ارشيف من :أخبار لبنانية

الدور التركي في لبنان والمنطقة: "لحـظـة التـخـلـي"

الدور التركي في لبنان والمنطقة: "لحـظـة التـخـلـي"

محمد نور الدين، السفير

يبدو الاهتمام التركي بلبنان في عهد «حزب العدالة والتنمية» أمرا طبيعيا. فسياسة الانفتاح والتفاعل فالتكامل وصولا الى اقامة مجالس للتعاون الاستراتيجي بين تركيا وكل من العراق وسوريا واقامة علاقات جيدة مع ايران لا يمكن ان تبقي «الساحة» اللبنانية استثناء وخارج الحراك التركي، خصوصا ان الحدود البرية الوحيدة المفتوحة للبنان هي مع سوريا.

لذا، تكررت الزيارات التركية للبنان منذ العام 2004 وعلى اعلى المستويات وصولا الى الغاء تأشيرات الدخول في العام 2010. يدرك المسؤولون الأتراك انه اذا كان يمكن التحرك وفقا للغريزة في «ساحات» عربية او اسلامية، فإن الفسيفساء والرمال اللبنانية المتحركة تجعل الداخل اليها من دون تأن بالغ، مفقودا.

نجحت السياسة التركية حتى الآن في ان تزن بدقة خطواتها وتراعي هذه الحساسيات. وما كان يساعد على استمرار هذه الصورة ان أحدا من الأطراف اللبنانية نفسها لم يكن يجاهر بأنه، دون غيره، لتركيا أو ان تركيا له دون غيره.

نجحت تركيا في التوصل إلى حلول في ازمات متعددة، إقليمية لا بل دولية، بفضل وسطية الدور وحياديته. وحتى لو كان البعض في تركيا يختزن في داخله «عثمانية جديدة او متجددة»، فإنه كان يدرك ان مجرد ارتداء مثل هذه العباءة يثير ليس فقط مجموعات مذهبية بل ايضا قومية، عربية وكردية وارمنية وفارسية وغيرها. لذا كان القادة الاتراك يعاجلون الى النفي الفوري لأي تصريح او موقف «عثماني» ينسب إليهم ويصفونه بـ«عدم الدقة».

تركيا تعي جيدا ان استثارة الماضي مهما كانت أشكاله بمثابة قميص من نار يحرق كل «المشروع التركي» ان جاز التعبير.

المشهد العام الذي رافق يومي زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان للبنان، هو الذي أثار كل هذا اللغط ليس فقط في الأوساط غير السنّية، بل داخل الساحة السنّية نفسها على ما نقل مراسلو «السفير» في طرابلس والغضب الطرابلسي من اسقاط متعمد للمدينة من جولة اردوغان الشمالية. وهذا المشهد العام نفسه هو الذي سيجعل من هذه الزيارة محطة مفصلية في طبيعة الدور التركي في لبنان بل ايضا في العالمين العربي والاسلامي.

قوة الدور التركي من حياديته ومحاولة البعض اضفاء صبغة معينة على الزيارة سيثيران ليس فقط تساؤلات سائر اللبنانيين بل ربما سيستثيران «قلقا» تركيا من التفسيرات التي تعطى للزيارة والتوجس من ان يكون الدور التركي الوسيط والحيادي من أولى ضحايا «الشكل» الذي اتخذته الزيارة.

أيضا انتشرت خلال الزيارة مقولة ان زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد ايضا اتخذت الشكل نفسه (مع أردوغان) لكن في اماكن اخرى ذات لون مذهبي مغاير. هذا صحيح. لكن احمدي نجاد لم يطرح نفسه يوما وسيطا ولم يضع ايران ابدا في موقع الوسطية في الصراع العربي الاسرائيلي والمواجهة مع الغرب، بل هو يدعو حتى الى ازالة اسرائيل.

في حين ان الدور الوسيط هو احد عناصر القوة التركية في عصرها الجديد. وتركيا تمارس وسطية حتى في الصراع العربي ـ الاسرائيلي. فإذا كانت انقرة «حزب العدالة والتنمية» تطلق خطابا داعما للقضية الفلسطينية لكنه خطاب يصطدم بسقوف حدها الادنى «الشرعية الدولية» بما يعني الاعتراف بوجود اسرائيل فيما يمثل الحد الأقصى في احتفاظ انقرة بعلاقات بنيوية مع اسرائيل اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وثقافيا وحتى اجتماعيا رغم كل الضجيج الذي يقرقع في سماء الاناضول والمنطقة. كذلك، فإن التصريح الأخير لأردوغان لـ«السفير» حول ان السياسة التركية في المنطقة حول عملية السلام، تتطابق مع سياسات الاداراة الاميركية، يطرح علامات استفهام كبيرة خصوصا في ظل التواطؤ الاميركي مع اسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية وتعزيز سياسة الاستيطان في الضفة واستمرار الحصار على غزة والتهويد النهائي لمدينة القدس.

ومع ان تصريحات اردوغان من عين التينة بالذات تضع تركيا على مسافة واحدة من كل الأطراف، لكن صورة تركيا ما قبل الزيارة ستكون غيرها ما بعدها.
لعل أخطر ما نتج عن هذه الزيارة اظهار تركيا على انها الى جانب فئة من اللبنانيين دون غيرها. قد لا يكون هذا خطأ تركيا لكن تتحمل انقرة جانبا من «تظهير» هذه الصورة. ولن يكون من السهل على تركيا ان تعدّل من هذا «الانطباع»، خصوصا ان «أكثر من انطباع» كان قد سبقه في المثال العراقي.

يحسن اللبنانيون منذ القدم استدراج الخارج الى الداخل. لكن المسؤولية لا تقع على الرعايا بل على تلك الرؤية التي غادرت في «لحظة تخلّ» عمقها الاستراتيجي لتجد نفسها اسيرة الزواريب البيروتية. ولبنان هو الخاسر الأكبر.

2010-11-26