ارشيف من :أخبار لبنانية
إسرائيل والمحكمة: غباء أم دهاء؟
جان عزيز - صحيفة الاخبار
بات السؤال مشروعاً: هل هو الغباء الإسرائيلي، أم الدهاء، الهادف إلى التفخيخ الخبيث والمستتر والملتبس؟ أم هي الكبرياء الإسرائيلية البالغة حد الغرور والتباهي والتبجح، بنشوة الانتصار، حتى لو قبل لحظة الانتصار؟
السؤال مطروح، بعد سلسلة الكلام الآتي من إسرائيل، عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وإرهاصات قرارها الظنّي المصوَّب نحو حزب الله. قبل أسابيع عدة، سارع أشكينازي إلى تأكيد الخبر: القرار آت، والهدف عدوّنا اللبناني الأول... بعدها، سيطر بعض الصمت. وبدا وكأن إسرائيل أدركت أن مسارعتها إلى الاحتفال بالقرار قد تضرب صدقيته، أو حتى تقلّل من فرص إنجازه وتبطئ من سرعة صدوره.
في هذا الوقت، كانت المعطيات المكتومة تتوالى، عن التدخل الإسرائيلي اللصيق، أكان بلجنة التحقيق الدولية ووجود عناصر أمنية إسرائيلية في لاهاي بنحو دائم، أم بآلية نقل المستندات العائدة لهذه اللجنة من لبنان عبر إسرائيل.
غير أن تسارع التطورات في الأيام القليلة الماضية، ترافق مع ظاهرة غريبة، عنوانها تسارع الأصوات الإسرائيلية إلى تبنّي الإنجاز، وحجز الحصة اللازمة في رصيد القرار الاتهامي. لكن اللافت هو هذه «الوقاحة» الإسرائيلية، في أن تنسب مضمون القرار إلى الكيان الصهيوني، في وقت تركز فيه المعارضة للمحكمة ولقرارها في لبنان، على كون أدلتها المحتملة من صنع إسرائيلي. كذلك حملة هذه المعارضة، المحلية والدولية، لتأكيد الخرق الإسرائيلي لقطاع الاتصالات الهاتفية الثابتة والخلوية في لبنان.
ثم جاء تقرير شبكة التلفزيون الكندي، ناسباً إلى أحد الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتحديداً إلى الضابط الذي اغتيل، وسام عيد، العمل على كشف شبكة الهواتف الخلوية المتورّطة في اغتيال الحريري. ومرة جديدة، لم تقبل إسرائيل بالصمت، فسارع إعلامها إلى حجز حصتها من «رصيد» الإنجاز. فأوضح بعضه أنه «يمكن الافتراض أن بين من قدم خدمات في هذا الشأن للجنة التحقيق، أجهزة استخبارات ليست كثيرة في العالم، تمتلك القدرات المطلوبة، بينها وكالة الأمن القومي الأميركي، الاستخبارات البريطانية والاستخبارات الفرنسية، ومن دون ريب الاستخبارات الإسرائيلية، وفي الأساس الوحدة 8200، وهي الوحدة المركزية لجمع المعلومات في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية». كل ذلك وسط منسوب مكثّف، من نوع كلام ليبرمان مع نظيره الإيطالي، عن تعاون إسرائيل مع المجتمع الدولي لكشف اغتيال الحريري.
ما هو التفسير المنطقي أو الممكن لهذا الكلام المستغرب؟
احتمال أول، أن يكون عائداً إلى قدر من الغباء الإسرائيلي: بين خطأ في تقدير نتائج تصرف كهذا، وبين عجز عن ضبط الألسنة، أو منع التسريبات الصحافية والإعلامية، في ظل نهم إلى السبق الإعلامي والسياسي، في مجتمع يعاني أزمة ثقة وقيادة.
احتمال ثان، أن يكون في إسرائيل من بات متأكداً من النصر الآتي عبر المحكمة وقرارها. وبالتالي، أن يكون هناك من أصبح واثقاً من أن «ورقة النعي» الدولي لحزب الله، كما يسمّونها هناك، قد أنجزت وكتبت، وما من أمر أو تطوّر يمكن أن يبدّل بعد اليوم حرفاً فيها. وهو ما يدعو إلى هذه الاحتفالية المسبقة، ويفسرها ويبررها، بدوافع عدة، ليس أقلها الثأر لهزيمتين متتاليتين مذلّتين، على يد حزب الله نفسه.
الاحتمال الثالث، أن يكون الخبث الإسرائيلي، يحاول عن قصد وعمد، ضرب عمل المحكمة، أو التشويش عليه لأسباب مختلفة. فهل يعقل ألا يكون الإسرائيليون مدركين أن تغنِّيهم بالمحكمة، وتغزلهم بها، سيؤديان حتماً إلى مزيد من التشكيك اللبناني في صدقيتها، وبالتالي إلى مزيد من الصعوبات، لدى المؤيّدين للمحكمة نفسها، من أجل إمرارها داخلياً وتسويق نتائج عملها لبنانياً؟ لكن، ما الذي يفسّر هذا السعي الإسرائيلي، المحتمل نظرياً، إلى التشويش على تركيبة لاهاي و«معجزة» بلمار؟ هنا تتعدد الروايات: البعض يقول، الخوف من مشروع الفوضى الذي يروّج له فيلتمان. بعض آخر، يسأل عما إذا كانت ثمة اتصالات مكتومة بين دمشق وواشنطن، تسجّل تل أبيب اعتراضها عليها، بطريقة «الحرتقة». بعض ثالث يتساءل عما إذا كان بنك الأهداف الإسرائيلية خلف المحكمة، مختلفاً عن الرؤية الأميركية، وفق ما ألمحت إليه «هآرتس» من إصرار على اتهام سوريا وبيت الأسد بالذات...
أسئلة كثيرة مطروحة، لكنّها كلّها تلتقي عند نقطة محورية عنوانها: المحكمة الدوليّة إسرائيليّة أيضاً.
بات السؤال مشروعاً: هل هو الغباء الإسرائيلي، أم الدهاء، الهادف إلى التفخيخ الخبيث والمستتر والملتبس؟ أم هي الكبرياء الإسرائيلية البالغة حد الغرور والتباهي والتبجح، بنشوة الانتصار، حتى لو قبل لحظة الانتصار؟
السؤال مطروح، بعد سلسلة الكلام الآتي من إسرائيل، عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وإرهاصات قرارها الظنّي المصوَّب نحو حزب الله. قبل أسابيع عدة، سارع أشكينازي إلى تأكيد الخبر: القرار آت، والهدف عدوّنا اللبناني الأول... بعدها، سيطر بعض الصمت. وبدا وكأن إسرائيل أدركت أن مسارعتها إلى الاحتفال بالقرار قد تضرب صدقيته، أو حتى تقلّل من فرص إنجازه وتبطئ من سرعة صدوره.
في هذا الوقت، كانت المعطيات المكتومة تتوالى، عن التدخل الإسرائيلي اللصيق، أكان بلجنة التحقيق الدولية ووجود عناصر أمنية إسرائيلية في لاهاي بنحو دائم، أم بآلية نقل المستندات العائدة لهذه اللجنة من لبنان عبر إسرائيل.
غير أن تسارع التطورات في الأيام القليلة الماضية، ترافق مع ظاهرة غريبة، عنوانها تسارع الأصوات الإسرائيلية إلى تبنّي الإنجاز، وحجز الحصة اللازمة في رصيد القرار الاتهامي. لكن اللافت هو هذه «الوقاحة» الإسرائيلية، في أن تنسب مضمون القرار إلى الكيان الصهيوني، في وقت تركز فيه المعارضة للمحكمة ولقرارها في لبنان، على كون أدلتها المحتملة من صنع إسرائيلي. كذلك حملة هذه المعارضة، المحلية والدولية، لتأكيد الخرق الإسرائيلي لقطاع الاتصالات الهاتفية الثابتة والخلوية في لبنان.
ثم جاء تقرير شبكة التلفزيون الكندي، ناسباً إلى أحد الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتحديداً إلى الضابط الذي اغتيل، وسام عيد، العمل على كشف شبكة الهواتف الخلوية المتورّطة في اغتيال الحريري. ومرة جديدة، لم تقبل إسرائيل بالصمت، فسارع إعلامها إلى حجز حصتها من «رصيد» الإنجاز. فأوضح بعضه أنه «يمكن الافتراض أن بين من قدم خدمات في هذا الشأن للجنة التحقيق، أجهزة استخبارات ليست كثيرة في العالم، تمتلك القدرات المطلوبة، بينها وكالة الأمن القومي الأميركي، الاستخبارات البريطانية والاستخبارات الفرنسية، ومن دون ريب الاستخبارات الإسرائيلية، وفي الأساس الوحدة 8200، وهي الوحدة المركزية لجمع المعلومات في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية». كل ذلك وسط منسوب مكثّف، من نوع كلام ليبرمان مع نظيره الإيطالي، عن تعاون إسرائيل مع المجتمع الدولي لكشف اغتيال الحريري.
ما هو التفسير المنطقي أو الممكن لهذا الكلام المستغرب؟
احتمال أول، أن يكون عائداً إلى قدر من الغباء الإسرائيلي: بين خطأ في تقدير نتائج تصرف كهذا، وبين عجز عن ضبط الألسنة، أو منع التسريبات الصحافية والإعلامية، في ظل نهم إلى السبق الإعلامي والسياسي، في مجتمع يعاني أزمة ثقة وقيادة.
احتمال ثان، أن يكون في إسرائيل من بات متأكداً من النصر الآتي عبر المحكمة وقرارها. وبالتالي، أن يكون هناك من أصبح واثقاً من أن «ورقة النعي» الدولي لحزب الله، كما يسمّونها هناك، قد أنجزت وكتبت، وما من أمر أو تطوّر يمكن أن يبدّل بعد اليوم حرفاً فيها. وهو ما يدعو إلى هذه الاحتفالية المسبقة، ويفسرها ويبررها، بدوافع عدة، ليس أقلها الثأر لهزيمتين متتاليتين مذلّتين، على يد حزب الله نفسه.
الاحتمال الثالث، أن يكون الخبث الإسرائيلي، يحاول عن قصد وعمد، ضرب عمل المحكمة، أو التشويش عليه لأسباب مختلفة. فهل يعقل ألا يكون الإسرائيليون مدركين أن تغنِّيهم بالمحكمة، وتغزلهم بها، سيؤديان حتماً إلى مزيد من التشكيك اللبناني في صدقيتها، وبالتالي إلى مزيد من الصعوبات، لدى المؤيّدين للمحكمة نفسها، من أجل إمرارها داخلياً وتسويق نتائج عملها لبنانياً؟ لكن، ما الذي يفسّر هذا السعي الإسرائيلي، المحتمل نظرياً، إلى التشويش على تركيبة لاهاي و«معجزة» بلمار؟ هنا تتعدد الروايات: البعض يقول، الخوف من مشروع الفوضى الذي يروّج له فيلتمان. بعض آخر، يسأل عما إذا كانت ثمة اتصالات مكتومة بين دمشق وواشنطن، تسجّل تل أبيب اعتراضها عليها، بطريقة «الحرتقة». بعض ثالث يتساءل عما إذا كان بنك الأهداف الإسرائيلية خلف المحكمة، مختلفاً عن الرؤية الأميركية، وفق ما ألمحت إليه «هآرتس» من إصرار على اتهام سوريا وبيت الأسد بالذات...
أسئلة كثيرة مطروحة، لكنّها كلّها تلتقي عند نقطة محورية عنوانها: المحكمة الدوليّة إسرائيليّة أيضاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018