ارشيف من :أخبار لبنانية

سليمان ــ جنبلاط ــ دمشق: مزيد من الوقت للتسوية

سليمان ــ جنبلاط ــ دمشق: مزيد من الوقت للتسوية

نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار

قطع الإعلان عن المرض المفاجئ الذي أصاب العاهل السعودي الملك عبد الله، حتى الآن على الأقل، وإلى أن يُعلن من ثمّ عن تماثله للشفاء، الحوار بينه وبين الرئيس السوري بشّار الأسد حول تسوية محتملة للأزمة اللبنانية. برّر الوقت الضائع الأسباب التي حملت طرفي النزاع اللبناني، على وفرة نبرة التصعيد، على التريّث. كانت القناة الوحيدة للتواصل السعودي ـــــ السوري، وهي مستشار الملك ونجله الأمير عبدالعزيز، قد التحقت بعبد الله في نيويورك.

حتى الموعد الذي كانت دمشق تنتظر وصول عبد العزيز إليها، ليل الأحد 21 تشرين الثاني، كانت المعلومات المتوافرة عن جانب من الاتصالات الجارية لإرساء الحلّ تشير إلى الآتي:

1ـــــ أبلغ رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى نظيره السوري، في القمّة التي جمعتهما في دمشق، في 16 تشرين الثاني، أن رئيس الحكومة سعد الحريري مستعدّ لاتخاذ موقف من المحكمة الدولية والقرار الظني يلاقي هواجس سوريا وحزب الله من استهداف سلاح المقاومة، وأن الحريري أكثر استعداداً للذهاب إلى أبعد من الموقف الذي كان قد اتخذه في 6 أيلول، عندما برّأ سوريا من اغتيال والده واعترف بوجود شهود الزور. وكشف الرئيس أيضاً أن رئيس الحكومة أفصح له عن هذا الاستعداد، إلا أنه يحتاج إلى مَن يأخذ بيده إلى هذا الخيار ويساعده، لا أن يستفزّه ويمارس عليه ضغوطاً.


قال سليمان للأسد إن الحريري غير قادر، بمفرده، على اتخاذ قرار بذلك يعدّه مكلفاً بالنسبة إليه، ولذا يريد غطاءً سعودياً يقيه مفاعيل التخلّي عن القرار الظني والمحكمة الدولية بذريعة تسييسهما، ويفضّل أن يكون ذلك من ضمن تسوية سعودية ـــــ سورية ترعى هذا التوجّه، فيشارك في وضعها موضع التنفيذ.
وكان رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي، النائب وليد جنبلاط، استبق رئيس الجمهورية إلى حمل هذا الموقف، نقلاً عن الحريري، إلى معاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف، عندما اجتمع به في دمشق في 9 تشرين الثاني، مؤكداً استعداد الحريري للتخلي عن موقفه من القرار الظني والمحكمة الدولية.
تَطابَقَ ما حمله سليمان وجنبلاط مع ما كان سمعه الرئيس السوري من عبدالعزيز في آخر لقاء جمعهما في دمشق، قبل مرض والده الملك، وهو أن رئيس الحكومة اللبنانية سينفّذ إرادة عبد الله في أي تسوية يبرمها مع الأسد.

2ـــــ قدّم رئيس الجمهورية لنظيره السوري، في قمّة دمشق، عرضاً مسهباً عن الدوافع التي حملته على الاضطلاع بدور توافقي سبق جلسة مجلس الوزراء في 10 تشرين الثاني، وسعيه إلى الحؤول دون التصويت على إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي. أوضح أيضاً أن التصويت كان سيفضي إلى انقسام مجلس الوزراء، وإلى إحراج رئيس الحكومة الذي كان قد أخطر رئيس الجمهورية، قبل انعقاد الجلسة، أنه سيغادرها فوراً إذا طرح ملف شهود الزور على التصويت.

كان سليمان قد أجرى في 15 تشرين الثاني مكالمة هاتفية مع الأسد، في اليوم السابق لزيارته دمشق. كانت المخابرة الثالثة بين الرئيسين خلال أسبوع، ناقشا عقد قمّة بينهما، وكانت في حصيلة جلسة مجلس الوزراء التي انتهت إلى قرار وزراء 8 آذار تعليق اجتماعات السلطة الإجرائية إلى أن يتم التفاهم على المسار الذي ينبغي أن يشقه ملف شهود الزور.

في قمّة دمشق سمع سليمان من الأسد تقديراً لمواقفه، خصوصاً أن خيار الحؤول دون التصويت في مجلس الوزراء كان بمعرفة مسبقة من القيادة السورية التي لم تكن تميل، يومذاك، إلى رفع نبرة التصعيد، ولا إلى تشجيع انقسام مجلس الوزراء، وكانت تسعى إلى منح حوارها مع المملكة مزيداً من حظوظ الاتفاق.

لم يلمس رئيس الجمهورية شكوكاً سورية في طريقة تعامله مع الخيارات التي تعدّها القيادة السورية استراتيجية ووثيقة الصلة بالعلاقات اللبنانية ـــــ السورية وبحماية سلاح المقاومة، خصوصاً حيال موقفه من المحكمة الدولية الذي أبرَز جدّية مخاوفه من احتمال تسييسها.

كان سليمان قد أفصح عن خشيته هذه في مقابلة تلفزيونية من نيويورك على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 أيلول، عندما دعا المحكمة الدولية إلى «استعادة صدقيتها من خلال إظهار استقلاليتها وابتعادها عن التسييس، والتحقيق في كل الاحتمالات المطروحة»، في إشارة إلى العامل الإسرائيلي على نحو ما أثاره الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله. حمل هذا الموقف، الأول لرئيس الجمهورية بإثارته الغبار حول التحقيق الدولي في اغتيال الحريري الأب، واشنطن على إيفاد مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، السفير جيفري فيلتمان، إلى لبنان على عجل، في 17 تشرين الأول، وكان يجول بين القاهرة والرياض، حاملاً رسالة من الرئيس باراك أوباما. فوجئ سليمان بالموعد يضربه له فيلتمان وهو في المطار فور وصوله، فقرّر استقباله في منزله في عمشيت من دون أن يكون فيه لحظتذاك، موحياً باستقبال غير رسمي توخّى منه فيلتمان، وهو يسلمه رسالة الرئيس الأميركي، التأكيد على تمسّك واشنطن بالمحكمة الدولية ورفض أي تعرّض لها، مُسهباً في شرح هذا الموقف، وقد أقلقت الأميركيين شكوك الرئيس اللبناني في التحقيق الدولي، وما بلغهم عن موقفه في نيويورك وريبته فيه. بعد أيام، في 20 تشرين الأول، اتصلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون برئيس الجمهورية لتعيد على مسامعه الموقف نفسه في رسالة أوباما وفي ما نقله فيلتمان، وإصرارها على «عدم التسامح حيال أي محاولة لإضعاف المحكمة الدولية».


كان ردّ الرئيس اللبناني في المكالمة الهاتفية الآتي: عندما كنت قائداً للجيش، كان ثلاثة من مرؤوسي، وهم من كبار الضباط، قد سجنوا بناء على توصية من لجنة التحقيق الدولي. وعندما كنت أسأل عن السبب، لم أكن أعرف الجواب، ولا أسباب توقيفهم. وأطلقوا بعد ثلاث سنوات وثمانية أشهر من دون أي ادعاء عليهم. فكيف يمكنني الكلام عن صدقية التحقيق الدولي؟ وعندما طالبت المحكمة الدولية السلطات اللبنانية بمؤازرة الجيش وقوى الأمن لها لتنفيذ أحكامها، فإن ذلك يعيد طرح الشكوك نفسها، وهي أن العنصر أو الضابط عندما يُكلّف هذه المهمة، سيعيد التساؤل نفسه حيال تكرار الأمر بتوقيف أشخاص قد تثبت براءتهم لاحقاً، على نحو مماثل لما حصل مع الضباط الأربعة.

كان جواب الوزيرة الأميركية مرتين على التوالي: معك حقّ.

بلغت هذه المعطيات سوريا، وأدرجتها في نطاق تقويمها الإيجابي لموقف الرئيس اللبناني من التحقيق الدولي والمحكمة الدولية.

3ـــــ لعب جنبلاط دوراً رئيسياً في تثبيت خيار رئيس الجمهورية تفادي التصويت في مجلس الوزراء، واضطر هذا المسعى جنبلاط إلى المكوث يوماً إضافياً في العاصمة السورية هو 10 تشرين الثاني، بغية إقناع القيادة السورية بضرورة تجنّب المواجهة في مجلس الوزراء، ومن ثمّ انقسامه.

في اجتماعه به في 9 تشرين الثاني، أبلغ الزعيم الدرزي إلى اللواء ناصيف المعطيات الآتية:

ـــــ أنه يقف كلياً، وبلا لبس، إلى جانب القيادة السورية في الخيارات التي تقرّرها في معالجة الوضع اللبناني، وخصوصاً في موضوع المحكمة الدولية. بل لم يعد نافراً التنكّر المتدرّج الذي يتخذه جنبلاط في إعلان خروجه الصريح من المحكمة الدولية والانقلاب عليها، وصولاً إلى دعوته، الخميس الماضي، مجلس الوزراء إلى رفض المحكمة.

ـــــ لا يرى مصلحة في حمل وزرائه الثلاثة في حكومة الوحدة الوطنية على الاصطفاف، في هذا الوقت بالذات، في جانب قوى 8 آذار في مجلس الوزراء، ما دام الحريري مستعدّاً للذهاب إلى أبعد ممّا هو عليه اليوم من القرار الظني والمحكمة الدولية، وما دام المسعى السعودي ـــــ السوري مستمراً. لم يحبّذ الزعيم الدرزي توقيت إحراق المراحل، ولا استعجال الخيارات القاطعة.

قال لناصيف إنه جاهز للتصويت في مجلس الوزراء عندما ترتئي دمشق الأمر، إلا أن تغيير الغالبية النيابية لا يبدو بالسهولة المتوقعة. استثنى جنبلاط ثلاثة نواب أعضاء في اللقاء الديموقراطي من احتمال مجاراته في الانضمام إلى قوى 8 آذار في البرلمان، هم مروان حمادة ومحمد الحجّار وفؤاد السعد. ثم لاحظ أن لثلاثة نواب آخرين مبرّرات قد لا تمكنهم أيضاً من مجاراته، هم هنري حلو لأسباب سياسية، وعلاء الدين ترو لأسباب مناطقية لكونه نائباً عن إقليم الخروب، ونعمة طعمة لأسباب تتصل بمصالحه الاقتصادية في المملكة. واستخلص، في معرض طرح شكوك، أن نقل الغالبية في مجلس النواب من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار دونه عراقيل.

لكن جنبلاط لم يستثنِ من هذا العرض تأثير ضغوط يمكن أن يمارسها على نوابه المتحفظين.

2010-11-27