدانة ما يقارب الثلاث مليارات يومياً. يريدون من الآخرين في آسيا الشرقية والدول النفطية وغيرها من قارات العالم أن يعملوا من أجل سد الحاجات الأميركية، بالشروط التي يفرضها الأميركيون، وهذا ما تمخض عنه مؤتمر قمة الدول العشرين في الشهر الأخير، وهو ما لم يستطع المجتمعون الوصول فيه إلى حل.
تخوض الولايات المتحدة 3 حروب رسمية في البلدان العربية والإسلامية: العراق وأفغانستان وباكستان، وأخرى غير معلنة في اليمن والصومال والسودان؛ ويمارسون الضغوط لتفكيك دول أخرى عربية في أكثر من بلد عربي؛ وكل ذلك يعرّض المنطقة العربية، مشرقها ومغربها، إلى الفوضى، ويحوّل دولها إلى دول منهارة أو إلى دول مارقة.
حقيقة الأمر أن الأميركيين ربما كانوا يعتبروننا أمة مارقة، دولاً وأمماً لا تستطيع تدبير نفسها بنفسها، وتزداد أوضاعها انهياراً، ومجتمعاتها تفككاً وحكوماتها ضعفاً. فالوساطة الأميركية في فلسطين منحة يهبنا إياها هؤلاء؛ يمنّون علينا بإيهامنا بالمساعدة على استرداد ما هو حق لنا أصلاً: يفاوضوننا والإسرائيليين على حقوقنا. ولا يستطيع السكان العرب اعتبار ذلك إلا احتيالاً أميركياً- إسرائيلياً بالتضامن بينهما مما يزيد سعة الفراق بين العرب من جهة والإسرائيليين والأميركييين من جهة أخرى. ويريد الأميركيون، أو يزعمون، أنهم يريدون إصلاح ذات البين مع العرب ولا يعرفون كيف.
يعجز الأميركيون عن إيجاد حل لأزمتهم الاقتصادية في بلادهم، ويعجزون عن إيجاد علاقات تجارية متكافئة في علاقاتهم حول العالم. ولا يجدون مكاناً لإنجاز دبلوماسي إلا في المشرق العربي فيوهمون أنفسهم بالسعي من أجل توسيع رقعة المفاوضات لإيجاد تسوية في فلسطين، وبين إسرائيل وجيرانها العرب.
يفتش الأميركيون عن إنجاز سياسي في مكان واحد في العالم. يرون منطقتنا هي الحلقة الأضعف، فيصبون جهودهم على هذه المنطقة، ويصطدمون بالحاجز الإسرائيلي. هناك عقبة إسرائيلية تحول بين الأميركيين والانجاز. هناك اتفاق اوسلو الذي ألغى الإسرائيليون مفاعيله. وهناك المبادرة السعودية العربية عام 2002؛ ولم يعرهما الإسرائيليون اهتماماً. وكل ذلك رغم أن المبادرة تعطي الإسرائيليين والأميركيين أكثر ما يستحقون من حقوق العرب، ورغم أن اتفاق اوسلو وضع الاطار لحل وترك لهما أمر تقدير ما تبقى من حقوق عربية فلسطينية. يعجز الأميركيون اقتصادياً وسياسياً في كل مكان في العالم ويريدون تحقيق إنجاز دبلوماسي في المشرق العربي، لكنهم لا يوفرون الشروط لهذا النجاح.
شرط نجاح كل وساطة أميركية في منطقتنا هو أن يضغط الأميركيون على الإسرائيليين لا على العرب، وأن يخفض الأميركيون من مساعداتهم وهباتهم لإسرائيل، وأن لا يجعلوا من إسرائيل مستودعاً لأسلحتهم. وإذا كان الأميركيون جديين، فإن عليهم احتلال إسرائيل، ولو مؤقتاً، لفرض الشروط «المحقة» عليها.
لكن الأمر غير ذلك. إسرائيل ما زالت الطفل المدلل عند الأميركيين، يتحكم المتطرفون الإسرائيليون بإسرائيل، ويستمرون ببناء المستوطنات على أراضٍ عربية، أراضٍ ليست لهم بكل المعايير والمقاييس والشرائع الدولية. يتحكم المستوطنون بإسرائيل، وإسرائيل تتحكّم بالولايات المتحدة؛ فالكونغرس الأميركي يبقى الملاذ الأمين لكل سياسة إسرائيلية، ويلبي كل مطالب إسرائيل. ذلك لأن إسرائيل ليست مجرد دولة حليفة. هي الضمير الحقيقي لأميركا؛ هي بمثابة الولاية الواحدة والخمسين.
حقيقة الأمر أن عدد السكان بين البحر والنهر (أي في أراضي فلسطين التي تشكل إسرائيل جزءاً منها) حوالى عشرة ملايين نسمة. حالياً يتفوّق عدد الإسرائيليين على العرب الفلسطينيين ببضع مئات من الألوف. بعد عدد قليل من السنوات سيفوق عدد السكان العرب عدد الإسرائيليين. يعتبر الإسرائيليون والأميركيون أن في الأمر قنبلة سكانية (ديموغرافية). ففي حل الدولة الواحدة سيكون العرب هم الأكثرية. وحل الدولتين هو ما تفعل إسرائيل كل ما بوسعها لتفاديه.
يريد الأميركيون حل الدولتين وتجنيب إسرائيل كأس الدولة الواحدة. لكن ضعف الأميركيين تجاه إسرائيل يمنعهم من تحقيق حل الدولتين، ويؤدي إلى فشل مؤتمر انديانابوليس، وجميع المؤتمرات الأخرى، ويعيق جميع المفاوضات الثنائية. ولا يريد الأميركيون الاعتراف بالأمر الواقع الذي يتطلب الضغط على إسرائيل لا على العرب.
لا تستطيع إسرائيل تحقيق حل الدولة الواحدة أو حل الدولتين إلا بما يفوق انتهاك القوانين الدولية المزعومة، وذلك بتهجير سكان الضفة الغربية (ترانسفير) والإبادة الجماعية في قطاع غزة. يتطلب ذلك أكثر من جيوش وصواريخ ودبابات ومدفعية وطائرات بدون طيار. يتطلب ذلك الإفصاح عن حقيقة إسرائيل الإجرامية، وحقيقة الولايات المتحدة الإجرامية، وذلك أمام الرأي العام العالمي في الغرب وفي غيره.
هل يستطيع الرأي العام العالمي حماية الحقوق العربية في فلسطين أو في البلدان العربية المجاورة؟ هناك وهم كبير لدى العرب إذا استمروا في التفاوض، وإذا لم يقفوا وقفة واحدة لوضع حد للتفاوض كي يتحول إلى مشكلة أميركية- إسرائيلية حقيقية. عند ذاك يتطلب الأمر حلاً أميركياً في إسرائيل. هل تستطيع الولايات المتحدة تجاوز العقبات الإيديولوجية الداخلية، وتجاوز الكونغرس الأميركي، من أجل ذلك؟ الجواب هو بالنفي سلفاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018